سلسلة : كتابٌ قرأتُهُ
عملٌ مسرحيٌّ لماجد الخطيب
سامي العامري
المسرحية : الوسام
المؤلِّف : ماجد الخطيب
لوحة الغلاف : لؤي سعيد
الطبعة الأولى 2003
منشورات أقواس للنشر والتوزيع – هولندا .
( يدخل المتسوّل ويقترب منهما . أبو حسين يضع القنينة على المنضدة . انكماش )
المتسوّل : يا الله من مال الله والصخي حبيب الله .
كلاهما : الله ينطيك !
المتسوّل : يحفظ أولادكم من الشر , ويسرّح اللابسين ويعفي عن الفارين !
كلاهما : الله ينطيك !
المتسوِّل : ويحفظ السيد الرئيس والقيادة السياسية والحزب القائد .
( لا يجيبان )
المتسوّل : ( بوعيدٍ )
: مو كَلنه يحفظ السيد الرئيس والقيادة السياسية !
أبو حسين ( يخرج من جيبه ورقة نقدية ويعطيها للمتسوّل ) .
كانت هذه لقطة تجري بين متسول وأبي حسين الجالس مع صديقه مكي داخل أحد بارات مدينة البصرة إبّان حرب الخليج الأولى .
بهذه الكلمات القليلة ينقل لنا الكاتب ماجد الخطيب في مسرحيته لمحةً عن مدى الرعب والقرف الذَين كانا يستبدّان بالناس حين يذُكَر اسم الدكتاتور والقيادة والحزب , ونلاحظ كيف عرف هذا الشحّاذ الطريف الوصول الى غايته بعبارات غامزة . إنَّ الكاتب لا يقصد هنا أنَّ الشحاذ دنيءٌ يُزايد باستخدام اسم الرئيس وبالتالي يُحرج الناس فيهبونه قليلاً من المال ولكنه يريد أن ينقل لنا الفاجعة باسلوب فكاهي , فالشحاذ هنا شخصية ذكية وناجحة مسرحياً تماماً حتى أستطيع القول أن المُشاهد لها على خشبة المسرح يتمنى ظهورها باستمرار بسبب ظرافتها ومع ذلك فالمؤلِّف غير بخيل برسم شخصيّات عديدة مؤثِّرة أخرى .
المسرحية من فصلين وتقع في 125 صفحة من القطع المتوسط وجاءت لوحة الغلاف الصغيرة عميقة يغلب عليها الأزرق الفاتح ثم أمارات الحزن المختلط بالكبرياء على وجه الكائن البشري المتهالك على مقعد وخلفهُ نافذة لا تشير إلاّ الى ضباب ومجهول .
أحداث المسرحية تدور داخل عائلتين من نفس المحلّة او لنقلْ جيران
العائلة الأولى وهي الرئيسية تتكون من سبعة أفراد : أبو حسين ( بَزّاز ) وزوجته وثلاثة أبناء : حسين الإبن الأكبر 40 سنة , عامل , وسلام الإبن الأصغر طالب إعدادية 17 سنة وطه مهندس بحري مدني 26 سنة وهناك أيضاً فردان آخران من أفراد العائلة إبن وبنت وهما رحمن وأمل يعيشان خارج البلد يؤثران على بعض الأحداث وتجري الإشارة اليهما في سياق المشاهد أمّا العائلة الثانية فمتكوِّنة من زوجٍ 50 سنة وهو مكي يعمل نجّارأً وزوجته سعيدة .
