فوزي كريم المجادل والشاعر ..

 كتاب في سيرته الأدبية

فاطمة المحسن
في مقدمة كتاب صدر عن شعر فوزي كريم، يقول المؤلف حسن ناظم ان مادته بمثابة كفارة نقدية عن عبث مورس على النصوص عبر إغفال الجانب الإنساني فيها. على هذا يصوغ عنوانه التالي (أنسنة الشعر/ مدخل الى حداثة أخرى: فوزي كريم نموذجا). الكتاب صدر عن المركز الثقافي العربي ببيروت،وهو من بين الكتب التي تعيد الحياة الى سجالات إنطفأت حول الشعر والحداثة، والسياسي والثقافي،قصيدة النثر والتفعيلة، الغموض والوضوح، وما أليه من أفكار يكاد ينشغل الناس عنها بالمتسارع من يومهم المزدحم بالحروب وثقافة الانترنيت والمسرود صورة وكتابة.
المؤلف ناقد من العراق غير معروف في الخارج وهو يقيم الآن في استراليا، ولعل كتابه ينتقي موقفا من مواقف جرى الإحتراب حولها بين مثقفي الستينيات، بمعنى ان خياره لفوزي كريم الذي يذكر أسبابه في مقدمته، يدع فيه خصوم الشاعر على الضفة الأخرى التي تقيم حولها حجج بطلان الإدعاءات
وبينها: الشاعر السياسي والحداثي الشكلاني والمثقف الذي يمارس الظهور في التلفزيون كي يرّوج لنفسه، او المثقف الإعلامي، وكلهم كتب عنهم فوزي كريم في الصحافة وفي الكتب التي أصدرها،وتحدث عنهم في البرنامج الثقافي الذي يبث له في إحدى القنوات التلفزيونية.
يرى المؤلف حسن ناظم أن كتابه نتج عن قناعة بالبعد الإنساني لشعر فوزي كريم، وهذا البعد يكاد ينعدم خلال سنوات الحرب في شعر الداخل العراقي حيث ((عاش الشعر إندفاعتين مدمرتين: شعر يمجد الحرب ويذكي نارها، ويكيل مديحا بائسا لصدام، وشعر يمجّد الإبهام،ويمتطي الإيغال في الغموض رافعا ذريعة الاحتماء من البطش)). كلا الشعرين ،كما يستطرد ، يبتعد عن الانسان مادة للشعر، ويقترب من الفكرة- الصنم. الأول مجد القائد والوطن والثاني مجّد الشعر لذاته.وهو يرى ان النقد الذي كتب عن الشعر هو امتداد للشعر فهو يراوح بين أدب الحرب أو الالتهاء بمصطلحات المناهج النقدية.
على هذا يرى ان (عراق العقود الأربعة الاخيرة من القرن العشرين ليستدعي بناء جديدا لكل شيء. ذلك انه لم يتخلف فيه غير الحطام)).
المؤلف يأمل من خلال نظرته في الكتاب أنسنة الشعر، بعد أن مر بتلك المفازات، ويعلن أهدافه (ضد جماليات التجريد، وضد جمالية النصوص التأملية، التي تكرس عبودية الثقافة المنغلقة والمغلقة.)
الفصل الأول في الكتاب تضمن مراجعة لكتاب فوزي كريم (ثياب الامبراطور)، وما جاء في كتابه اللاحق (العودة الى كاردينيا).ولعل الفصول التي تلحقه تشكل استكمالا لعرض أفكار الشاعر في الكتابين،ومقارنتها بما جاء في إصدارات عربية حول الشاعر والنسق الثقافي، اضافة الى حوارات أجراها الناقد مع الشاعر ويتحدث فيها عن تأثير الموسيقى الكلاسيكية في شعره وفي ثقافته عموما.وفوزي كريم بين قلة من المثقفين العرب الذين كرسوا جزءا من اهتماماتهم للموسيقى، إضافة الى تجربته في الرسم والنحت، وكتاباته النقدية وترجماته الشعرية.
