الأوبة" للسعودية وردة عبد الملك
هتك الممنوع

ماهر شرف الدين

لا بدّ أن تضع رواية "الأوبة" للكاتبة السعودية وردة عبد الملك، الصادرة حديثاً لدى "دار الساقي"، قارئها أمام سؤال ذي شقّين: هل اسم الكاتبة هو اسم مستعار، وإذا كان كذلك فهل يمكن أن تكون صاحبته كاتباً لا كاتبة؟
تصدر شرعية تساؤل كهذا عن أسباب عدّة، منها: اتساع "ظاهرة" الرواية النسوية السعودية والتي تمّ التأريخ لها، خطأً، برواية "بنات الرياض" لرجاء الصانع، ومنها أيضاً صدور رواية قبل ثلاثة أشهر باسم مستعار ("الآخرون" لصبا الحرز) قيل إنها ربما تكون لكاتب سعودي معروف، ومنها، وهذا الأهم، أنه من شبه المستحيل أن تُقدم كاتبة سعودية، تعنيها سلامتها الشخصية، على توقيع هذه الرواية باسمها الصريح. لماذا؟ اقرأوا الآتي:
"يكشف الله عن ساقه فإذا خلخاله يحدث شنّة ورنّة لكن القوم لاهون: أنف فلوة في مؤخرة علي، ولسان عبد الله الخشن يجوس بين فخذي فاطمة" (ص 7)، "تأوه وأنين، صلاة وقرآن، دفع ودفق، والملائكة تنظر إلى فنون النكاح بشبق ووله" (ص 52)، "الله الذي استأثر بالهناء (...) ألم يخن الله نفسه؟" (ص 69)، "وساوس الله وساقه وخلخاله" (ص 92)... إلخ. ناهيك بالآيات القرآنية التي جرت على لسان إحدى العاهرات وهي تضاجع شيخ دين أتاها من دبرها، تقول الكاتبة: "كانت ساجدة على مصلاها، وبغنج قد بلغت قوله "أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنّات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون"، بينما هو خلفها يمسكها من خاصرتها، ويدفع دفعاً شديداً، موغلاً بثعبانه الضخم في مؤخرتها، "وأما الذين فسقوا فمأواهم النار". لم تكمل الآية لأنها بدأت بالتأوه بصوت عالٍ".
أيضاً، استعمال أحاديث الرسول في مواضع تهكّمية كقولها: "قل لربّك أن يأخذ الدميم القصير إلى مكان ما تحت عرشه (...) وليخصص له من الحور العين سبعين يلقاهن دحماً دحماً ويعدن في كل مرّة أبكاراً"، والمقصود هنا بالطبع حديث أبي هريرة عن الرسول "أنه قيل له: "أنطأ في الجنة؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده دَحْماً دَحْماً، فإذا قام عنها رجعت مطهّرة بكراً". ناهيك أيضاً وأيضاً بمشاهد الجنس التي استغرقت الكتاب من إلفه إلى يائه.
كنت أقول إنه لن يكون في وسع قارئ هذا الكتاب النجاة من شرك الاستفهام عن اسم المؤلفة أو عمرها، خصوصاً لدى وقوعنا على "إشارات" لها أوجه كثيرة من الدلالات، الخادعة ربما، من مثل ورود اسم الكاتب عبد الله الغذامي، وتقريباً من دون مبرّر، إذ يأتي في شكل عَرَضي أثناء رؤيا أو كابوس تمرّ به بطلة الرواية: "عبد الله الغذامي يجاهد في ارتداء طاقية موشاة أصغر من رأسه، وصبية يتعلّقون برقبته الطويلة". لا نعرف سبباً لورود اسم الغذامي على هذا النحو، ولا سبيلاً لمعرفة "الصبية" الذين يتعلّقون برقبته الطويلة، كما أننا لا نريد إعطاء ذلك تأويلات متهوّرة، لكننا نعرف أن الرجل صاحب قلم شجاع ومقالاته الكثيرة عن "بنات الرياض" كان لها أكبر الأثر في تحويل هذه الرواية إلى مادة للسجال الداخلي السعودي.