عائلة ابو حسين متعلمة وباستثناء سلام وهو صبي , معارضة للنظام وككلّ العراقيين معارضة للحرب أساساً
يبدأ المشهد الأول من الفصل الأوّل بدخول الدكتاتور مرتدياً زِّياً عسكرياً الى بيت بَصْريٍّ بسيط وهو بيت أبو حسين , صالون واسع تفصله ثلاثة مقاعد عن مطبخٍ يضم طبّاخ غاز صغيراً عليه طنجرتان تتصاعد الأبخرة منهما , في الصالة عند الجدار أريكة خشبية وبابان على جانبيها , على الجدار أيضاً صورة كبيرة مؤطّرة لشيخٍ مُسنٍّ وسرير وقربة ومروحة سقفية , ويجري تغيير الديكورات بشكلٍ طفيفٍ تبعاً للمَشاهد وهذه التفاصيل كما نرى هي نموذج يعكس بساطة حياة العراقيين وهي أيضاً من حيث متطلّبات العرض المسرحي لا يصعب توفُّرها , قلنا : يدخل الدكتاتور حاملاً مسدّساً رشّاشاً في وسطه أيضاً ومعتمراً كوفية حمراء وممسكاً بيد ابنته الطفلة وبيده الأخرى يحمل جهازاًً صغيراً يشبه الحاسبة الإلكترونية او الريموت ومن خلال استخدامه لهذا الجهاز ( المُوَجِّه ) يتحكَّم ببعض اللقطات وإداء الممثِّلين !
طبيعيٌّ أنَّ ما يريد الكاتب تأكيده هنا ليس خافياً , فسياسة التبعيث التي انتهجها النظام منذ تسلّمه السلطة جعلت المواطن لا يستطيع التنفُّس إلاّ بعد استحصال رخصة من قِبَل المسؤول الحزبي للمنطقة والويل لك اذا لم تعلّق صورة الدكتاتور في مكان بارز داخل بيتك الخ ... لقد ترك جماهير الناس مشلولة بل دائخة تائهة ومن هذه النقطة سعى للتحكّم بمصيرها .
ولكن اسلوب ماجد الخطيب هنا انطوى على عنصر إمتاعٍ او سخرية أخرى مباغتة منَحَها خيالُه الجميل للقاريء – المُشاهدِ , وخياله مهما تباعد , لا يخرج عن نطاق الممكن في زمن مأساويٍّ مريعٍ في وقائعه , غير مُصَدَّقٍ في سياسةِ حكّامهِ , أقول : المتعة او الطرفة الأخرى هي أنّ الدكتاتور بعد أن يضغط على زرٍّ في الجهاز فيتحرّك واحدٌ من مرافقيه ليفتشَ أحد المتفرجين
ثمّ كبسةً ثانية على الجهاز فيتحرّك المصوّر ليصوِّره في أوضاع عديدة وهو يوزّع الإبتسامات وكذلك أم حسين وسعيدة تلبسان عباءتيهما وتنطلقان الى مقدمة المسرح ثم الى أسفل مستقبلتين الدكتاتور بفرحٍ وتنضم اليهما الجوقة من مختلف الأشكال : مصري , سوداني , هندي , كوري ...الخ
فتهوّس أم حسين : جدنه حسين أبو الثوار كُلَّتْكُمْ تعرفونهْ
سعيدة : أي أي أي
المصري : أييييوووووه
أم حسين : زلمه خشن ويّه الفرس ما كَدرو يلاوونه
سعيدة : أي أي أي
المصري : أييييوووووه
أم حسين : بالقادسية نموت كلنه وفدوه نروح لعيونه
ها ها ها ......
قعقاع إسمك هزّ الكَاع
قعقاع إسمك هزّ الكَاع
وبعد هذه القطات الطريفة التي حصلتْ بفعل ضغطه على الجهاز
وفيما كان يحملق بصورة الرجل المسنّ بغضبٍ تعبث إبنتُه بأزرار الجهاز , وفجأةً : فوضى عامة , المرافقون يزعقون ويطلقون النار في كافة الإتجاهات , يقذفون القنابل اليدوية وينبطحون . يتفرّق الموجودون وكلٌّ يحاول أن يجد له ساتراً !!
ينتبه الدكتاتور للأمر فيضغط على زرٍّ آخر ويوبِّخ ابنته .
