سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية
علي حسين القيسي
تمتاز
كتب السيرة والمذكرات بميزات عدة، لما تنطوي عليه من معلومة نافعة، ومعرفة جديدة،
وتجربة مفيدة، واسرار شخصية يمكن ان تميط اللثام عن المستور في الزوايا من خبايا
لولاها لبقيت مدفونة في بئر النسيان.. او هي كما يقول الدكتور حسين فوزي النجار:
(البحث عن الحقيقة في حياة فذ، والكشف عن مواهبه واسرار
عبقريته من ظروف حياته التي عاشها، والاحداث التي واجهها في محيطه والاثر الذي خلفه
في جيله، لذلك كانت اقرب الى التأثير الدرامي من كل الوان التاريخ الاخرى، وكانت
اكثر اثارة للقارئ من كل كتابة تاريخية غيرها).
مجمل هذا الكلام المعبر اجده ينطبق على كتاب (خواط السنين
– سيرة معماري ويوميات
محلة بغدادية) الصادر حديثا عن مكتبة الساقي، للدكتور المهندس محمد مكية، ففيه
تجربة ثرية عمرها يقارب القرن من الزمن، اذ ولد مكيه عام 1914 في محلة صبابيغ الال
البغدادية المجاورة لجامع الخلفاء ومنارته الشهيرة بمنارة سوق الغزل. فضلا عما
تضمنته المذكرات من ذكريات بغدادية تحمل عبق التاريخ ونكهته الجذابة، وخزين هائل من
الصور والحكايات العتيقة منذ طفولته حتى اختياره (لندن) منفى اختياريا له. يروي
الاحداث والوقائع بذاكرة طرية كانه عاش احداث طفولته توا.
يقسم الكتاب الذي استغرق 340 صفحة من القطع الكبير، الى خمسة
فصول، كل فصل منها اختص بسرد جانب من سيرة مكية. بعد مقدمة ضافية كتبها محرر
المذكرات، الباحث العراقي المقيم في لندن، رشيد الخيون، اذ ان صاحب المذكرات، حكى
ذكرياته شفاهاً وسجلها على اشرطة (الكاسيت). وصاغ المحرر هذه الحكايات والاحاديث
المبعثرة لتكون بصيغة ممتازة تتلاءم وتاريخ الرجل الحافل بالانجازات.
البدايات. كان عنوان الفصل الاول الذي هو امتع فصول الكتاب،
فقد جاء زاخرا بتفاصيل من الماضي البغدادي العريق، على الرغم من هيمنة الجانب
الشخصي والعائلي على الجوانب العامة. اذ من الممكن ان يتضمن معلومات تاريخية غزيرة،
لو توفر من ينعش ذاكرته ويستدرجه للحديث فالرجل كما هو واضح من صفحاته كتاب عاش
حياته بالطول والعرض وتنقل بين المدارس الابتدائية حتى استقراره في الاعدادية
المركزية.
وكان ضنينا ايضا بتاريخ محلته البغدادية التي ضمت بين بيوتها
وازقتها شخصيات مرموقة في الحياة العامة وقتذاك مثل الوجيه الوطني جعفر ابو التمن
والدكتور ضياء جعفر وزير الاشغال الاسبق والدكتور عبر الامير علاوي وزير الصحة
الاسبق وسكنها ايضا الزعيم الشيوعي يوسف سلمان المعروف بـ(فهد) وغيرهم الكثير.
تناول في فصله الثاني فترة دراسته في (لندن) وقيام الحرب
العالمية الثانية اذ شاهد الطائرات الالمانية وهي تلقي بحممها على لندن. وكيفية
حصوله على شهادة الدكتوراه بعد انقطاع الدراسة بسبب الحرب. استغرقت مدة اقامته هناك
(11) سنة تعرف على فتاته مارغريت التي تزوجها لتكون ام ابنه كنعان وتاقلمت في بغداد
بعدما اصبحت مدرسة في دار المعلمين العالية وعقدت صداقات متعددة مع الكثير من
الادباء والفنانين العراقيين.
