نحو مسرح حي

عرض: عبد العليم البناء
يستعرض الفنان القدير سامي عبد الحميد في كتابه (نحو مسرح حي) واستناداً الى تجربته الواسعة والعميقة الطويلة سواء في اطاره الميداني ام الاكاديمي عددا من الاراء في شؤون المسرح وشجونه مما ورد في تنظيرات مسرحيين معروفين في العالم قدماء ومحدثين ويأتي على مناقشتها علمياً ونظرياً بآراء خاصة بالمؤلف كان قد بلورها عبر تجربته الطويلة في العمل المسرحي مدرساً وممثلاً ومخرجاً وباحثاً.
ويعالج سامي عبد الحميد في كتابه هذا الصادر عن دار الشؤون الثقافية بواقع مائة واثنتي عشرة صفحة من الحجم الكبير ما شهده الحقل المسرحي وفي مراحل عدة من تقاليد واعراف اتبعها المسرحيون في زمنهم وفي ازمان لاحقة وفي بلدهم وفي بلدان اخرى ومنها ما اصبح بالياً ومنسياً ومنها ماصور وطور ليكون متوافقاً مع واقع المجتمعات التي مارست النشاط المسرحي ومتطلبات التلقي الجديدة لجمهور جديد تفاعلاً مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية..    