لا أنوي تتبّعُ مشاهد المسرحية ومساراتها كاملة ولكن أكتفي بالتوقف عند بعض اللمحات فالقارىء والمُشاهد سيلتذّ بالتأكيد لجهة البناء الفني لهذا العمل في أغلبه ويتعزّى كون هذا الدكتاتور الإمّعة نال جزاءَ ما اقترفت يداه أخيراً وليس بالمستطاع بعد موته المشين التفكيرُ بعقوبة أكثرَ عدلاً .
ويحس القاريء – المُشاهِد أن المؤلَّف قادرٌ على إدارة الحوار بين شخصياته وتوجيهه نحو الفكرة او الحالة التي يريد كشفها او التعبير عنها بسلاسة وحيادية ويتجلى ذلك في العديد من المستويات , منها اللجوء الى اللغة المحكية مثلاً وبلهجة سكّان البصرة كلغة حوار ودردشات على طول زمن المسرحية , لجأ إليها المؤلِّف لِما لها من زخم تعبيري او دلالي لا يجده في اللغة الفصحى فالإستعانة باللغة المحكية داخل النص في رأيي له ما يبرّره جمالياً في كثير من الأحيان لأنك تسعى الى إيصال فكرة او هاجس او إحساسٍ غريبٍ عن ذاكرة اللغة الفصحى إنْ جاز التعبير ولذلك تشعر أحياناً بأنك إنما تغبن الفكرة التي لديك اذا نقلتها الى الفصحى , رغم أنَّ الفصحى هي مرجعيتُها بشكلٍ ما فكيف اذا ترجمتها الى لغة أخرى ! فمستوباتٌ تعبيريةٌ يؤْثِرُها ماجد الخطيب هنا لا تجد غالباً مقابلَها الفصيح إلا بوجهه التقريبي مثل :
سعيدة : صخام بوجهي ! ولك مكي هاي شنو سوّوا بيك ؟
او :
أبو حسين : ولطمن ولطمن لمّن ماعت رواحهن , كل وحده تلطم ضيمهه ودردهه الخ ...
طبعاً ناهيك عن الهوسات وما فيها من استعارات ومجازات مرتبطة بالموروث الشعبي وغير ذلك .
الطابع المحلي للنص , أي نصٍّ , ليس عيباً ولا يعني بأية حال ضيق الأفق , كما أنّ خصوصيةَ موقفٍ ما لا تعني أبداً انغلاقه اذا امتلك الكاتب أدواته فسار به الى أبعد مدياته من حيث الدلالة والمغزى ولكن تبقى للعراقيين في زمانهم الحديث خصوصية من نوع آخر تفرّد بها الطاغية وذكّرني بها الكاتب ألا وهي حكاية زياراته ( المفاجئة ) للبيوت ورفع أغطية القدور وتذوّق الأطعمة وروح ( التواضع ) والشعبية كما لم يفعل غاندي او جيفارا ! والتي يعرف العراقيون أنها ما كانت تتمّ على ندرتها وتبجُّحها إلا بعد معلومات مُخابراتية مفصّلة مسبقاً وعليه فقد أغنانا السيد ماجد الخطيب عن التعليق على ذلك بتناوله لها بهذا الشكل المكثّف إذ ينقل لنا كيف روَتْ أم حسين الى أبو حسين خبر زيارة الدكتاتور ومرافقيه لبيتهم , تقول له بينما يدخل البيت وهو سكران :
أم حسين : شلون بالصدفة ؟ إذا جايب وياه حفنة سرّيين يسألون عالنغل منو كَمّطه وعالنهر منو جراهّ . سألوا عن الوِلِد واحد واحد .
أبو حسين : كلشي ما رادوا ؟
أم حسين : كلشي ما رادوا !
( يتنفّس بارتياح )
: ها الشكل أهون بكثير , آنه ظنيت جايين يردون جم طول قماش !