"ثياب الامبراطور" هو خلاصة الآراء التي كتبها الشاعر خلال عقد التسعينيات حول زيف الحداثة ومصطلحاتها في الشعر العربي، حيث تعّرض فيها الى ما أسماه "الاحتيال الحداثوي". ويستخلص العرض آراء فوزي التي تتحدد بشرط تحقق التجربة الروحية الفردية عند كتابة الشعر، وهذا الالحاح عليها قد حفّز المؤلف على إعادة النظر في الحداثة، بعد شيوع المناهج الجديدة في معالجة الشعر وبعد اكتساح قصيدة النثر العوالم الشعرية العربية. على هذا ينسب ناظم تجربة فوزي كريم الى الشعراء الذين أعجب بهم الشاعر ذاته: السياب، صلاح عبد الصبور محمود البريكان. وهو لا يشخص نوع الإنتساب قدرما يؤكد على قيمة الأوصاف التي تتردد في كتابات كريم وهي "التجربة الروحية" و"الخبرة الروحية". ولعل انشغال المؤلف بآراء فوزي كريم السياسية والفنية، واعلانه الانتماء اليها جعلت قراءة شعره لاتحتل الأولوية في كتابه، وحتى القصائد المنتقاة كنماذج تتحدث عن تشّكل القصيدة، أو عن صنعة القصيدة عند الشاعر.وهو منهج يجعل الكتاب أكثر تشويقا لما يحتويه من مجادلات بين الشعراء أنفسهم وبينهم وبين نقادهم، تلك التي تبدو في أحيان على تشابه وإن اختلفت مواقع القول.
تعبير الشعر الإنساني او الأدب الانساني يشمل طيفا من المعاني، يتراوح بين الموعظة المسيحية او الاخلاقية المسيحية التي انطوى عليها شعر أوربي في مراحل مختلفة،الى الأدب التعليمي إبّان عصر التنوير، الى الماركسية التي انجبت الكثير من المتشاعرين،كما أنجبت كبار الشعراء في الغرب والشرق وبينهم شعراء من الشرق الأوسط والعالم الثالث عموما.وايا كانت التسميات، فالنقاشات تدور حول التعبير ونظرية التواصل بما تشتمل عليه من الفهم النخبوي والفهم الجماهيري، وشعبية الشاعر ومسعاه الى الشهرة. فما من ضابط جمالي نستطيع فيه ان نقيس أساليب الولاء، فقد كان عزرا باوند بما هو عليه من إنتماء، من بين مؤسسي فن الرهافة في الشعر،حين لامس تلك الاغوار البعيدة للروح الانساني، وأدرك قيمة الإيماء والرشاقة في الكلمة. وعلى رغم ضلوعه كداعية في مشروع على قدر كبير من الخطورة على الجنس البشري، غير أن مشروعه لم يعقه عن بلوغ هدف الشعر كتجربة إنسانية.
وكان تولستوي قد أسس المدرسة السطحية في النقد الواقعي، والتي تحولت لاحقا على يد الماركسيين الروس الى رثاثة أيديولوجية، ولكنه كان سيد الرواية التي تغور في التجربة "الروحية للإنسان" وتلتقط مراياها المتخالفة. وفي العراق على وجه التحديد برز سعدي يوسف والسياب في ماركسياته والبياتي في منهجه الذي يجمع الهتاف الى الشجن،والذي قلده فيه شعراء كبار. هؤلاء الثلاثة كانوا منعطفات في الشعر "انسانيا"حسب التعبير الذي يسوقه المؤلف، في حين لم تصل نازك الملائكة وهي غير الملتزمة الى ما توصلوا اليه من عوالم شعرية ثرة وزاخرة بجوانبها الروحية.
المقياس على هذا الأساس،نسبي ولا يمكن الأخذ به إلاّ في حدود التخاصم حول أولوية القول الشعري وإبتكار اللغة والعوالم الجديدة.
بيد ان الكتاب يمثل خلاصة مرحلة مهمة في الجدل السياسي ـ الفني، فهو يحمل مفارقات كثيرة، أثارتها صحافة المهجر العراقي، وكان فوزي كريم فيها صوتا شجاعا نادى بفك إسار الكتابة في العراق من خنادقها المقسمة بين الشيوعيين والبعثيين. ومع انه تحول الى داعية أشد حماسا من المؤدلجين، غير ان سجالاته ساعدت على إمكانية تبلور مشروع المثقف الليبرالي الذي يفاخر بحرية القول دون الخوف من وصمة الإتهام بالخيانة.
الكتاب جدير بالقراءة، وهو يذّكر القراء بضرورة تنشيط القول حول حول الأدباء الذين استكملوا مشاريعهم الثقافية، ويحتاج كل واحد فيهم مراجعة نقدية تنصف جهده الأدبي.

عن المدى البغدادية

دفاتر