قراءة في كتاب”سيرة الدكتور عبد الجبار عبد الله

   توفيق التميمي

عندما تغيب الرقابة وسلطات الخوف التي تتعقب البشر والكلمات والأجساد المضادة لمسارات هذه الرقابة وتلك السلطات.. فأن زمن الحرية يأذن بالدخول حتما.. وان تقاليد الخوف تسقط وتتهاوى..
ونبدأ بتوثيق التأريخ الوطني والكتابة عن رموزه المغيبة بروح الأمانة التأريخية والموضوعية العلمية بما يتوافر من أدلة ووثائق ومخطوطات.. 
وتنتفي عند ذاك مبررات التزوير والخداع والتزويق.. لأن الحكم سيكون في هذه المسألة للتأريخ والتأريخ وحده.. وذلك لعدم وجود سلطة مؤدلجة نخشاها.. او حاكم متجبر نتزلف اليه او نطمع برضاه..
والأولى بمن يتصدى لتأريخ وتوثيق رموزنا الوطنية العراقيةان يلتزم بقواعد النزاهة والأمانة التأريخية وخاصة إذا كان هذا الرمز وتلك الشخصية ذات حضور وطني وإنجاز علمي باهر كما هو الحال عند العالم العراقي المندائي “عبد الجبار عبد الله”.. الذي إقترنت إنجازاته العلمية ونبوغ مواهبه مع مواقفه الوطنية من قضايا شعبه وأمته العراقية. هذه المواقف التي شكلت ومضات من التألق في سيرته البيضاء الخالدة..
ولم يكن رفضه للمغريات التي تقدمت بها الجامعات الأمريكية للتدريس فيها إلا واحداً من هذه المواقف المشرفة.. ولم يكن إحياء مشروع جامعة بغداد وإظهاره الى الوجود إلا موقفا آخر من المواقف التي لا تعدّ ولا تحصى.
ولم يذهب العالمعبد الجبار عبد الله” خارج وطنه العراق إلا مرغما عند إشتداد الحملات المسعورة من قبل البعثيين والمأجورين من رعاع الحرس القومي للنيل من الأساتذة والرموز الوطنية والإبداعية والتي شملت بالطبع عالما وطنيا فذا كعبد الجبار عبد الله.. الذي غادر العراق وهو يحمل على جسده النحيل بصمات التعذيب لجلادي الحرس القومي كوصمة عار تأريخية على جبين سلطة البعث عندإغتصابها المبكر لدولة العراق.
وهذه حقائق لا يمكن تفنيدها في سيرة العالم “عبد الجبار عبد الله” ووثائق أسرته تدل على هذا.
ما ذكرني بتلك الملاحظات والتنويهات التي أعتقد أنها لابد من ان تكون بديهية في فترة الشروع بإعادة كتابة التأريخ من جديد على أسس الأمانة والنزاهة والعلمية لا على أساس “مسطرة صدام حسين المعروفة” من الأكاذيب والوقائع المزورة والبطولات المفتعلة.
ما ذكرني بذلك هو قراءاتي لكتاب “سيرة الدكتور عبد الجبار عبد اللهلمؤلفه “د. ستار نوري العبودي” “طبعة خاصة على حساب المؤلف”، فرغم الجهد المضني والبحث التأريخي في سيرة رمز من الرموز العلمية والوطنية العراقية وهي سيرة العالم العراقي المندائي “عبد الجبار عبد الله” فأن المؤلف وقع في مغالطة كبيرة وسوء فهم وتقدير لموقف هذا العالم الجليل من السلطات البعثية التي طاردته واعتقلته وعذبته.. واضطرته للهرب وهو الذي كان يحلم بالتشبث بهذه الأرض التي عاش عليها أجداده والموت على ثراها..
ولم أعرف مبررات وقوف المؤلف هذا الموقف الغريب بتجميل صورة السلطة البعثية سواء في حقبتها الدموية الأولى لعصابات الحرس القومي او في حقبتها الصدامية الكابوسية..
فمأساة عبد الجبار عبد الله ومحنته الحقيقية إبتدأت بمجيء عصابات الحرس القومي والإنقلاب الفاشي على ثورة 14 تموز الخالدة وزعيمها الراحل عبد الكريم قاسم، كما تثبت شهادة  الشهود من الأحياء من أولاد عبد الجبار عبد الله أو أقاربه.. أو مما تحتفظ به الوثائق والسجلات الرسمية.. لهذه الحقبة السوداء.. سواء في كتابالمنحرفون“ الشهير او في مدونات السيرة لرموز وطنية شهدوا على هذه الفترة المظلمة من تأريخ العراق.
فلم تعر عصابات الحرس القومي البعثية أي إهتمام لفضل العالم العراقي عبد الجبار عبد الله في تأسيسه لصرح العراق الكبير في جامعة بغداد كما لم يردعها عن إعتقاله ما قدمه هذا العالم من أبحاث ومؤلفات وخدمات للوطن كانت موضع شرف وإعتزاز للأوساط العالمية قبل الأوساط المحلية العراقية.
إلا ان حفنة الجهلة وقطاع الطرق والعابثين من اللصوص الذين استولوا على السلطة في عام 1963 كيف لهم أن يقدروا مكانة هذه الرموز العلمية وكيف يقابلون فضلها..