أبو حسين ( بصوت واطيء )
: زقنبتيهم ؟
أم حسين : أوّل مرة رادوا يتغدّون بس ضاكَوا المركَه وما عجبتهم , كَالوا ما بيهه لحم !
أبو حسين : قز القرت !
ما أجمل التراث الشعبي العراقي وما أغرب صياغات جُمَلهِ وتراكيبها ومفرداتها فتارة عربية وأخرى فارسية وأخرى تركية وتارة أخرى هندية !
أما عن حرص الدكتاتور على برمجة الناس من خلال الرعب مرّة والإغراء مرّة أخرى والمُعَبَّر عنه في هذا العمل المسرحي بالريموت او الروبوت فقد أثار قلقي انا شخصيّاً لسنواتٍ وعبّر عن ذلك المؤلِّفُ أيضاً بعدة كلمات جرتْ لاحقاً على لسان أبو حسين الذي علَّق بدورهِ على رأي ابنه طه الذي فكّر بالهرب من الحرب لدى تأكده من موته المحقّق فيما لو عاد للجبهة في أم قصر ثانيةً بالقول : بس وين تروح ابني , ومنو يلفيك ؟
اذا الناس صايره تخاف من خيالهه .
وهنا تقاطعه أم حسين بعصبية : شيسوي رايح للموت ؟ يلكَيله مكان يلبد بيه حاله حال الناس .
هنا أجد شيئاً ربّما يستدعي التأمل أكثر فأم حسين وهي المرأة تتحدى الخوف من عواقب قضية خطرة كهذه في حين أن ابو حسين خائف ولا يُغْني عن هذا الأمر كونُ مشاعرِها هي مشاعر أم فالأب أيضاً لديه انفعالاتُه الأبوية الخالصة ولكن تجربتي تقول لي بصدد المرأة العراقية إبان الحرب شيئاً آخر سأرويه باختزال ولا أظنُّ أنه صدفة ! : حينما تركتُ الدراسة في معهد الإدارة مجبراً فجعلوني جنديَّ مرصدٍ في قاطع العمارة عام 1982 تيقّنتُ يوماً مع بقية الجنود من هجوم إيراني وشيك فهربتُ في نفس الليلة مع جنود آخرين , كلٌّ منا أخذ طريقه في صحراء علي الغربي وجلات وبعد ليلة ونصف نهارٍ ممزوجين بالخوف من ذئاب الإستخبارات والذئاب الحقيقية والعطش ونوبات الغيبوبة والإغماء وصلتُ الشارع العام المُوصل الى بغداد حيث أنوي الذهاب والتخفي . كان الوقتُ ظهراً حينما كنتُ أحاول بحذرٍ إيقاف سيارة او مركبة تقلُّني . إنتظرتُ طويلاً نسبياً , كان أغلب أصحاب السيارات يخافون الوقوف . هناك على الجانب الآخر للشارع لمحتُ إمرأةً كانت تخبز أمام دارها , كانت غريزةُ الجوع عندي أقوى من غريزة الخوف وكنتُ قبل هذا استبدلتُ ملابسي العسكرية بملابس عامل مصري لطيفٍ يقعُ المطعم الذي يعمل فيه على الشارع العام أيضاً غير أني لم أكنْ جائعاً كثيراً حينما دخلتُ مطبخ المطعم بملابسي العسكرية وانما عطشان وخائفاً ومتعجّلاً .
سألتُ المرأةَ بأدب إنْ كانت تعطيني رغيف خبز ففعلتْ ذلك وهي تبتسم بكلّ سماحة ثم قالتْ لي : دير بالك على نفسك . لا أدري إن كانت قد عرفتْ بأمري ولكن ما أنْ شكرتها ولمستُ الرغيف الحار حتى أطل زوجُها علينا وقد سمع صوتنا فانهال على امرأته بالسباب وعليّ أيضاً , من جهتي لم أهتمَّ لسبابه فالسباب إعتدتُ عليه في الجيش فهو شيءٌ روتيني , ولكني تألمتُ بسبب المرأة إذْ وجدتها تطأطيء رأسها خجلاً من الموقف .
