«على فراش الموز» لعبد الستار ناصر ..

مكاشفات حميمة وجرأة في تعرية الذات ..

 

جمال القيسي

 يعد عبد الستار ناصر من الكتاب غزيري الإنتاج، فمؤلفاته تجاوزت الاربعين كتابا في مختلف الاجناس الادبية من قصة ورواية ونقد ومسرح. وان كان الحقل الأكثر الذي كتب فيه هو القصة، الا ان رواياته وجدت مكانها في الاوساط الادبية من مثل «حمار على جبل» (2001)، و«ابو الريش» (2002)، و«نصف الأحزان» (2000).
ورغم أنه يصر على انه قاص أولا وليس روائيا، خرج علينا عبد الستار مؤخرا برواية اسمها «على فراش الموز» صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في 243 صفحة من القطع المتوسط.
يعلن الكاتب وتحت عنوان «لا بد من مقدمة» قائلا: «ما عدت أميل الى الروايات التي تشترط البداية والمتن والنهاية،نحن بحاجة الى شيء من الغزل مع المكان ومع الزمان معا» (ص 7). ولا بد من الاعتراف بأنه قلب الاوراق وألغى ارقام الصفحات التي تتشكل في حياة كل منا وتشكل عشرات الروايات، ولكن من الذي يكتب الرواية في النهاية؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال ليس مكانها هنا، انما بعجالة يكتبها المبدع الذي ليس بالضرورة ان تكون الرواية سيرته الذاتية، اذ لو اعتمد المبدع عند كتابة رواية على حياته الشخصية فقط دون خلق فإنه كما يقول عبد الرحمن منيف لن يكتب أكثر من رواية واحدة.
«على فراش الموز» رواية جمعت الكثير من روح صاحبها الابداعية، فتراه ينتقد ويمسرح ويقص، لا بل وردت مقاطع شعرية في الرواية. كل ذلك سكبه عبد الستار ناصر في هذه الرواية التي تكشف عن حضور طاغ للمكان، بل وتسيده للمشهد الروائي، حتى أن المكان ساهم بصورة أساسية في خلق الحدث وتصعيده لكونه شكل ذاكرة وحاضنة لأهم تجارب البطل الشخصية، ولما له من تأسيسات شعورية لها علاقة بالبعد النفسي، حيث ان تعلق الشخصية بالمكان مبني على ما ترسب في قاع الذات من تجارب ورؤى ووجهات نظر.
وقد لجأ الكاتب الى ضمير المتكلم -السارد العالم بكل شيء- وتكمن أهمية هذا الضمير في الروي في كشفه النوازع والدوافع الجوانية، والتقاط اللحظات النفسية والتعبير عنها على نحو حميم أصيل، مما ولد التواصل بين الكاتب والقارئ على طول صفحات الرواية.
ونلاحظ ان رواية رشدي (بطل الرواية) ظهر متوحدا مع ذاته، مشتبكا بماضي عائلته، وحاضره المقلق بعد ان خاض صراعا حادا مريرا بين البقاء في الوطن ومغادرته وبين العودة اليه ونسيانه الى الأبد، وهو في هذا الصراع يعيش حياة عابثة متمردة يائسة: «خسرتني عائلتي في وقت مبكر من حياتي، وأظنها كانت البداية. تصرخ بهم: لا مكان لكم في حياتي بعد اليوم. إنني اكفر بكم واتبرأ منكم» (ص 32). و«أسابق عمري بين البارات والخمور والجنون» (ص 42)، و«رحت في نزهة جهنمية خارج البلاد كلها أرثي حطام البلد الذي تشظى بأزميل أولاده» (ص70).
تتحدث الرواية عن (رواية رشدي) الذي نشأ في عائلة محصورة بين الغرائز والغباء، وتعاني خرابا موجعا في علاقاتها الاجتماعية، وترعرع في زقاق وطن لا يعرف غير الكآبة والبكاء والجوع، ولما اشتد عوده سافر الى أوروبا لدراسة طب العظام، وهناك رأى الفرصة سانحة والامل عريضا في الانقلاب على واقعه، وعلى نفسه حتى، والتمرد على العائلة والزقاق والوطن، وأخذ يداوي جروحه النفسية العميقة عند نساء الليل والنهار وفي الحانات وفي السفر من بلد الى بلد وكأنه سندباد ينشد المجهول لا لاكتشافه وانما انتقاما من واقع يطارده ومن نفس تأمره بالتعاسة وهربا من وطن استحال الى قبر عظيم!
وهو في هذا كله يجلد ذاته حينا وينقدها حينا آخر، وفي مواضع يعري العلاقات الاجتماعية ويشن الغارات على صراعات البشر الوضيعة وحروبهم القذرة، ويتهكم عندما يضطره الواقع للمقارنة بين اوروبا ومكان نشأته في العالم الثالث.
