البطل البغدادي
فاطمة المحسن
الكاتب والحرية
سبق أن كتب عبد الستار
ناصر كل قصص مجموعته (سيدنا الخليفة) في فترات مختلفة منذ بداية
سبعينات القرن المنصرم الى نهاية التسعينات ومعظمها منعت من
النشر، أو نشرت وحجبت عن التداول حسبما يقول المؤلف في
المقدمة التي يشرح فيها سنوات المنع وأسبابه، لذا أعاد نشرها
في طبعة صدرت عن وكالة الصحافة العربية في القاهرة قبل اشهر.
القصة الأولى التي
يعنون بها مجموعته كانت بمثابة المحطة الحاسمة في حياة مؤلفها، فقد
دخل عبد الستار ناصر السجن على اثر نشرها في مجلة سورية،
واختفت أخباره سنة كاملة، الى ان أطلق سراحه بعد ان قاسى في
زنزانة انفرادية صنوف التعذيب والاهانات..
هذه القصة
تترجم تاريخاً للمؤلف كان ينطوي على موقف فيه الكثير من التحدي والجرأة غير
المسبوقة في عراق منتصف السبعينات، ولكنها كانت ايضاً سبباً من
اسباب انكسار صاحبها وقطع الطريق على مشروعه ليكتب تاريخاً
مخالفاً، ثم ليهرب من العراق مستعيداً تلك القصة الحدث،
ويضيف اليها عدداً من القصص التي يتحرك فيها المؤلف بين أجواء
الفانتازيا والحقائق التي تشابهها.
تمكن اليوم مناقشة الدواعي التي جعلت من كاتب
مثله يفصح على نحو غير موارب عن معاناة الناس من التسلط والقهر
السياسي والاجتماعي، مع انه لم يعرف عنه انتماء الى حزب أو
حركة معارضة، فكل الوسط الثقافي يصف عبد الستار ناصر بالفتى
اللاهي الذي يحب الحياة ومتعها، وربما هذا الجانب في شخصيته كان
وراء كتابة القصة المحومة
حول فكرة الممنوعات، فكل شيء في العراق كان ممنوعاً،
ومطاردة الشباب تولتها الشرطة التي أطلق عليها شرطة الآداب، هذا ما
يقوله ناصر في قصته بين أشياء كثيرة تبلغ من الخطورة ما
لايمكن غفرانه في تلك الأيام الحاسمة.
وفي قصصه المستكملة يكتب عن تجارب عاشها وبينها
تجربته في السجن،تلك التي سبق أن سجلها
في روايتين نشرهما في التسعينات في الأردن.
مذكّرات تلك
الفترة
اللافت في هذه المجموعة اختلافها من حيث اللغة والسرد
عن روايتيه، فهو هنا اكثر اهتماماً
بالجانب الفني، وتشغله اشكالية الشخصية واسلوب التعبير، ويبدو أن
تلك القصص لم تكتب على استعجال بل كانت تعتمل في محطات فاصلة في
حياة المؤلف.
المجموعة تبدو سجلاً لحياة جيل المؤلف من المثقفين
الذين تشكل احاديث المقاهي حياة موازية
لوقائع يومهم:
نوع احلامهم وتطلعاتهم، بل طرق اعرابهم عن
الحب والكراهية والشتيمة والأمنيات، ربما يفوق هذا الجانب في
المجموعة اهميتها السياسية، فكرة السفر التي كانت تعتمل في
ثرثرات المقاهي،
اصبحت هوية التعبير عن
التوق الى الحرية والانعتاق من عالم محفوف بمخاطر السياسة.
كانت السبعينات من
القرن الماضي حبلى في العراق بنذر الشر، في وقت كان الجيل المثقف
وطلبة الجامعات والشباب عموماً قد دخل مرحلة من التطور غير
مسبوقة،وكان المجتمع بأكمله ينظر بتسامح الى حياة الانفتاح
التي تشهدها شوارع بغداد ومنتدياتها ومقاهيها، وهو حال الكثير من
المدن العراقية.
تلك المفارقة لم تسجلها كتب السياسة أو مذكرات الرصد
الاجتماعي، ولكنها تظهر كحصيلة في استذكارات الكتاب وفي قصص أو
أشعار من عاشها، بمقدورنا اعتبار هذه القصص جزءاً من مذكرات
تلك الفترة، لا لجهة تفصيل حوادثها السياسية أو الاجتماعية،
بل لجهة تحديد بوصلة مزاجها بين المثقفين أنفسهم.
مولانا
يكتب عبد الستار ناصر في قصته التي سجن من اجلها:
(قنعنا في شهور ولّت برغبة مولانا في أن
يقص شعورنا الطويلة، وضحكنا معه لما شق بنطلوناتنا في
الشوارع العامة، بل مددنا له أيدينا وهو يصبغ أفخاذ بناتنا في الجامعة والأسواق
وتحت نصب الحرية) لايكتب
المؤلف عن مجاز أو تورية سياسية، بل عن وقائع جابت فيها
الشرطة شوارع بغداد والمدن الرئيسة، لتؤدب الفتيات والفتيان، وبين
الجد والهزل يتذكر هذا الجيل تلك الحوادث من دون ان يعي
مفارقة التناشز بين المجتمع والسلطة، فالمجتمع يسمح حتى في
الأماكن الفقيرة والمتخلفة، ما لا تسمح به الحكومة، وتلك
مفارقة سوسيولوجية جديرة بالانتباه، وهي تنسحب على احاديث السياسة ايضاً.
