"الظاهرة العراقية" للمفكر اللبناني كريم مروة:
تحليل عميق للمشهد السياسي العراقي، وتفاؤل بمستقبل مشرق...
ابراهيم حاج عبدي
منذ أن نشبت الأزمة العراقية ظهرت الكثير من الدراسات والأبحاث التي تحاول قراءة
هذه الأزمة، ومقاربة التغييرات الدراماتيكية التي صاحبتها، واستشراف مستقبل العراق،
والملاحظ أن معظم هذه الدراسات وقع في فخ الارتباك والتشويش، فغلبت على بعضها
الانفعالات والمشاعر التي أوصدت الأفق أمام التحليل الموضوعي، بينما سلك بعضها
الآخر سبيل الشعارات والخطابة السياسية المجانية التي لا طائل من ورائها، ووسط هذا
الفيض من التنظيرات ظهر القليل من الدراسات التي سعت إلى قراءة الحدث العراقي برؤية
علمية منهجية تنهض على وعي عميق بتاريخ هذا البلد، وبحاضره المعقد،
واستشراف المستقبل بحذر وبعض التفاؤل، ولعل كتاب "الظاهرة العراقية" الذي صدر عن
دار المدى (دمشق ـ 2006) للمفكر والباحث اللبناني البارز كريم مروة يندرج تحت هذا
الإطار.الكتاب يضم مجموعة مقالات للكاتب نشرت في أوقات مختلفة تمتد من الأشهر
الأولى التي سبقت سقوط النظام الاستبدادي، مرورا بالسقوط المدوي له في العام 2003،
وصولا إلى الانتخابات التي جرت في العراق ومحاولة قادته السياسيين الخروج من المحنة
والتأسيس لعراق ديمقراطي برلماني فيدرالي موحد، وما يجمع بين هذه المقالات هو أنها
تتعلق بالأزمة العراقية، وما يميزها هو أنها واضحة وجريئة كما يقول فالح عبد الجبار
في مقدمته للكتاب "يكتب مروة بجرأة صعبة، ضد كل الأسمال الفكرية في عالمنا العربي"،
وإضافة إلى الجرأة فان الكتاب يعبر عن مواقف للكاتب لا يجد حرجا في تسجيلها مهما
بدت متطرفة أو جارحة، فضالته الحقيقة فحسب، تلك الحقيقة المترفعة عن المصالح
والأوهام والحسابات الضيقة.
الفكرة التي يؤكد عليها مروة في مواضيع هذا الكتاب هي أنه يسجل موقفا جوهريا وحاسما
ومبدئيا من النظم الاستبدادية، إذ لا يتوانى عن فضحها وتعريتها، وتحميلها مسؤولية
ما آل إليه الوضع في العراق، ويقول مروة في هذا السياق بان "الشعوب العربية تعاني
من الاستبداد منذ عقود، ومن دون أدنى فسحة للراحة والحرية...ويشكل الوضع في العراق
واحدة من أقسى حالات الاستبداد هذه، التي اتصلت فيها الأزمنة القديمة بالأزمنة
الحديثة..."، ويلمح مروة، في أكثر من موقع، إلى أن حالة القمع والاستبداد والتسلط
التي مارسها النظام العراقي المخلوع ضد شعبه، والتي أدت إلى إخراج القوى الحية من
دائرة العمل السياسي، وتعطيل طاقات الجماهير، وإقصاء التعددية والتنوع والرأي
الآخر...هي التي مهدت للحرب الأمريكية على العراق التي يرى مروة بأنها حرب تتجاوز
أهدافها الآنية المعلنة، فيقول "صحيح أنها (أي الحرب) أسقطت نظاما استبداديا من
ابشع وأشرس أنظمة الاستبداد التي عرفها تاريخ البشرية الحديث والقديم، وأكثرها
إجراما، إلا أنها أرفقت ذلك الإنجاز، الذي عجز العراقيون عن تحقيقه، بتدمير مؤسسات
الدولة
ومؤسسات
الحياة العامة للعراقيين".
وعلى عكس معظم القراءات المتشائمة التي قاربت الشأن العراقي، فان مروة لا يخفي
تفاؤله إزاء مستقبل العراق، هو الذي خبر هذا البلد وشعبه في الأربعينات، وقضى هناك
سنوات في الدراسة والتعمق في الحياة العراقية برعاية عمه المفكر الراحل حسين مروة،
وشارك العراقيين في إسقاط معاهدة بورتسماوث نهاية الأربعينات، فهذا التفاؤل الذي
يبديه مروة لا يأتي بصورة اعتباطية بل نابعة من معرفته بتاريخ الشعب العراقي، إذ
يقول بان هذا التاريخ "غني بالتجارب، غني بالمآثر، غني بالتضحيات"، ويضيف بان
"المأساة التي خلفها في حياة العراقيين نظام الاستبداد الذي سقط، والمأساة التي
يجسدها وقوع العراق تحت الاحتلال بعد سقوط ذلك النظام، لن تستطيع أن تسد الأفق أمام
عراق المستقبل، الذي لن يكون إلا عراقا حرا سيدا مستقلا ديمقراطيا موحدا، خاليا من
كل أنواع الاستبداد، وخاليا من كل اثر للغزاة الآتين إليه من مطامعهم من خارج
حدوده".