فهو يرى ان العرب عندما ادخلوا (فن المسرح الحديث الى بلادهم كانوا قد نقلوا تقاليد واعراف المسرح الاوربي كما سادت في وقتها اواخر القرن التاسع عشر وظلت تلك التقاليد والاعراف عرضة للتغيير انعكاسا لما يحدث في المسرح الاوربي ولم يفكروا كثيراً في بادىء الامر بحاجات المتفرج العربي ومتطلباته ولم يتوقفوا على كيفية تصوير المسرح لواقع مجتمعهم فقد كانوا مأخوذين بالفن الجديد تسحرهم اساليبه وتقنياته ولم يكن يهمهم كثيراً اذا ما كان للعرب موروث مسرحي بل كان الاهم ان يمارسوا هذا الفن تقليدا ومحاكاة لما شاهدوه او سمعوا عنه) وقد اظهروا اهتماما طفيفاً بالموروث في البداية واصبح قوياً في وقت متأخر.
كما يرى عبد الحميد ان الاوربيين مثلما اخذوا (عن العرب والمسلمين الكثير من الاكتشافات العلمية والابتكارات الادبية والفكرية فقد اخذ العرب عنهم جوانب اخرى من حقول المعرفة ومنها (المعرفة المسرحية) بالصيغة التي وصلت الينا برغم وجود صيغ اخرى متشابهة في حضاراتهم).
وهنا يؤكد سامي عبد الحميد ان الحكاية والرواية تداولتها (الامم جميعاً ولم تعد مقتصرة على امة دون اخرى وكذلك الطقوس ومراسيمها وبحكم تلاقح الثقافات لم تعد الموروثات الثقافية والتقاليد الفنية ملكاً لشعب بعينه بل اشيعت بين الشعوب وان تميزت لدى بعضها بالاصالة كما هو الحال مع المسرح الشرقي - الهندي والصيني والياباني ولكن استفادة بعض اصحاب المسرح الغربي من تقنياتها قد غطت على اصالتها حيث عد مسرحيون امثال غروتوفسكي وباربا ان استفادتهم منها احد مبتكراتهم).
ويخلص الى ان مبتكرات المسرح الاوربي لم تبق حكراً على الاوربيين كما ان مبتكرات المسرح الشرقي لم تبق حكراً على الشرقيين.
في هذا السياق حاول سامي عبد الحميد ان يغوص بأسلوب الباحث والعالم والفنان العارف لاسرار العملية المسرحية بمختلف ابعادها ليتناول جملة من الدلالات والحقائق في هذا المجال الحيوي فقسم كتابه الى عشرة فصول ابتدأها بالفصل الاول الذي حمل عنوان _مقلدون ولاعيب.. تقليديون ولا عيب!) فإذا كان التقليد هو (رديف للمحاكاة او نزوع الى الاتباع) فأنه يرى ان التقاليد هي (وان كانت مأخوذة عن التقليد الا انها اجراءات هدفها صون المهنة من التشويه ومن الاساءة والتخريب).
وقد تأسست هذه منذ بدء فن التمثيل من قبل (ابناء سومر قبل الاف السنين حيث كان رهبان المعبد السومري يتهيئون للتقرب من الالهة في طقوسهم فأن مثل تلك الطقوس اصبحت احدى سمات المسرح في ما بعد.. فقد سبق ابناء وادي الرافدين ابناء وادي النيل في هذه الممارسة الدينية: وسبقوا احتفالات الاغريق القدماء الذين كانوا هم المؤسسون الاوائل للفن المسرحي وهم الذين ارسوا قواعده لانهم هم الذين حولوا الممارسة الطقسية الدينية الى ممارسة دنيوية ولانهم اول من كتب نصوصاً مسرحية ظلت حية حتى يومنا هذا.. كما انهم اول من عمل على فصل الممثل عن المتفرج في الممارسة الطقسية.. واول من وضع قواعد وتقنيات للفن المسرحي بدأها (ارسطو) في كتابه (فن الشعر).
وفي الفصل الثاني (الانتقائية هي الارجح) يرى ان الالماني (ماكس راينهات) ربما يكون (من اوائل المخرجين الانتقائيين في المسرح الحديث لانه كان ينتقي لكل مسرحية ينوي اخراجها اسلوباً خاصاً بها يتناسب وطبيعتها ونوعها فكان ينتقي تبعاً لذلك العلاقة المكانية المناسبة بين الممثل والمتفرج) ويقابله المخرج الفرنسي (اندريه انطون) الملتزم بأسلوب واحد (هو الواقعي بل الطبيعي في عناصر عروضه المسرحية جميعاً بل انه اصر احياناً على استخدام مواد اصيلة من الواقع في مناظره المسرحية وفي ملحقاتها). ويورد مثيلاً له المخرج العراقي (صلاح القصب) الذي اعتمد ما سماه (مسرح الصورة) في جميع اعماله.. حيث يرى سامي عبد الحميد ان (الانتقائية) تطلق العنان( لابداع الفنان تجعله يتنفس انسام الحرية.. ولا انكر الابداع في الثبات على الاسلوب الواحد بل اعتقد ان بأمكان الفنان ان ينوع داخل ذلك الاسلوب).
وهكذا فهو يعالج في الفصل الثالث (جماليات المسرح في نقده وانتقاده وحرية الانسان هي الهاجس) ففي الوقت الذي يرى فيه ان هذه الجماليات تتمثل بـ(التجانس بين الشكل والمضمون) و(الايهام واللاايهام) و(المسافة الجمالية) فهو يعتقد ان النقد والانتقاد (هو الفعل الجمالي الاهم في العمل المسرحي فبواسطته تتحقق المتعة لدى المتفرج ولا تحتاج الى عناء كبير عندما نتفحص النصوص الدرامية منذ اقدم العصور وحتى اليوم لنكتشف ان النقد هو القاسم المشترك بين غالبيتها..
