أقنعة الحداثة وأســلوبيـــة التحـــولات الزمكانيـــــة
 

عرض: لمياء نعمان
 
اتجه د. عقيل مهدي من الاخراج والتجريب المسرحي الى النقد والكتابة والتأليف والتنظير في المسرح فكان له تأثير واضح في كينونة المشهد المسرحي الثقافي، ورغم ان زملائه د. صلاح القصب والراحل د. عوني كرومي ود. شفيق مهدي ود. مهند طابور وغيرهم قد اتخذوا من خشبة المسرح ملاذا لتجاربهم وانتماءاتهم لمدارس الفنون المسرحية الا انه اعتبر التنظير في الثقافة المسرحية جزءا هاما من تواصل المسرح وديمومته لرعيل كبير من محبي وتلاميذ المسرح في معهد وكلية الفنون الجميلة.

  وكتاب”اقنعة الحداثة “ هو آخر الكتب التي قام بتأليفها وهو دراسة تحليلية في تاريخ الفن المعاصر واعتبره ثمرة من حوارات عميقة وبعضها عابرة مع طلابه، كما يعتقد انها نتاج لقراءات واطلاع وسبر اغوار التجارب الفنية الشاملة يلحقها مصادر ومراجع علمية وحياتية، ود. عقيل مهدي سبق وان قام بتأليف عدد من الكتب منها”جماليات المسرح الحديث “ و”متعة المسرح “ و”جاذبية الصورة السينمائية “ و”فن التمثيل “ و”تربية الممثل “ و”دنيا العرض المسرحي“ و”الواقعية في المسرح العراقي و”الاطار الفني للممثل “ و”النص والميزانسين “ وكتب اخرى وبحوث ودراسات منشورة في الصحف ومواقع الانترنت المهتمة بالمسرح.
و” اقنعة الحداثة “ هو كتاب يكاد يكون منهجياً يبحث في الفنون الابداعية وهي دلالات وشواهد واوراق منوعة واعمدة مختلفة، لذا سماها بالاقنعة. وقد اكد في تنظيره لجوانب الاقنعة الجانب الفكري والفلسفي اللذين يديمان نوعية العمل في تذوق العمل الفني مهما كان تياره ومدارسه الفنية والتي تمنحنا المتعة في تذوق الفن ان كان في المسرح او التشكيل او الموسيقى والسينما وغيرها.
يقول الباحث د. مهدي في مقدمته للاقنعة: تخف صدامات الحداثة وتقوى على فرز الجديد الشرعي عن الزائف، ولابد لنا من ان نعيد انتاج اسئلتنا القلقة حول علاقة الفن بالتاريخي وما الذي تعنيه”وجهة النظر “ والحروب الكارثية وكيف نختار تأويل النتاج الفني الواحد.
ويتساءل هل كانت ا لاقنعة نمطية تشمل الجميع ام لكل فنان وباحث قناعه الذاتي، ولكن تساءلاته هذه ستصب في فروع الفن التي تحث المتلقي على مواصلة التأمل في مجرى تطور الفنون وتواصلها مع العلوم والعولمة والقوى الضاغطة.
اشار الكاتب الى النظرية الجمالية الحديثة والى موضوع الاقنعة التقليدية التي يتحدث بها الفنانون المحدثون عن نظرية جمالية حديثة ليلتقوا عندها في نقطة الرفض والنفور من قداسة الفنون التقليدية واقنعتها، وحاولوا الحط من قيمتها والسخرية من معالجتها الفنية، لاجل تغير فكرة المفهوم الجمالي نفسه في الفن فوضعت قائمة مبتكرات من الاختلافات عن تلك الاسس النظرية القديمة لاجل استفزاز ذائقة المتلقي.
الكتاب يشمل ستة فصول يتجول القارئ في تصفحها ليضع امامه الباحث مجموعة مديات للفن وتأريخه وقواعده وانواعه وتحولاته ورؤيته وانعطافات اخرى لاسلوبية التحولات الزمكانية.