ويتراءى لنا إيقاع العمل ثابتا على طول مسار الحدث، إذ انه يراوح بين ذكريات (رواية رشدي) مع العائلة وبين أسفاره في أوروبا ووقائع إقامته في عواصمها عبر الاعتماد على التداعي وانثيال الخواطر لتأكيد حضور الذات والاسترسال وشعرية السرد أحيانا والوصف ثم جمالية الأسلوب والصياغة ومأساوية النتائج: «عرفت فورا أنني من بلاد لا تعرف كيف تعيش. كهف معتم داخل كهف اكثر عتمة، ذاك جزء من الوطن المحفور في خارطتي» (ص 182)، و«أكاد أحطم نفسي بالرجوع الى وطني.. أنا المحروم الأبدي المحروق، رأيتها، نفسي، تتأرجح بين ابتسامات كاترينا ودراكا وفيوليتا، وعلى شفاه سوزي ومارلينا وميمي» (ص 173).
وبتتبع مسار الشخصية المحورية في الرواية، يسطع المكان متوهجا ولا يملك فكاكا من هيمنته شبه الكلية، حتى البحار والشطآن كان لها حظها أيضا من هذا السطوع؛ المكان. إذ يدمن (رواية رشدي) الترحال، وتبدو روحه معلقة بالعواصم، من بغداد الى روما الى باريس الى بودابست الى فينسيا الى بوخارست الى أثينا الى صوفيا الى براغ الى بيروت الى القاهرة....الخ. وفي هذه الأمكنة يكشف لقاء الكتاب وقائع على قدر من الأهمية في حياة رواية رشدي، خاصة ما افرده في فصل يروي فيه حكاية رواية مع كاثي وما دار بينهما من حوارات تنم عن خطاب معرفي لا يخلو من الأحاسيس، يحرض الوجدان وينير العقل وان أضحى الخطاب نفسه مطروقا بأكثر من أسلوب في أعمال أخرى.
لم يعن عبد الستار ناصر بالكشف عن العناصر بمجموعها المؤلفة للمكان وخصائصه، ولم يعكف على وصفه بدقة بالغة، ولم تستوقفه التفاصيل كثيرا، إنما أظهر البطل مفتونا بعواصم المدن التي تنقل بينها لاهثا، ومر على وصفها وصفا عاما ونفسيا أيضا دون الانشغال بالتفاصيل، ومرد ذلك الى ان الرواية بمضامينها وموضوعاتها وشكلها وتقنياتها الفنية انتمت الى الشكل الكلاسيكي المعروف من ناحية علاقتها الوثيقة بالواقع الاجتماعي وعكس اوضاعه، إضافة الى كونها حداثية من ناحية أنها جاءت لتعبر عن الأزمة النفسية العميقة لذات الشخصية المحورية في الرواية وما يحتاجه ذلك من لغة تقترب من الشعر مونولوج داخلي وتداعيات وتهويمات وقطع واسترجاع، بالإضافة الى التركيز على الأحلام والهواجس وفضح الأسرار.
وبالانتقال من فصل الى آخر يتأكد لنا دور المكان في خلق حالات الفرح والنشوة عند الشخصية ودفعها للإقبال على الحياة، بل التهامها بكل ما فيها من لذائذ ورغائب وشهوات، ودوره أيضا في تسميم نفسها وتعكير صفو عيشها، ووسم يقظتها بالخيبة والانكسار: «رأيت البلاد التي غادرها الحنين، والبلاد التي زرعوها بالرقص والدبكات والفساتين الزاهية مرة في روما وثلاث مرات في نابولي وعند رياح تيريستا وربما عند نبع ماء في قلب بودابست» (ص 29(، و«كنت احكي مع نفسي: لماذا نحن هكذا لا نشبه البشر في أي مكان؟ من أين جاءتنا هذه القسوة والروح الشريرة؟» (ص 235).
جاءت الشخصية المحورية متشظية ومتوزعة ومشتتة الهوى والإرادة بين مسقط الرأس بما يمثله من مهد طفولة وملعب صبا ووعاء ذكريات وجحيم لا يطاق ايضا، وبين عواصم وبلدان تجسد السلام والجمال والدعة ولذات الحياة.
وهي اذ يغلبها الحنين في نهاية المطاف وتعود الى الوطن تدهمها سياط الجلادين ويودعونها اقبية العذاب المقيم، وبعد عام من الوحشة والآلام يطلقون (رواية رشدي) الى الفضاء غير مصدق أنهم أخرجوه حيا بعدما رأى هول الموت عشرات المرات، وبعد هذا كله تتعاظم خيبته فيحسم أمره باتجاه عواصم ستكون ملاذه الاخير مهما بدت باردة وغريبة: «ولم ألتفت الى بغداد، لم ألتفت الى الوراء ولا مرة واحدة، لكنني برغم هذا بكيت» (ص 243).
وتتميز الرواية بالاتكاء على المكاشفات الحميمة والجرأة الاستثنائية في تعرية الذات والآخرين بلا أدنى مواربة، مما يجعلها تقترب من السيرة وتغترب عنها في آن.
* كاتب أردني

 عن الرأي الأردنية

دفاتر