وفيما بعد كان الذي أخفاني وأوصلني الى بغداد بشاحنته شابّاً مغربياً !
هل كانت هذه مُصادفاتٍ ؟ لا أدري .
أما الملاحظة التي يمكن أن يأخذها القاريء - المشاهد على النص المسرحي فهي فنية فحسب وبسيطة تأتي ضمن المشهد الأوّل للفصل الثاني وتتعّلق بالحبكة فالمؤلِّف وقد حاول استثمار الفلكلور الشعبي العراقي فنجح , يرسم لنا هنا مشهد الزوجة سعيدة وهي متّشحة بالعباءة وتشعل الشموع عند مقام السيد طالبةً منه أن يحقق لها مُرادَها المتمثّل بإرجاعه لها زوجَها مكي ( المعتقل ) سليماً ومنحِها أطفالاً ( تُحلّي بهم بيتها ) . المشهد هنا طريف وشديد التأثير مسرحياً خاصة حين يقطع عليها دعاءَها ظهورُ فارس يمتطي حصاناً مُطهَّماً , مُلتحٍ ويحمل سيفاً مشطوراً ليخبرها قائلاً بأنه ليس الإمام الخضر وإنما القعقاع ! ثمّ يُقْسِم : وروح جدي علي ابن أبي طالب ما أرجعلج رجلج صاحي ( سالماً ) اذا ما تنطيني حجلج ( خلخالها ) ويقول : إحنه بحالة حرب والعدو على البوابة الشرقية , ثم يكرّر : لو مكي لو الحجل , لو مكي لو الحجل . فتحتجُّ قائلة بأنه ورثةٌ من أمّها وليس عندها غيرهُ , فيستلّ الفارس سيفَهُ مهاجماً سعيدة . تطلق سعيدة صرخة وتهرب . الى آخر المشهد ...
اللقطة هنا جميلة ولكنْ وجهُ إعتراضنا أن الفارس خيّرَ سعيدة بين الحجل وزوجها , والذي يخيّر في العادة لا يُهدّد فكيف أجاز الكاتب له أن يشهر سيفه ويهدّدها بالقتل ؟ إنه هنا لا يريد سوى الحجل . صحيح , إنه حلم او رؤيا ولكننا مع ذلك نعتقد بوجوب توفّر شرط الإقناع .
أمّا سبب إعتقال زوجها فهو محض اتفاقٍ وإلاّ فالرجل كما يقدِّمهُ أبو حسين : كَضه عمره بعيد عن السياسة وهم ما خلص .
وإعتقالُه جرى بعد أن : سمع الهوسه عدنه وصعد للسطح حتى يعرف راح ياخذومن بالمسلحة ومكي سمين ومربوع وفوكاهه جان سكران والحامي مال بيتهم جان مهدم شويه , فلتت طابوكتين وطاحت عله سيارة الأمن , كبَّت العيطه ولزمتهم الخوفة على أساس المتمردين جاي يقاومون الأمن !!
البصرة وهي مدينة الكاتب ماجد الخطيب وثاني أكبر مدن العراق والتي لها بالطبع ما لها في التراث العربي الإسلامي من مكانةٍ خاصة ونكهة خاصة قد زرتها في حياتي مرتين لذا أحسّ تماماً ما يعتمل في خاطر الكاتب من مشاعر وشجون وهو يختار شخصيات مسرحيته منها , وحينما قصفتها طائرات الحلفاء بعنفٍ مثل بقية مدن العراق الأخرى في حرب الخليج الثانية لم يكن عندي سوى الكلمات فكتبتُ وقتها منهياً إحدى قصائدي بهاتين الجملتين : دمعي الدانوبُ يصبُّ بشطِّ العربِ , ورجْعُ زئيري ينقلهُ ناقوس المسجد .