هذا ما شمله الفصل الاول، في الفصل الثاني تطرقت الدراسة الى شكلانية العمل الفني في اللوحة وعلى امتداد الفنون السريالية والواقعية والاكاديمية والتجريدية والرمزية والانطباعية. الفصل الثالث اخذ الاهتمام بالجانب الفني والتشكيلي من نظريات التأويل الجمالي والى الانقلاب على الانطباعية والتلاعب بكثافة الكون وحداثة التمرد على الحداثة وتوظيف النفايات في الفن اما الفنون المعاصرة وتطور مفهوم القناع والميثولوجيا ووحدة الجسد وانفراطه والتأريخي واليومي هو ما شمل الفصل الرابع.
المسرح والادب والشعر عوالم صار البحث عنها في الفصل الخامس فقد كانت هناك عناوين عدة هامة اخذت حيزا كبيرا من بحث الكتاب، فتحول بها الكاتب من الوعي الجمالي في رقعة الهرمونطيقيا الى الاشارة اللغوية في النص الشعري الى القراءة ومأزق التحول للصورة الفنية والمفهوم التفكيكي وانظمة اشكال الخزف الى جدلية الذات والجماعة من الثقافة الالمانية الى تجنيس السرديات والتحفيز الجمالي والبناء الفني، اضافة الى موضوعات عدة وقراءات مكثفة حول وعي التعبيرية الفنية وتوتر الصورة المرئي والملفوظ لتشكيل المعرض المسرحي.
وتحدث الكاتب في الفصل السادس عن موضوعات واوراق مختلفة واقنعة عديدة لكنها ليست زائفة بل تحدث عنها كونها لغة وخطاب يشكل تكوين المشهد المسرحي والميزانيسين ومنظوره وتشكيل العرض الى الصورة الفنية واللغة التشكيلية في العرض الى الكتلة ، الضوء، الظل، الوحدة والتنوع والحركة والتوازن لكل ما يشمل العرض المسرحي.
الكتاب اخذ جانب التنوع لمدارك الفن باقنعة حداثوية معاصرة يستلهم منها الدارسون والمتابعون لشؤون المسرح قراءات واضحة مبصرة في لغة المسرح والتشكيل والادب والشعر ليصبوا جميعا في العرض المسرحي لما له قيمة تفاعلية مشتركة لاجل وضوح وفهم الفكرة التي يجب ان تصل للمتلقي وترك الاخير يفكر بالمجريات والنهايات والرموز بطريقة سريالية حديثة.
وكل ما كتبه أ.د. عقيل مهدي في هذا الكتاب هو حق ثمرة جهد ومتابعات لمسارات متنوعة من الفنون المتآلفة جميعها لتقديم ما يمكن تقديمه لتطور ذائقة الجمهور الذي يبحث عن ماهو مقنع ومفيد وما يمنحه المتعة في المشاهدة والاستمتاع ورغم ان الكاتب اعتبر كتابه منهجيا للتدريس الا انه توغل في البحث الرصين والدراسة التجريبية والتنظيرية للالمام بجوانب الاقنعة الفنية القديمة والمعاصرة.
ولخلو المكتبة العراقية لمثل هذه الكتب نتمنى ان تنشر دراسات من هذا النوع للاستزادة والمعرفة بشؤون المسرح، وتعتبر هذه البحوث اوراق فنية ونقدية حقيقية لتجارب واقعية وملموسة في المشهد الفني العراقي ان كان ذلك في المسرح او في الفن التشكيلي او في الادب والموسيقى والذي يقول عنها الباحث انها تصب جميعا في رافد واحد لانها نتاجات فنية تحفز المتذوق للفنون روحيا وجماليا وتستوقفه عند طبيعة تجربتها المتفردة، وكل نتاج فني هو اسس للفن وعناصره، وهذه هي حقيقة الاستمرار لعملية تواصل لمحور حركة تكوين في انظمة مغمورة يحتاج الدارسين الى كل اطرافها لفهم المغزى والمعنى للدراسة والتحليل والتذوق والعرض، هذا ما نحتاجه لثقافة مسرحية شاملة ان كان لطلبة معهد وكلية الفنون او للباحثين بشؤون المسرح.

عن الصباح البغدادية

دفاتر