ولعل من المؤشرات الكثيرة التي تبرر هذا التفاؤل والتي يركز عليها مروة هي
الانتخابات التي جرت في العراق مرات عدة، فيرى بان العراق بعد الانتخابات الأولى
"دخل في منعطف تاريخي مختلف بالكامل عن كل تاريخه السابق"، ويكتب مروة معلقا على
هذا الحدث "لا أراني بحاجة للحديث عن الدلالات الكبرى التي يشير إليها إجراء
الانتخابات، على قاعدة قانون ديمقراطي عصري، وعن الدلالات التي يعبر عنها زحف
الملايين الثمانية من العراقيين إلى صناديق الاقتراع، متحدين الإرهاب الوحشي،
محددين خياراتهم بحرية، مقررين، بوعي، أو بنصف وعي، أو بدون وعي، أو حتى بوعي غريزي
مستنفر، لمن يمنحون أصواتهم، وقد دلت التجارب التي أسفرت عنها تلك العملية
الديمقراطية أن العراقيين، الذين لم يعتادوا خلال تاريخهم الطويل على ممارسة حريتهم
في اختيار ممثليهم، كانوا في ذروة الرقي، حتى وإن كانوا قد اختاروا بنفس ديني
ومذهبي، أكثرية شيعية. وهي أكثرية مؤقتة، تقابلها قوى علمانية كبيرة، مشكلة من كل
مكونات المجتمع، ومهيأة في الظروف الجديدة لأن تزداد حجما وتأثيرا، ولو بالتدريج،
ولكن بجهد ضروري من قبل تلك القوى".
وإذ ينتقد مروة تعاطي معظم المثقفين العرب مع الأزمة العراقية، ويشير إلى قصور
الرؤية لديهم في تحليل هذه الأزمة بصورة موضوعية، فانه يدعو إلى التفكير المتأني،
إذ يرى بان هذا التفكير هو "حاجة ضرورية في كل الظروف والأحوال، حتى في أشدها صعوبة
وقسوة، ذلك أن غياب العقل أو تغييبه في زمن الحرب لمصلحة المشاعر وحدها هو أخطر ما
يمكن أن يكون عليه حال الناس جميعا، وغني عن التأكيد أن وظيفة العقل، الذي منه يأتي
التفكير، لا ترمي إلى قمع المشاعر وقتلها بل إلى ترشيدها". وهو ينتقد وبشدة، في فصل
مستقل، العمليات الانتحارية التي تودي بحياة المدنيين والأبرياء العراقيين مطلقا
صرخة تحذيرية: "لقد آن الأوان لكي نتحرر ونحرر شعوبنا من هذا النمط من العمل
الانتحاري".
ويضمن مروة كتابه رسالة وجدانية مؤثرة، جاءت على شكل مقال سياسي، يوجهها إلى صديقه
فخري كريم رئيس تحرير صحيفة المدى العراقية، وفي هذه الرسالة ـ المقالة نتبين علاقة
مروة بالعراق، وحبه وارتباطه بالشعب العراقي، وحزنه العميق على ما يجري فيه، والألم
الذي يجتاح كيانه وهو يرى صور الدمار والخراب على شاشات التلفزة، لكنه يؤكد بان
المحنة التي يمر بها العراق الجديد هي "محنة لن يطول الزمن الذي سيستطيع فيه الشعب
العراقي التغلب عليها"، ويختم الرسالة بتوجيه الشكر إلى أسرة صحيفة المدى التي بذلت
جهودا جبارة وفي ظروف أمنية خطيرة حتى جعلت من هذه الصحيفة الجديدة الناشئة ـ بحسب
مروة ـ صحيفة من الدرجة الأولى في عالم الإعلام العربي.
ويخصص مروة الصفحات الأخيرة من كتابه للأكراد وقضيتهم، وهو هنا يدرج مقالة مطولة له
تعود إلى العام 2000 م، والتي كتبها بعد عودته من جولة قام بها مع عدد من المثقفين
العرب إلى كردستان العراق حين كان صدام حسين لا يزال يجثم على صدور العراقيين، وفي
هذا المقال يظهر مروة مشاعر الحب والود التي يكنها للشعب الكردي، ويتحدث عن علاقاته
التاريخية مع رموز الحركة التحررية الكردية في العراق وعلى رأسهم جلال طالباني رئيس
الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يشغل اليوم منصب رئيس الجمهورية العراقية، وهو
يتناول في هذا المقال، كذلك، لقاءاته مع القيادات الكردية، ومع المثقفين
والإعلاميين، ويخوض قليلا في تاريخ وجغرافيا هذا الشعب، ويسلط الضوء على جانب من
واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ويتحدث عن بداية تعرفه إلى القضية
الكردية والتي تعود إلى الأربعينات، كما يستحضر رمزا بارزا من رموز الحركة الكردية
وهو الزعيم الراحل الملا مصطفى البرزاني، ونجله رئيس إقليم كردستان الحالي مسعود
البرزاني، وهو يسوق هنا موقفا مبدئيا يتمثل في قوله: "لا يحق لأي قومية أن تحرم
القوميات الأخرى في البلد الواحد من حقوقها المشروعة في الاحتفاظ بخصوصياتها
الثقافية وغير الثقافية"، ويعرب مروة عن استغرابه من الموقف المزدوج لبعض القوميين
العرب الشوفينيين إذ يصوغ إشكالية عميقة على هذا النحو: "يبدو غريبا كيف أن هذين
التيارين العربيين، أي الحكام، من جهة، وأصحاب الأفكار والمشاريع "الثورية" العربية
من جهة ثانية، قد وقفا مع حق الشعب الإرتري بالانفصال عن أثيوبيا، في الوقت الذي
حاربا فيه كل نزعة لدى القوميات الأخرى في البلدان العربية للمطالبة بحق تقرير
المصير، في إطار الوطن الواحد، خصوصا في العراق بالنسبة للأكراد..."، ليصل إلى
استنتاج صريح بان "القضية القومية لأي شعب من الشعوب لا يمكن أن تزول بالقسر مهما
طال الزمن".
عن المدى البغدادية