(بعد طول تأمل)

سيرة ذاتية فكرية لبول ريكور

 

       فارس الكامل

 أتحفتنا منشورات اختلاف بالتعاون مع المركز الثقافي العربي والدار العربية للعلوم بترجمتها لكتاب بعد طول تأمل لفيلسوف الارادة بول ريكور 2007 وقد قام بالترجمة فؤاد مليت والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية فكرية لريكور تعكس جوانب تطوره الفكري .

 يتناول ريكور سيرته من خلال كتبه والظروف المرافقة لكتابة كل كتاب من كتبه والتطور الذي طرأ على عمله الفلسفي ويوضح لماذا التركيز على انها(( سيرة ذاتية فكرية )) لان (( لامجال للحديث عن حياتي الخاصة الاّ عمّا كان موصولاً بفلسفتي وعاملاً في ايضاحها ، ثم ان الحديث عن ترجمة ذاتية لا يجعلني اغفل  مطبات وعيوب هذا الجنس من الكتابة ’ ذلك لان الترجمة الذاتية هي (( حكاية )) لوقائع حياة ما وهي انتقائية كعمل سردي ، ومن ثم فهي محكومة بجوانب شتى من النظر والاعتبار. 

ولد ريكور في فالنسيا وقام بالتدريس في كلية الاداب بجامعة نانتير وكان استاذا بارزا ذائع الصيت ودارس لتاريخ الفلسفة وجاء اهتمامه بها عندما وقع على ( فينومينولوجيا هوسرل ) حين كان سجيناً في المانيا خلال الحرب العالمية الثانية فعثر على الفلسفة التي زودته بالوسيلة الناجعه لفهم الانسان  فاستطاع بحسه الانساني أن ينهض بفلسفة محكمة , بسيطة في شكلها عميقة في دلالتها حيث تنطق هذه الفلسفة من نقطة اساسية وهي أن الانسان يؤلف وحده كلية فالانسان كائن عارف وحساس وفاعل  في نفس الوقت , ولايجوز ان نتناوله من ناحية واحدة ونترك النواحي الاخرى  . وقد اعتبر الانسان ايضا وجوداً وماهية ,  ولم يعط لاحد هاتين المقولتين الاسبقية كما فعل بعض الفلاسفة من قبله . فلا الوجود يسبق الماهية ولا الماهية تسبق الوجود . لذا انطلق في تفكيره من الفلسفة الظاهراتية والفلسفة الوجودية , مركزاً على عمل الارادة التي من خلالها تناول الفكر الاخلاقي والميتافيزيقي .

ان  ريكور بحسه المعرفي يركّز على الانسان هذا الكائن الهش والمعقد في آن واحد . محاولاً أن يزيل الغشاوة التي تحول دون تعرف الانسان على ذاته وان تكشف له عن نوازع الشر الكامنة فيه فيبادر الى كبحها لئلا يصير عبداً لها ، وهذا ما جعل ريكور ينكب على دراسة فرويد ففي كتابه في التأويل " محاولة في فرويد " يقول ريكور(( لم اخترت التحليل النفسي بالذات ؟ الحق ان موضوع الاثم هو الذي قادني الى جانب فرويد واثبت أن اللغة هي ملتقى جميع المداخل الفلسفية فلقد كان شغل فرويد الشاغل من وراء اعماله هو وضع "سيمانطيقيا" (علم دلالة) للرغبة ،  وكيف تكشف الرغبات عن نفسها في الكلام, كيف يتم التعبير عنها وكيف يفشل الكلام في التعبير عنها؟ هذه الصلة بين الرغبة والمعنى هي مايمنح التحليل النفسي مكاناً بارزاً في اية فلسفة للغة .

فالنفس لا يمكن أن تفهم الا عن طريق التِفافي يمر بالاعمال (الفنية والادبية  والفلسفية والافعال والاداب والنظم والمؤسسات) . وكل فهم ذاتي يتطلب تأويلا لنصوص أو بناءات شبيهة بالنص ، فالنص هو وحدة الخطاب الكبرى ويقع عليه الرهان الاكبر لجدلية التفسير والفهم ومن ثم التأويل وهذا ماجعل ريكور يلفت الانتباه الى ( ماركس ونيتشه وفرويد ) الذين حاولوا ، كل من زاويته الخاصه، ازالة الاقنعة وفضح الزيف وكشف الباطن الحقيقي من الظاهر السطحي . ويبدو ان الارتياب الذي مارسه هؤلاء الثلاثة يمثل نماذج شارحة لهرمنيوطيقا ريكور نفسه،ومن ثم تجدر دراستهم اذا شئنا ان نفهم تأويليته حق الفهم . لقد حاول كل واحد من هؤلاء ان يعثر على المعنى الحقيقي للعقيدة بواسطة نزع المعنى الزائف وتعريته . اما تحليل ماركس للعقيدة فقد افضى به الى نتيجة مؤداها انه بينما تبدو العقيدة معنيّة بموضوعات رفيعة من السمو الروحي والخلاص الشخصي فقد كانت وظيفتها في حقيقة الامر هي التعتيم على الاحوال غير الانسانية للعمل الانساني ، وجعل البؤس الحياتي أكثر احتمالاً وبهذه الطريقة تستخدم العقيدة كأفيون ومن هنا ذاعت مقولته التي يساء فهمها دائماً بأن (( الدين أفيون الشعب )) . اما نيتشه فقد اعتبر الهدف الحقيقي للعقيدة هو ان ترفع الضعفاء الى موقع قوة ، وتجعل من الضعف فضيلة . وتجعل الحياة اكثر احتمالاً بالنسبة للضعفاء وذلك بتدعيم الشفقة والكدح والتواضع وهو ماأسماه ((اخلاق العبيد)) وبهذا التحليل أزال نيتشه القناع عن العقيدة وحطم الاصنام وكشف انها مهرب الضعفاء وملجأ العجزة .اما فرويد فقد خلص في تحليله الى انه بينما تُدرك العقيدة كمصدر مشروع للسكينة والامل عندما يوجه المرء مصاعب الحياة فانها في حقيقة الامر – وهم - لا يعدو أن يكون تعبيراً عن رغبة المرء في ((أب- إله)) . لقد كان ثلاثتهم عند ريكور يمثلون ثلاثة طرائق متقاربة لكشف الزيف وقد قاموا بتنقية الافق من اجل عالم اكثر اصالة ، وحكم جديد للحقيقة لاعن طريق النقد الهدمي فحسب ،بل بابتكار فن للتأويل .

انها سيرة فكريه ومحاولة لاكتشاف الذات ولوحة فنية متناسقة الالوان ينتقل فيها ريكور انتقالاً متدرجا من الامكنة ، الى الاعلام ،الى الافكار والنظريات فيما يشبه تداعي الافكار لتشكل جميعها رحلة الارادة ، رحلة البحث عن الانسان وهو بحق كما يصفه ( جاك دريدا) فيلسوف التسامح والغفران ورجل الكلمة والعهد.

انها وصفتي من آخر ماقرأت فتذوقوها ولاتنسوا فعل القرآءة.

 ****

دفاتر