حال عودته الى بغداد بعد غياب اكثر من عقد. عين في مديرية
البلديات العامة. بعد معاناة لعدم وجود مكان لاختصاصه في دوائر الدولة. إلا ان هذا
لم يفت في عضده فقد مارس حياته الوظيفية الجديدة بجد ونشاط وساهم بافكاره ومقترحاته
ومشروعاته على الرغم من اصطدامه ببعض المسؤولين الحكوميين البيروقراطيين. وقد روى
الكثير من مشاكله في الوظيفة وذلك في فصل الكتاب الثالث، الذي يعد قلب الكتاب
وروحه، اذ كان غنيا بالاحداث التي تعكس الواقع السياسي والاجتماعي لبغداد عهد ذاك.
وكان مكية حاذقا في رواية الكثير مما واجهه حتى استقالته من
الوظيفة وتوجهه للعمل المعماري المستقل، مستعرضا طائفة طريفة من الحكايات دون اسفاف
او ابتذال. وقد رافق بعض الصفحات اسى شديد، يدل على رقة عالية مثل حكاية (الدب)
الذي اهداه اليه سائقه الكردي ابراهيم الذي اتى به صغيرا من كردستان، فاعتنى به
مكيه ورعاه حتى كبر ليثقل كاهله، فواتته فكرة تقديمه هدية الى الملك فيصل الثاني
الذي فرح به ايما فرح، الا ان (الدب) المسكين الذي احبه مكية اطلق رجال ثورة 14
تموز قيده ليلقى حتفه في شوارع بغداد. مما احزنه كثيراً.
وكان مكية قد التقى مرة اخرى بالملك فيصل الثاني اثناء
افتتاح معرض اقامته جمعية الفنانين العراقيين على قاعة نادي المنصور، وطلب من الملك
ان يكون هذا المعرض تظاهرة سنوية تحت رعايته. ايد الملك الفكرة ودعمها بحفاوة، الا
ان الموت عاجله وبحكم اختصاصه ومهارته التقى مكية عبد الكريم قاسم ايضا وامتدح
سلوكيته واهتمامه باعمار بغداد، فضلا عن الكثير من الوزراء والوجهاء.
تكر محمد مكية بصمة واضحة في الفن العراقي المعماري منذ
تأسيسه قسما للعمارة في كلية الهندسة عام 1959، وتصميمه وتنفيذه اعمار جامع الخلفاء
وسط بغداد عام 1961 فصار آية في الفن الاسلامي الرفيع الذي برز فيه مكية وتفوق به
ايضا. وبناية مصرف الرافدين في شارع البنوك التي تعد اعلى بنايات بغداد في وقتها.
لقد كان راس مكية مزدحما بالافكار والمقترحات والمشروعات منها ما نصب على الارض
ومنها ما رفض من قبل الحكومات المتتالية لذرائع شتى، مثلا مشروعه الداعي الى تحويل
جزيرة ام الخنازير ببغداد الى حديقة نباتية حيوانية بدلا من بيعها الى دولة
الامارات كما كانت نية الحكومة عهد ذاك. وكذلك مشروعه الممتاز لانشاء حزام اخضر يلف
مدينة بغداد الذي اوقف وزير الاشغال ضياء جعفر تنفيذه بمسوغات تافهة. حتى تسلم
السلطة من قبل البعثيين الذي كان بمثابة الضربة القاضية على مشروعاته، اذ دمروا
مشروع عمره وحلمه الكبير، المتمثل بانشاء جامعة الكوفة الاهلية، التي استمد فكرتها
من جامعة كمبردج التي درس فيها قبل عشرين عاما من ذلك، فاراد مكية ان ينقل تجربتها
الى العراق. فقد كانت كمبردج كنيسة ومدينة جامعية كذلك اراد ان تكون جامعة الكوفة
جامعا ومدينة جامعية تخدم ابناء الجنوب والوسط. وقد حظى مشروعه العملاق بمباركة
المرجعية العلمية في النجف الاشرف ودعم الوجهاء ورجال الاعمال بقوة. الا ان وزير
الداخلية صالح مهدي عماش اوقف المشروع وامر بتصفيته عام 1969 لتعارضه مع توجهات
الدولة (الاشتراكية القومية).