حكاية الرواية هي حكاية فتاة تدعى سارة تقلّبت في فراش حياتها كما تقلّبت في فراش نومها: "من يحتمل النار يا سارة!"، هي ذي العبارة التي لم توفّر المعلّمة العانس (أبلا فلوة) معنى من معانيها إلا استخدمته
في تخويف تلميذتها الصغيرة، حتى استطاعت التغرير بها وتزويجها من أخيها عبد الله، والذي ستكتشف سارة في ما بعد أنه يعاني من مرض الصرع.
من سرير عبد الله المصروع، أو الممسوس بالجن، والذي كان يبرك عليها كالبعير فلا يتركها إلا مع آذان الفجر، إلى سرير الشيخ الدميم المتخصص في إخراج الجن من الأجساد... إذاً، نحن إزاء فتاة صغيرة تداولتها اللحى و"الثعابين" (الاسم المستعار للعضو الذكري)، وتتنازعها جهنم والفراولة (الاسم المستعار للفَرْج)، تتمنى "أن تكون شجرة في بريطانيا على أن تكون امرأة في السعودية"، تعيش ثالوث استعبادها اليومي: المطبخ، السرير، السجادة. أيضاً، المرأة التي تبالغ في إدخال يديها في العباءة السوداء وشدّهما فلا يتبيّن الرائي إن كان لها يدان أم لا! هذا التنازع ما بين جسد يشتهي وجسد غائب، وما بين دنيا مشتهاة ودنيا اخروية، وما بين "إله طيّب" و"إله شرير"... هو ما يستدعي تداخل الزمن في الكتاب. فزمن الرواية، في أحيان كثيرة، يختلط اختلاط ورق اللعب، حتى أن القارئ يشكل عليه في غير مرة التعرّف إلى زمن السرد والمرحلة التي تتحدث عنها الكاتبة، وما إذا كانت هذياناً أو حقيقة. أثناء ذلك، نقع على مشاهد حادّة عن استخراج الجن من الجسد بضربات السوط: "أخرجْ من إبهام قدمه يا نجس يا رجيم"، وعن أمسيات الوعظ حول "حقوق الزوج وآداب المعاشرة" التي تقيمها إحدى الداعيات الشهيرات في الرياض، والتي تشرح لمريداتها المسكينات عقاب المرأة التي "تؤذي زوجها" (أي أن تمتنع عن فراشه!)، وهذا القصاص يتلخص في أن تغسل هذه المرأة ميتاً يقتلها برائحة دبره! لذلك تعيش سارة فصامها في الاختيار ما بين طاعة ولي الأمر وغسل الميت: "يا الله إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تنجّيني من عذاب القبر ورائحة الدبر".
طبيعي، في واقع كهذا لا يجد للمرأة طريقاً نحو الجنة إلا يمرّ في السرير، أن تملأ مفردات البصاق والتقيؤ والمخاط والقذارة بياض صفحاته، وأن تملأ مفردات الهتك الديني سواد حروفه. لقد "انتقت" الرواية النسوية السعودية من مثلّث المحرّمات ضلعين: الجنس والدين، وفي خصوص الدين بلغت هذه الرواية مرحلة غير مسبوقة سعودياً في التصدّي لطبعته الرسمية، بينما بلغت رواية "الآخرون" مثل هذه المرحلة في التصدّي للجنس من خلال تناولها موضوع السحاق. في حقيقة الأمر كانت "بنات الرياض" هي الأكثر تواضعاً من حيث السقف، كذا من حيث الصفة الأدبية. والصحيح أن رجاء عالم، التي نشرت انتاجها منذ أوائل التسعينات، كانت أحقّ منها بهذه الضجة لو منحت إحدى قصصها، أو رواياتها، عنواناً لمّاعاً كعنوان: بنات الرياض.
الرواية بسيطة، لكن الواقع معقّد. وبالطبع كان في إمكان هذا العمل أن يكون أكثر من مسوّدة لرواية حقيقية، لكن ذلك لا ينفي أهميته الأدبية، ولغته الممتازة. أيضاً، لا ينفي وجود قارئ غيري قد لا يعنيه اسم الكاتبة الحقيقي.

عن النهار البيروتية

دفاتر