الجيل
الذي خرج من رعود الثورة الطلابية في الغرب، لابد أن يثق بقدراته على استكمالها في
مكانه المحلي، وهكذا كانت الملتقيات الثقافية تعج بأفكار التمرد
التي طالت حتى الذين لم يتورطوا بفعل سياسي.
المكان الملعون
عبد الستار ناصر يخلط في قصصه
بين فنتازيا الحياة وحقيقتها، ويدخل نفسه بطلاً بين ثنايا
الشخصيات، حتى تكاد كتابته تقارب المذكرات حيث يلمس القارىء
صدق المشاعر وحرارتها، مثلما يدرك الصوت الواحد المهيمن
الذي يحاور نفسه أو يناجيها في غالب الأمر.
أنا البطل تحتل كل
مساحات القص، وحتى لو تلبست رداء كائن غيرها، وأبطاله وبطلاته
ممسوسون يتحركون
بين المعاصي والبراءة، وهم يرحلون مع احلام اليقظة الى المدن التي
تسكن مخيلتهم.
كل القصص تكاد تشكل بنية واحدة لفكرة تتردد في مقولة
الكاتب، وهي المكان الملعون الذي يحمل
المسافر لعنته على اكتافه :
( اكتب عن موجز ما يمر عليّ من
مخاطر -لا تأخذ بي الى الموت طبعاً- وأكون هذا المغامر العجيب الذى
يقولون عنه ما ليس فيه، وربما تنتهي حالة الذعر التي تشيدت
حولي منذ الطفولة، مثل جدران النار التي تحرق جلدي اينما
اتجهت ) هذا المقطع من قصة كتبها المؤلف في 1972 ( الحلم الذي
سافرت فيه الى تيريستا) وسنجد هذا الحلم يتكرر عبر كل السنوات، ففي
قصة ( النورس في مدريد ) 1978 تهرب البطلة من بغداد لتقتل
في قطار ذاهب الى باريس، وهي في رحلتها الغرائبية تدرك أن
رجلا عراقياّ يتبعها مثل ظلها، وعندما تمعن في الابتعاد يتركها
تسبح في بركة من الدم.
المعاصي في هذه القصص تدور حول خطيئة أو حماقة يحاول
الأبطال تجاوزها من خلال الرحيل عن المكان، فبغداد مدينة تخلو من
الحب وتقسو على المحبين ولكنها تبقى تطارد من يغادرها الى
آخر
الدنيا، اما المدن الجميلة فهي تتلون
بمزاج بغداد الناري، حيث يشعر الأبطال بالنقص واليتم في كل المدن
البديلة.
البطل البغدادي
لعل فكرة الرحيل كانت محور الكثير من الأدب العراقي
المهاجر، غير ان اختلاف المعالجة في هذه
المجموعة تبرز في ذلك التنكر والنفور من الوطن، وهذان
الجانبان ينطويان على محبة من نوع خاص تحوي الالغاء والحضور الحارق.
البطل
البغدادي في عدد من القصص، لم تترك له مدينته سوى الفجيعة ورغبة عارمة لمغادرة
زمنها والتجوال في مدن لا تشبهها، ولكنه يبقى ينقل خطواته مثقلة
بأصفادها.
تقنية
الهستيريا
طرق السرد في قصص المجموعة ترتبط بطبيعة الكشف،
فتقنية بعض القصص تعتمد النقل الكابوسي
والهستيريا التي تواجه مسار القول، وهي تمكن القاص من اللعب
على الازمنة وتصوير الحضور والغياب للشخصيات، فهناك قدر من الوحشية التي تطبع
التجربة الانسانية التي يعيشها الأبطال، وهي لا تنقل الا عبر السرد
المتوتر، المشدود الى قوس المشاعر، وخاصة تلك القصص التي
تنقل تجربة السجن
المؤلف العاطفي
قد يقترب من
الميلودراما في بعض قصصه ولكنه لا يشعر المتلقي بضعف ابطاله وميوعتهم،
بل هو يتقصد أن يجعل منهم مغامرين وجوابي آفاق ومعترضين، وهم في
مغامراتهم الدون كيشوتية يضربون الهواء الصلب ليقيموا
ممالكهم الخاصة بعد اعلان الحرب على انفسهم والعالم الذي
يناكدهم.
ـــــــــــــــــــ
*سيدنا الخليفة. عبد الستار ناصر.
قصص قصيرة. وكالة الصحافة العربية. الطبعة الثانية
2004 القاهرة.
عن الصباح الجديد