والبصرة ارتبطتْ في لا وعيي كذلك من خلال ذكرى صميمية ما زالتْ حَيّة ولها دور مهمٌّ في حياتي وتجربتي الشعرية , هذه الذكرى هي مدى الودِّ والإهتمام الذَين أبداهما الشاعران حميد العقابي وجمال مصطفى لقصائدي التي كنتُ أحرص طيلةَ سنواتٍ عديدة على إرسالها لهما بالبريد حيث يقيمان في الدنمارك ! مصغياً لمقترحاتهما وما يذكرانه من آراءٍ قيِّمةٍ وانطباعاتٍ مختلفة وكان هذا الأمر يشكّل لي سلوىً وعزاءاً إزاء عدم فهم الكثير من الناس لي ولكتاباتي وخصوصاً الذين يطرحون أنفسهم شعراء وهُمْ لن يفهموك حتى لو كتبتَ بدمك أروعَ سمفونية أمّا اذا كنتَ تمتلك مؤسَّسةً او تأثيراً على مؤسّسةٍ فأهلاً بك شاعراً ماجداً !
ولكن لحسن الحظّ أغلب مؤسّساتهم أصبحتْ خُردة
وقد بيَّنتُ هذا بشكلٍ أوسع في قراءتي القادمة لقصائد عقيل علي وفي رَدّي الودود على المقال النقدي القيِّم حول مجموعتي ( السكسفون المُجنَّح ) للدكتور عدنان الظاهر الذي نُشِرَ في موقع الكاتب العراقي عام 2004 .
كان جمال مصطفى وهو من مدينة البصرة واحداً من الشعراء الأُصلاء المبدعين كحميد العقابي , ومجموعتاهما ( أقول : إحترسْ أيها الليلك ) لحميد و ( أمطار بلا سبب ...) لجمال , اللتان صدرتا عام 1988 ما زلتُ أحفظهما عن ظهر قلب , وهما أوُلى دواوين الشاعرَين مثلما أحفظ لهما ولغيرهما من الشعراء والكُتّاب الكثيرَ من النصوص الاخرى , هكذا انا في عشقي المجنون للشعر الحقيقي والأدب الحقيقي , أقول : في إحدى المرّات أرسلَ لي جمال مصطفى , بعد قصف الطائرات الأمريكية وغيرها لمدينة البصرة , قصيدةً هي عبارة عن اسمين وفعل وحرف جر وكاف تشبيه ! هالني فيها توظيفُه المدهش للإسطورة وما توحيه كلمة ( بعث ) من معانٍ أخرى , تتحدّث القصيدة – الجملة هذه عن مدينة البصرة :
كعنقاءَ مَلَّتْ من البعث مَلَّتْ , من البعث مَلَّتْ .
فأيُّ اختزالٍ وأيةُ بلاغة !
وجمال ظلَّ كابن مدينتهِ الشاعر الفيلسوف محمود البريكان زاهداً بالنشر إلاّ فيما ندر ومترفِّعاً لا يهمُّهُ سوى الإخلاص لعالم الفن والكلمة المبدعة , ومن قناعاته التي أحترمها قولهُ في رسالة أخرى : إنّ إصدار مجموعة شعرية في هذا الزمن لهُوَ وهمٌ كبير .
من بين سياقات العمل المسرحي هذا حدثٌ آخر ذو معنىً دالٍّ يعرضهُ الكاتب باسلوبه المَرِح الخاص وغير المباشر فهو إذْ يشرع بالتعبير عن أزمة الطعام والوقود وغيرهما يصوغ المشهد هكذا :
( تدخل الطفلةُ راكضة )
الطفلة : عمو أبو حسين , أبوي يكَول جاي يوزعون عركَك !
