صدام حسين .. فناناً
 

فاضل السلطاني
كيف يمكن لدكتاتور مثل صدام حسين أن يكون فناناً؟ هل يمكن أن تنطوي الديكتاتورية، هذه الظاهرة الأبشع في التاريخ الإنساني، على عناصر يمكن أن ننسبها إلى الظاهرة الأسمى في التاريخ الإنساني : الفن؟
الكاتب العراقي رياض رمزي، صاحب كتاب" الدكتاتور فناناً"، الذي صدر قبل أيام في العاصمة البريطانية ، يعتقد ذلك، بل يذهب بعيداً، باعتباره الدكتاتورية تجلياً أقصى للإبداع، وإن كان تجلياً مدمراً، متخذاً من صدام حسين، من طفولته إلى قفصه، نموذجاً صالحاً لتطبيق نظريته هذه.
وحسب علمنا، إنها المحاولة الاولى لقراءة صدام حسين سايكولوجياً ( وهل يحتاج الطغاة إلى أكثر من علم النفس لقراءة أفعالهم غير السوية؟)، وكيف أخذ أمة كاملة على حين غرة(على حين غرة حقا)؟) ، كما فعل قبله لويس بونابرت- ذلك الرجل المتوسط الذكاء، بتعبير ماركس، بالأمة الفرنسية- و فعل ما فعل في ثلاثين سنة ما لم يفعله غيره في قرون. إنها محاولة أيضاً لقراءة آليات صناعة الفاشية، والنازية، وقبلهما كيفية صناعة الخنوع، الذي حاول الألماني توماس مان، في روايته المسماة بالاسم نفسه، فهم قوانينه الداخلية، وطريقة عمله في النفوس البشرية، هذه النفوس التي قادها هتلر إلى حتفها، وهي راضية مرضية.
لكن، مرة أخرى، ما الذي يجمع بين صناعة الموت وصناعة الجمال؟ كيف يتحول الديكتاتور إلى روائي في الأقل؟ تسعى الرواية، يقول الكاتب، إلى إنشاء واقع يولد من جملة، موقف، استعارة، مفارقة، خطأ بشري، بشرط أن يحمل ذلك في ثناياه إمكان التصاعد إلى موقف أكثر تعقيداً من الواقع نفسه، بسبب احتواء كل ذلك على كمية من التلاعبات التي يضيفها المؤلف، والتي تؤثر في مسار الحقائق، فتنتج" حقيقة" جديدة أشبه بزورق يطلقه شخص ما على الماء. إن أعظم الروايات هي تلك التي يشعر معها القارىء أن كثيراً من المفاجآت لايزال في عقل الشخصية الرئيسية.
وفي الحقيقة، لم يفعل صدام طوال حياته شيئاً غير ذلك. إنه صانع حربين في زمن قياسي غير متوقع، وهو صانع المفاجآت الأمهر في تاريخ العراق الحديث. كان يحتاج إلى ذلك. كان ينبغي عليه أن ينخرط في فعل يسمح لفيض توتراته الداخلية بالمرور في مسارب تدرأ عنه غائلة الجنون. وعلينا أن نبحث عن السبب، على طريقة علم النفس، وكما مع كل الطغاة، في تلك الطفولة البائسة. فقد نشا "طفلاً مرتعباً، تحول بؤسه الروحي إلى ما يشبه طفحاً جلدياً يترك الوجه مجدوراً". وأصبح " مثل نبات ينكمش ، فيصفر، ويذبل، إن لم يغذه سماد الرعب". إن مثل هؤلاء البائسين لقادرون، في ظروف معينة، على تدمير كل شيء لو امتلكوا القوة اللازمة لذلك. ولسوء الحظ، إنهم امتلكوا مثل هذه القوة في لحظة زمنية مناسبة، توحدت فيها الذات مع الموضوع، أو ،كما كنا نحب أن نقول، الظروف الذاتية والموضوعية.
يذكرنا المؤلف بأول احتفال للقتل غذاه سماد الرعب بعد انقلاب 68 حين علقت الرؤوس في الساحات العامة، حتى تحول القتل بسرعة استثنائية إلى ما يشبه العربة التي تسير بقوة الدفع الذاتي. وبالطبع، لا يبدو أن يتصاعد المشهد درامياً، وينتقل من الخاص إلى العام، من الإعدام الفردي في الزنزانات إلى الإعدام الجماعي في ساحات الحروب، التي لم ترتو ما لم يعد الموت نوعاً من الاحتفال فقط، بل ضرورة نفسية للقائد، " فالأحداث العنيفة تسمح للقادة بتسيير حركة الحياة العامة وفقاً لمزاجهم. وعندما ينجح القائد في عمل كهذا، يتحول من قائد إلى فنان، وما يقوم به يشبه عملاً لمبدع، وليس تطوراً ينجزه رجل دولة."
لكنه إبداع من نوع آخر: إبداع الرعب، سماد الطغاة الدائم. ومادة هذا الإبداع هي أيضاً الخيال، مع فرق جوهري. إن خيال الكاتب أداة أساسية للإرتفاع بالواقع إلى ما ينبغي أن يكون عليه، بينما الخيال بالنسبة للدكتاتور هو الواقع نفسه، وهذا الواقع مرسوم بمقياسه هو. لا يوجد واقع آخر بالنسبة إليه. لا يوجد واقع خارجه. لا يمكن أن يوجد واقع خارجه، سواء أكان على كرسي الحكم .. أم في القفص.

عن المدى البغدادية

دفاتر