تشكل مذكرات محمد مكية هذه، قيمة علمية وتاريخية كبيرة،
فالرجل رائد كبير وعبقرية فذة. شارك في صنع النهضة الاعمارية في العقود السابقة
وكنت اتمنى ان تكون في بعض جوانبها اوسع مما هي عليه. فقد عاش الرجل حياة طويلة
عريضة وعايش احداثاً مهمة.
ما يؤخذ على الكتاب اهتمامه بالجانب الشخصي غير المهم،
وتبرئة شخصه من الضعف والنقص البشريين. وضيقه الواضح بالمبدعين في مجال اختصاصه.
وقد ساله رشيد الخيون كما ورد في المقدمة: (هل عمرك رضيت على احد؟ فقال له: ليس
بالسهولة).
فعندما يرد ذكر المهندس ارشد العمري الذي اصبح رئيساً
للوزراء يقول: (يتحمل العمري مسؤولية تشويه نسيج بغداد العمراني باعتباره امتلك
خلفية المهندس الاستشاري، حيث درس الهندسة بجامعة استنبول، واحتل بعد مجيئه من
الموصل منصب امانة العاصمة وهو المؤسس لها. وكان وراء اصدار عدة قوانين ساهمت في
تشويه معالم بغداد الاثرية). وقال عن المهندس البارع الآخر؛ قحطان المدفعي: (ما
ينقصه للاسف تفاعله مع الحداثة بما يستغني عن التراث). اما المهندسة زها حديد
الحاصلة على جوائز عالمية عديدة فقال للتقليل من مكانتها (تقدمت إلى الدراسة مع
توصية الصديقين قاسم حسن واحمد سوسه بطلب من والدها، الذي كان وزيراً للمالية بعد
1958 على ما اتذكر وهو من السياسيين الديمقراطيين المعروفين)، كاني به يقول: قبلتها
خارج الشروط.
ولا ينجو مهندس من نقده وان سكت عن احدهم استنجد بغيره كما
حدث مع المهندس رفعة الجادرجي فقد قال ان جواد سليم غير راض عنه لانه جعل نصب
الحرية على هذا المستوى من الارتفاع المخل؟!
كنت اتمنى ان يتدخل الباحث رشيد الخيون في المواقع التي
تحتاج لتدخله بدلاً من وقوع هذه الهفوات الصغيرة. فقد ورد في الصفحة 100:
نقلاً عن رفعت مرهون الصفار في كتابه عن صبابيغ الآل (دعا
الحاج داود ابو التمن وهو والد الشخصية الوطنية جعفر ابو التمن) وهذا وهم اذ ان
داود ابو التمن رحمه الله صاحب الجامع المعروف باسمه في محله صبابيغ الآل هو جد
الزعيم الوطني جعفر ابو التمن. اما والده فهو محمد حسن.
وجاء في الصفحة 176 اثناء حديثه عن احد الاسطوات البغداديين
الذي ساهم في بناء (جامع الخلفاء ببغداد، وطارمة ضريح الامام موسى الهادي في
سامراء) المقصود هو ضريح الامام علي الهادي عليه السلام.
وفي صفحة 198 وفي سياق حديثه عن رفضه انشاء فندق سياحي فوق
انقاض آثار نينوى (كان ذلك في اجتماع عقد العام 1969 بحضور الآثاري طه باقر ووزير
الثقافة الشاعر شفيق الكمالي) لم يكن الكمالي عهد ذاك الوزير المقصود بل هو الدكتور
عبد الله سلوم السامرائي.
وفي صفحة 213. عند حديثه عن تمثال الرصافي قال: (فبدلاً من
وضع الرصافي بشكل مجسد تافه لاروح فيه، وهو يلبس السدارة والسيارات بكل ضجيجها تدور
حوله). الرصافي في تمثاله العتيد الشامخ وسط شارع الرشيد حاسراً لم يعتمر السدارة
كما هو واضح.
وهذا لا يقلل من اهمية المذكرات وقيمتها العلمية والتاريخية
اذ ان الكتاب عموماً جدير بالمطالعة لغزارة حكاياته وتجاربه المتنوعة وتكمن قيمتها
ايضاً في شخصية الدكتور محمد مكية الفذة التي تركت بصماتها في الفن المعماري لكثرة
انجازاته ومكانته المرموقة على المستوى العالمي.
عن المدى البغدادية