فيعطي الأب النقود لإبنه سلام قائلاً : فد بطلين أسود , انته ينطونك بسرعة , انته من جماعتهم !
أم حسين ( تهزّ يدها ) وتقول : لو قنينة غاز جان ما رحتوا تركضون هالشكل !
أبو حسين : هوّ هذا أحسن غاز أم حسين , بس جيته وحَّدهه مناسبة تاريخية , إنتي شتحجين !
خطوط المسرحية الأخرى تتصل بعلاقة الأبناء , أبناء أبو حسين الذين يعيشون في العراق مع أخوَيهم الذَين يقيمان في الخارج ولهما مواقف مبدئية مُعارِضة للنظام ولا يريدان العودة طالما أنَّ النظام قائم , والسلطة تتحيَّن الفُرَص لمعرفة هل هناك إتصال بين الإخوة في الداخل والخارج ونوعيته وأيضاً محاولة الأخوَيين حسين وطه للخلاص من الموت المجاني في الحرب وهناك خيانة الإبن المراهق سلام لعائلته بإفشاء طبيعة رسائل سرية الى الأمن , جرى تبادلها بين الأخ الأكبر حسين وبين أخويه في الخارج فيُعدَم حسين ثمَّ يكتشف الأخ الأوسط طه هذا الأمر فينتقم لأخيه حسين في الختام بقتله أخاه الأصغر سلام والتحاقه بالمعارضين في الأهوار وذلك من خلال لقطات مؤثِّرة يدَّعي الأبُ فيها أمام أجهزة الأمن بأنه هو الذي قتلَ إبنَهُ سلام لأنه أراد الهرب من بالجيش الشعبي والإلتحاق بالعُصاة في الهور ليتُمَّ إثرَ ذلك منحُ الأب وسام البطولة !
ومن هذا الحدث استمدَّ المؤلِّف العنوان .
للمؤلِّف الذي يقيم في المانيا منذ عام 1986 إضافةً الى العديد من الترجمات الأدبية من الألمانية والإنجليزية والهنغارية وإضافةً الى عمله الطويل في الصحافة
عملٌ مسرحيٌّ آخر يتناول موضوع المثقف والدكتاتورية يحمل عنوان ( عاشق الظلام ) سيصدر قريباً .
كولونيا 7-1-2007
alamiri60@yahoo.de
*************************
-*-
ربّما من المُهمّ هنا أن أشير الى أنني مَن كتبَ المُقدِّمة التعريفية للمنتدى الثقافي العراقي في مدينة كولونيا الذي ساهمتُ فيه بعرض ما أعتبره قريباً من نفسي ألا وهو كتابة سلسلة تعريفية بالكتب المتوفرة وهو جزءٌ من مشروعٍ ,والمنتدى كذلك ما انفكَّ منذ سنوات عديدة في دأْبٍ دائم من أجل إحتضان ما يستطيع من الطاقات العراقية الموزّعة في المغتربات بكافة أطيافها وذلك من خلال عقد اللقاءات والحوارات والندوات الفكرية والفعاليات الثقافية المتنوعة كالقراءات الشعرية والمعارض التشكيلية وحفلات الموسيقى وما الى ذلك , وبما أنَّ ذلك هو توجّهُهُ بما أنني مَن كتب المقدمة تلك والمنشورة في موقع المنتدى تحت عنوان : ( مآل الفراتين ) فأودُّ أن لا يُفْهَم من ذلك أنني أشارك بالدعوات الموجهة لإقامة هذه النشاطاتٍ الثقافية او تلك ولكني أتواصل مع القائمين على المنتدى من منطلق الرأي والرأي الآخر , وما يجمعنا أكثر بكثيرٍ ممّا يفَرِّقنا .
-**- يُطلب الكتاب من مكتبة السيد هيثم الطعان او الكتابة على عنوان المنتدى :
www.irakischerkulturverein.de