اما في الفصل الرابع فيناقش (جماليات اخرى في الفن المسرحي) تتعلق هذه المرة بوحدة العمل الفني التي سار بأتجاهها معظم الفنانين والدارسين في مختلف حقول الفن ولم تشذ الا فئة قليلة خصوصاً اصحاب الاتجاهات التي تفرعت عن الرمزية والتعبيرية وفي قمتها السوريالية..
وفي الفصل الخامس يتوقف عند (حوارات مع المؤلف والمخرج وبينهما يعيش المؤلف ويسقط المخرج) حيث يقدم قراءته المنطقية للعلاقة بين المخرج والمؤلف ودوره في العملية الابداعية .. في حين يتوقف في الفصل السادس عند قضية مسرحية حساسة ومهمة هي (مسرح تجريبي بلا تجريب) متناولاً (ادعاءات بعض المسرحيين هنا وهناك بأنتمائهم للمسرح التجريبي تماشيا مع (المودة) بغض النظر فيما اذا كانت توجهاتهم تصب فعلا في مجال التجريب ام لا غير واضعين امام اعينهم سوى هدف واحد هو الخروج على المألوف ) هل الخروج على المألوف هو الهدف الاساسي للمسرح التجريبي ؟ وهنا يحدد عبر اجابته عن هذا السؤال المهم ثمانية شروط له ليخلص الى ان (التجريب طريقة قبل ان يكون اسلوباً وهو منهج يحتاج الى اجراءات ونتائج).
ويقدم لنا في الفصل السابع الفارق بين (المسرح الموسيقي والمسرح الشعبي) حيث يميط اللثام عن (ثقافتنا المسرحية) التي يراها (قاصرة) اذ لم يعرف عدد كبير من مسرحيينا توجهات وتنظيرات (فاغنر) عن (الدراما - موسيقى) وتطبيقاته في عدد من اوبراته المشهورة ونظريته عن (الفن المركب) .. وهكذا فالمسرح الشعبي هو الذي لا يعمل على تسفيه الامور المهمة ولا يحرف الفن المسرحي عن قدسيته وهيبته.. وهذا هو ماكان يعتقده ويسعى اليه سامي عبد الحميد وهو يرى خلطاً بين هذين المسرحين (الموسيقي) و(الشعبي) عندما ندقق في حيثياته البالغة الاهمية في هذا الفصل.
وهكذا يعود بنا في الفصل الثامن الى مقارنة اخرى (المسرح العراقي بين التقليدي والتجريبي) بهدف الفصل العلمي والدقيق بين هذين المفهومين استناداً الى ماهو معمول به عالمياً وعربياً بهدف تأصيل المسرح العراقي وبالتالي العربي فما كان (تجريبياً في مرحلة ما يصبح تقليدياً في مرحلة لاحقة ليتساءل : ألم يكن ستانسلافسكي تجريبياً عندما ابتكر (الطريقة ) واليوم ونحن واخرون نعتبره تقليدياً وذلك لان (الطريقة تبلورت واستخدمها الكثيرون واتبعوا منهجاً وطبقوه لمرحلة طويلة من الزمن وجاءت بعدها اعراف ونظريات وتطبيقات جديدة.
اما الفصل التاسع الذي جاء تحت عنوان (ماذا عن ايقاع العصر وصولاً الى المسرح متناولاً مكونات الايقاع كالمفردة والفكرة والوحدة والتكرار فضلاً عن انواعه: السمعي والبصري واللمسي والشمي وكذلك صفاته: التجميع ودرجة السرعة والتوقيت والوقت المستغرق حيث يعد المسرح (اكثر الفنون استخداماً لتنويعات الايقاع لاسيما وانه يستخدم اضافة الى الادب الفنون البصرية والسمعية الاخرى كالرسم والعمارة والنحت اذ لابد من ان تتوافق او تتعارض في آن واحد او في لحظة واحدة) ومن المنطلقات السالفة الذكر الاختلاف بين ايقاعات الازمنة والاماكن والبشر.
وحمل الفصل العاشر عنوان الكتاب ذاته (نحو مسرح حي) وهو في الوقت الذي قسمه الى (ثلاثة اصناف): المسرح الاصيل والمسرح الهجين والمسرح الحي) فأنه يقدم لنا قراءة (للمسرح الحي) الذي يعده (المسرح الذي ولد حياً وسيبقى كذلك فهو الذي يحمل بذور حياته معه).. وهو (الذي يأخذ من الاصالة ما يساعده على الحياة وينبذ من المسرح الهجين ما يبعده عن جوهره ومصدره) وهو ( الذي يتحصن ضد هجمات الفنون الاخرى وخصوصاً الفن السابع - السينما - والتلفزيون) وهو ( الذي يعتمد النصوص المسرحية الخالدة التي يمكن اخراجها على الخشبة في كل زمان ومكان لما تحمله من مضامين انسانية ولما تحمله من قيم درامية تحملها عناصر درامية كفوءة).
وكما يختم.. ( ويبقى المسرح حياً بتجديد حضور الممثل الحي) .. نقول نحن ايضاً: ان كتاب سامي عبد الحميد (نحو مسرح حي) سيبقى حياً لا يستغني عنه الدارس او الباحث او الفنان المسرحي على حد سواء فهو عصارة من عصارات خبرات هذا الفنان القدير وتجاربه المسرحية المتعددة التي فاقت في مدياتها الفكرية والفنية والابداعية تجارب كثيرين سواء في العراق ام في العالم العربي ام الشرق الاوسط.

*******

عن المدى البغدادية

دفاتر