أدونيس في <تاريخ يتمزق في جسد امرأة>
الضرورات المتعددة والفضاء المسرحي
عمر كوش
يبني أدونيس في مجموعته
الشعرية الجديدة <تاريخ يتمزق في جسد امرأة> (دار الساقي، 2006)، التي كتبها في
باريس بين عام 2005 و,2006 عالماً بكل تفاصيله، الصغيرة والكبيرة. عالماً يجتاحه
المدّ الغامر، ويعلوه موج هادر في بحر من التوق والرغبة، لترتعش الأيدي والأصوات
والسماوات. ويجتاح شعره أرضاً بكل نباتها وثمارها وبراريها في قصيدة طويلة، متعددة
الأصوات، نسيجها بنية درامية، أفقية الامتداد، وعمودية المشهد، تنشغل في الحفر على
محاور متعددة، ويجمعها صوت المرأة في نقطة مركزية، حيث تنطلق منها الكلمات والأشياء
وتتغذى، معلنة حكايتها المستقلة عن تغيرات الوتيرة، وعن شدة الإيقاع، وعن مسار
البنية الشعرية كذلك.
ونعثر في استهلال القصيدة الأدونيسية الجديدة على <سيرة امرأة عبدة وابنها/ نُفيت،
لا لشيء سوى أنها/ كسرت قيدها>. ومع التقدم في قراءة القصيدة تتكشف السيرة عن
معاناة <امرأة حيّة ميتة> حسبما يرد على لسان الرّاوية، ويتولى صوت المرأة تجسيد
عذاباتها وحكايتها مؤلفاً بؤرة القصيدة ومركزها، فيما تتوزع الأصوات الأخرى ما بين
الرجل والجوقة والرّاوية وأصوات بعض الناس.
تقترب القصيدة من مسرحية شعرية، يتضافر فيها الكلام والصدى، وتهرب الكتابة فيها من
الكلام كي تسجل تاريخاً رأى فيه أدونيس أنه يتمزق في جسد امرأة، لكنه يتعدى تاريخ
المرأة إلى ما آلت إليه صورتها في تاريخ البشرية بشكل عام، وما بات عرفاً سائداً في
منطقتنا، أو <شرقنا> بشكل خاص، حيث التاريخ يمضي ولا يمضي، من غير هدى ولا صواب،
وحيث تتكاثر الأسئلة، وتتوالد الأصنام، ويتناسل الطغاة، ويزداد جبروت الحكام. وحيث
الغائب المضيء لا يضيء، الغائب المنتظر، الذي لا يجيء، وبيأس شديد تتوسل المرأة
إليه بالقول: <لماذا / لا تجيء إلينا / لا لتشهد أوجاعانا. أو ترى فقرنا ومراراتنا/
لماذا / أيها الغائب المضيء الذي لا يضيء غير أوهامنا، / غير ما لا يضاء، لماذا /
لا تجيء إلينا/ لحظة الجب جنساً / وترى كيف تغدو المسافة أضيق من نقطة، / وأوسع من
كوكب. / ولماذا، لا ترى كيف نُوغل في جسدينا / نتوحد>.
بناء خاص
فنياً، تمتلك القصيدة طابعاً خاصاً، حيث تتوزع إلى مجموعة قصائد ذات بنى متعددة،
تتخذ من نظم التفعيلة أو الشعر الحرّ مرتكزاً لها، وتغرق في الجماليات والإحالات
الرمزية والغامضة، حيث تغوص في أمكنة مختلفة وفضاءات متعددة، وتتوزع فيها الأصوات
القصائد واللوحات الشعرية بشكل مدروس، لتخرج بلغتها الخاصة، وتبني عالمها الخاص
بصرف النظر عن إشكاليات الشعر وأسئلته في عالم اليوم، وبصرف النظر كذلك عن إيقاع
زماننا الراهن وقضاياه العديدة والعويصة.