بادرت السلطة بإعتقال العالم العراقي عبد الجبار عبد الله وقد تعرض لأصناف التعذيب الجسدي والنفسي في مكاتب التحقيق للحرس القومي سيئة الصيت . وترتب على ذلك تعرض الأستاذ الراحل عبد الجبار عبد الله الى سلسلة من الأمراض التي كانت السبب في نهايته عام 1969 في أرض الغربة.
لم يقف المؤلف “د. ستار العبودي” عند هذه الجريمة النكراء بحق أحد الرموز العلمية الوطنية الشامخة.. وعرض واقعة إعتقاله وكأنها أمر طبيعي حصل للكثير من العراقيين ولم تستهدف الدكتور عبد الجبار عبد الله عالما ووطنيا..
ولم يكتف بغض النظر عن التفاصيل المرعبة لوقائع التعذيب للعالم العراقي بل أظهر سلطة الإجرام البعثية بمظهر الرحمة عندما تستجيب هذه الطغمة لرسالة ترحّم تقدمها زوجة العالم الوطني الى هؤلاء الأوباش..
ان القراءة المنصفة لواقعة تعذيب عالم عراقي فذ كعبد الجبار عبد الله لا يمكن ان نفهمها الآن وبعد هذه المحصلة التأريخية من الكوارث والإبادات والحروب لفترتين من فترات حكم البعث الأسود.. إلا في العداء للفكر والعلماء ورموزالعلم والثقافة والتي إبتدأت بالعالم عبد الجبار عبد الله ولم تنته عند المفكر الإسلامي محمد باقر الصدر وما بينهما من العشرات من مواكب العلماء والأدباء والفنانين..
وها هو العالم حسين الشهرستاني وهو شهادة حية تنطق بيننا بواحدة من جرائم سلطة البعث التأريخية بحق العلم والعلماء والمبدعين..
ولم أعرف مبررا واحدا لمؤرّخ في عراقنا الجديد للتستر على جرائم هذه الطغمة إلا لمجانفة طريق الحق والإبتعاد عن معايير النزاهة والأمانة التأريخية..
ويتمادى المؤلف في ذلك.. عندما يعرض تعاطف العالم عبد الجبار عبد الله مع الثلة التأسيسية الأولى لما يسمى بـ (الإتحاد الوطني لطلبة العراق) وهم ثلة من الطلبة الفاشلين الذين جاءوا من عصابات الطرقات المجهولة.. لغرض التشويش وعرقلة المد الديمقراطي الذي كانت تعيشه الجامعات العراقية في أجواء ومناخات الديمقراطية لثورة 14 تموز المباركة.
وبلغ مؤلف هذا الكتاب ذروة مغالطاته.. عندما نسب لعبد الجبار عبد الله تهمة “التعاطف” مع هذه التنظيمات الطلابية المشبوهة.. التي تخرجت منها ملاكات التعذيب والقسوة في حكم البعث الثاني بعد 1968، أمثال الجلاد ناظم كزار الذي كان طالبا في المعهد التعاوني الهندسي.. وغيره من الذين إبتلعتهم مؤامرات المنظمة السرية للبعث..
ولم يكتف مؤلف هذا الكتاب بتلك المغالطة التأريخية التي تفضحها شهادة الشهود من أقرباء وأصدقاء الدكتور عبد الجبار عبد الله.. ورسائله التي لم يكلف الباحث نفسه في تثبيتها لأمر في نفسه.. وتعدى ذلك الى التشويش على أسباب رحلته الإضطرارية الأخيرة للولايات المتحدة.. بعد ان فّر هارباً من معتقلات الحرس الجمهوري ليحمل على جسده النحيل خارطة االقسوة لجلادي البعث كوصمة عار في تأريخ هذه السلطة الجاهلة..
يذكر المؤلف بأن العلتعذيب وبصمات الهمجية والم الكبير قد إستجاب للدعوة التي وجهتها إليه سلطة البعث الثانية وفرح بها إلا ان حالته المرضية حالت دون ذلك..
وهذا ما يخالف الحقيقة والوجدان والضمير الوطني.. فلم تكن أسباب رفض عودة عبد الجبار عبد الله الى العراق عام 1968 هو ما ذكره المؤلف من الأسباب المرضية.. بل ان عبد الجبار عبد الله كان معروفا بنباهته ورؤيته العلميتين  وبصيرته الشفافة.. التي أدرك بهما ان القطار الأمريكي الذي حمل عصابات الحرس القومي الى العراق لإغتصاب ثورة تموز الأولى.. هو نفسه الذي جاء بهذه العصابات لتحكم العراق من جديد.. وهو لا يمكن ان يعود لوطنه وهو مازال يحتفظ على جسده وفي أ‘عماق ذاكرته جراح معتقلاتهم وآثار تعذيبهم.. كما هي رسالة تنبيه من العالم الخالد عبد الجبار عبد الله للعلماء الآخرين.. بأن لا يقتربوا من خدمة سلطة غاشمة تعتبر الحرب ضد الرموز والكفاءات العلمية واحدة من أبرز مهماتها الكبرى.. وأثبت التأريخ الدموي لهذه السلطة.. صحة ودقة فرضية العالم الراحل عبد الجبار عبد الله كما أثبت التأريخ فروض وصحة نظرياته العلمية الفيزيائية.
الرحمة والخلود للعالم العراقي الراحل المندائي عبد الجبار عبد الله.. والهداية والغفران لمؤرخي سيرة رموز العراق

*******
عن مجلة الشبكة العراقية

 دفاتر