لا تفاجئنا الرّاوية حين تشير إلى الصورة التي رسمت للمرأة وسادت تصورات عنها في
مجتمعاتنا منذ عصور خلت، بوصفها <نصفها رحم وجماع / والبقية شر>، لأن لسان حال
الجوقة يقول: <جسد سيد / جسد طيب كريم / لا يدق على باب تلك السماء، ولا يدخل>. لكن
المرأة ترفض صورتها الموروثة، وترفض وضعها الذي لم تختره، وترى أنهم: <زعموا أنني
خلقت لكي لا أكون سوى ذلك الإناء / لاحتضان المنيّ كأنّي مجرد حقل وحرث:/ جسدي من
غُثاء وحيض / وحياتي تجري / مرّة، صرخة، مرة مُومأه>. ومن ثقل ما حلّ بها تتمنى موت
الأبوّة، وباتت تعيش غربتها بين نفسها ونفسها، حتى صار السؤال عنها لا جواب له، ولا
تجد سوى صدى صوتها يردد: <جسدي فتنة مرّة>، و<أصلي لجسمي واسمي.. وأسير على هدي
جسمي/ وأرى كل شيء>، ويعزز هذا التوحد في الذات تأكيدها: <جسدي خالقي، وحبي
خلاّقه>، وعليه تتضرع إلى السماء راجية تركها لتوحدها: <اتركيني إلى صدري /
المتكسر، عينيّ مجبولتين بدمعيهما. واتركيني إلى / شغفي راقداً جثة>، وليس هناك غير
التغلغل في العزلة، تحت الجلد، وفي الصمت، في نغمة البكاء، تزحزح الفضاء الثقيل.
إنه الجسد الذي يستوريه الشاعر هشيماً على حواسه المبهمة، ويستنطق منمنماته:
النهدين والعنق وبقية التضاريس، وما يصل بين جسدين في ضيق ما يتكدس من صمت الغرفة،
وما يجمع جسدين في أسرتهما الضيقة، وبلا حل ولا أطلال، تتكشف سهول وجبال، سكارى في
انسيابية البدن، وما يفلح من دم حارّ على وبر الشوق، يسيل شعاباً مستلذة بحجارتها
المستلذة. لكن ما الذي يخيف الشاعر، وما الذي يتهتكه الجسد في تماساته وانفصالاته؟
وكيف يمكن للجسد أن يستنهض ركاماته كي يكمل مشهديته من غبطة الجنس.
نحن أمام نص مشهدي، يستنفر تفاصيل كثيرة، ويرتفع بها شعراً يحاكي الجسد في
امتداداته، ليبرز إحساسا بمفهوم عن الجسد، يباري به الشاعر الصراع الأزلي ما بين
السماء والأرض، وسنوات من القهر والموت والعبودية، ويحفر في السديم مكاناً خاصاً
يتميز به، ويميزه عن غيره. وتصطف الحشود في المشهد: الكتاب، والشهوة، والفاكهة،
والقعود، والنهوض، والكون، والخبز، والخمر، والماء، والعلماء والشعراء، والليل،
والباه، والحي والميت، والحاضر، والغائب، وتتراكب الأحاسيس/ المفاهيم عن الجسد، عن
المرأة، عن العذابات، والتلاقي، والانكسار، والعدم، والموتى، وما يخلفه جسدان بعد
التوحد، وما يخلفه عاشقان بعد لقاء، وما يتركه السديم للهشيم.
<لا كتاب. خطواتي كتابي، لغتي خطواتي. كل سطر بلاد / أتفحص أنحاءها عشبة عشبة>.
هكذا، ينسج الشاعر قصيدته، ويقبل عليها مثل <عنكبوت يدّب على وجه قيثارة> ليبني
معالم الجسد، ينهدم عليها كوكباً انتثر بلا تاريخه حين تتفتح في الجسد رعشة من
الرعشات، وتتفرغ شحنات الصاعقة والطعنة الخالصة، فيسري الوقت دافئاً، وينتصب الجسد
نسراً يحاكي السديم ويخترق المسافات.
تحتفي القصيدة بالجسد وحضوره ومثولاته المتعددة، وكأنها تعيد الاعتبار لما للجسد من
تمثيلات وأحوال، بوصفه يميز الكائن البشري الحيّ، ويؤكد كينونته، لأن الجسد يعبر عن
أحوال الكينونة، مركزها إن شئنا، إذ لا وجود للذات بلا جسد، فهو يتمتع بوجود، ويحضر
بوصفه يميز حضور الإنسان ومثولاته. وكانت الميتافيزيقا، عبر تاريخها الطويل، قد
أحطت من شأن الجسد أمام أفضلية الروح وطهرانيتها، حيث احتلت الروح الطرف الأول في
ثنائية الروح / الجسد، وعنى هذا تقابلاً يكشف انحيازاً سافراً، يقوم على الأفضلية
والتراتبية المفتعلة، وقد نشأ في إثره، على مرّ العصور، تقسيمات وإحالات تمركزية
عديدة، وسمت مجمل مذهبيات الميتافيزيقا ومنهجياتها الفلسفية منذ أفلاطون مروراً
بهيغل وصولاً إلى هابرماس وليوتار وبورديار.
وكان تغييب الجسد لصالح انفصالية الروح يجري بلا انقطاع في مختلف مفاصل العلوم
والمعارف والأديان، رغم محاولات عديدة للخروج من ذلك، حتى غدا اللا شعور استغيابا
للجسد، رغم كون الجسد سابقا، قبليا، لكل فعل يصدر عن الإنسان، سواء كلاميا كان أم
حركيا أم كتابيا. وقد حاول الفن (خصوصاً النحت) إعادة الاعتبار للجسد، فاحتفل به
أيما احتفال، وشيّدت المنحوتات الجسد بمختلف تضاريسه وتفاصيله في بقاع كثيرة من
العالم. كما كان للشعر شأن في التعبير عن مكانة الجسد والتغني به، بل نقله إلى
مرتبة سامية تصل إلى درجة العشق بوصفها أعلى مراتب الوله والحب.
الجسد
لغوياً، الجسد هو البدن، بمعنى البادي، لهذا تسمي اللغة العربية الامتداد الواسع من
الأرض: البادية، وصار البدن يُعبّر عن الجسد في تمثيله كما هو، عارياً من كل شيء.
لا يمثل غير نفسه، ولا يحضر فيه سواه، وعليه تقول المرأة في القصيدة: <جسدي ما بدأت
وما أبدأ / جسدي كل ما كتبته يداي، وما أقرأ / والذي يفتح الطريق إلى الكلمات حبالى
بأسرارها، / وإلى الليل يسبح في ماء تاريخه، / جسدي لا سواه. / جسدي ما أراه وما لا
أراه>.
ويبدو أنه حين يكتب الشاعر عن الجسد يتمنى أن ينطق الجسد الذي يكتبه، ويتكلم،
ويحضر، لذلك تراه يستنطقه، يسأله، ويقول جوابه في وصف دلالي وحسّي، وحتى معنوي، وفي
أسمى حالات العشق يساكنه، ويصف بدقه حركته ويصف كذلك أدق تفاصيله وتفاصيل ما حوله.
إذاً، في هذه القصيدة يدخل الشعر عالم المرأة عبر أقاليم الجسد، بوصف الجسد، كما
يقول جيل دولوز، الكاشف الذي يختفي في ما يكتشفه. إنه مركب الأحاسيس، حياً حاضراً
ممتلئاً بما ينجزه، وما يفتحه من أقاليم جديدة، وما يؤقلمه من أحاسيس، وما يكشفه من
جوهر الحياة المعبّر عنه شعرياً وفكرياً في مواقف من المرأة والدين والمجتمع والجنس
والعلاقة بالجسد، حيث تظهر عذابات المرأة التي ترفض أن تختصر إلى مجرد جسد في كثير
من المواضع، وحيث يظهر الرجل في لوحات القصيدة حاملاً كتاباً، لا يملّ من تقليب
صفحاته، و<كأنه الذكر المتربع في معجم الوحي>، الأمر الذي يدفع المرأة الزوجة أن
تسأله: <هل أنت حيّ / في كتابك، أم في حياتك،/ أم أنت ميت؟>. ومع أن مشاهد الرجل
قصيرة وسريعة، إلا أن حيرة شديدة تساكنه ولا تنفك عنه، ولا يجد سوى السباحة في فضاء
جسد المرأة سبيلاً للنسيان أو الضلال.
كي تكتمل تراجيديا المرأة، يختار أدونيس الرجم، رجم المرأة من قبل حشد من الناس،
ليضع نهاية لقصيدته المسرحية. يختار هذا الفعل البدائي كي يكشف هول الاستلاب
المجتمعي للمرأة، ويسكت عن الاستلاب السلطوي بكامله، ربما لأنه يتصور أن المشكلة هي
مع التعاليم والتصورات، ولضرورات شعرية وغير شعرية، ومع ذلك فإن أسئلة المرأة تنهي
ما بدأته القصيدة: <ما هذه الخليقة؟ ما هذه اللغة الماكره/ خُذ يدي، أيها الحبّ،
خُذني لكي / أتخلّص من قيد أفلاكها الدائره>.
عن السفير البيروتية