ثلاثة كتب جديدة لحسن ناظم وعلي حاكم:

 

القارىء في النص 

أستراليا- خاص

صدرت حديثاً للناقدين والمترجمين العراقيين: د. حسن ناظم وعلي حاكم صالح ثلاثة كتب جديدة مترجمة في النقد والفلسفة والتأويل عن دار الكتاب الجديد –بيروت- لبنان.

ولعلّ أهم هذه الكتب في تحقيق صلة متميزة مع القارىء بنوعيه العام والمختص هو كتاب "القارىء في النص: مقالات في الجمهور والتأويل"  وهو من تحرير: سوزان روبين سليمان

وإنجي كروسمان. هذا الكتاب يحلل ويناقش ويشرح الدور الخطير للقارىء باعتباره الهدف الوحيد للنص وباعتباره المنتج الآخر للنص عبر عمليات القراءة والاستيعاب والتأويل.وهكذا سنرى الطرف الثالث في العملية الإبداعية: القارىء وقد برز ليس، فقط، مكملاً للعملية الإبداعية بل باعتباره منتِجاً آخر للنص لا يقلّ أهمية وخطورة عن المؤلف ولا عن نصّه المكتوب.

وإذا كان المؤلف قد أخذ حقّه من الدرس النقدي وكذا حدث الأمر مع النص، فإن الوقت قد حان الآن ليأخذ القارىء نصيبه هو الآخر من عملية الفحص والدرس والتمحيص، لنخرج، في آخر المطاف، بفهم متوازن وعميق وكلّي لأطراف العملية الإبداعية: المؤلف، النص، القارىء. وهذا الكتاب: "القارىء في النص" يدخل في هذا المعترك النقدي المهم ليضيء ويضيف ويحلل ويتأمل في كلّ ما يتعلق بالقارىء نقدياً. ويذكر أن المترجمين نقلا إلى العربية في هذا الباب تحديداً كتاب نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البينوية ـ بتحرير جين تومبكنز  والذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون في القاهرة عام 1999.

أما الكتاب الثاني فهو يتناول فلسفة الفيلسوف الشهير هيدغر من وجهة نظر فيلسوف آخر هو غادامير. وهو بعنوان: "طرقُ هيدغر". والكتاب شهادة إنسانية كتبها الأخير بحق هيدغر مازجاً فيها الإعجاب بالسيرة الذاتية بالتحليل الفلسفي ليضيء فلسفة هيدغر وطروحاته الفكرية في نقد الحضارة- وبخاصة الحضارة الغربية- ومفاهيمها الفلسفية. هكذا ستندمج الآراء الفلسفية العميقة مع تفاصيل شخصية هيدغر ومظهره، حضوره الشخصي، طريقة إلقائه محاضراته، نبرة صوته، بيئته الأكاديمية وبيئة حياته، وصلته بفكره، ونظرات عينيه، بين ذلك كله ولغة فلسفية تأويلية عميقة تفصِّل نوع الوجود الذي يكافح من أجله فكر هيدغر.

 ويشير مترجما الكتاب قي المقدمة الى الأثر الشخصي البارز لهيدغر بالقول: نلمس في هذا الكتاب حنيناً إنسانياً للحظات حية شهدها غادمير بنفسه، وعاش توثباتها، وامتداداتها الإنسانية والفكرية. فهو يوحي في العديد من عباراته كيف كان حضور شخص هيدغر نفسه يضفي على قوله الفلسفي أبعاداً، يقول عنها غادامير إنه لا يسع المرء إدراكها إلاّ إذا كان قد خبرها مباشرة. وهذا في الحقيقة أكثر من كونه حنيناً، فثمة شيء آخر يزاد إليه. فالعلاقة التي جمعت بينهما، كما تظهرها هذه المقالات، كانت حواراً عميقاً داخل مشهد تاريخ الفلسفة برمته؛ مشهد يتبين من خلاله كيف تنمو الفكرة وتتبلور، وكيف تؤتي ثمارها.

 إذن، لاعجب أن يكتب غادامير في المقالة المعنونة هيدغر في عيد ميلاده الخامس والثمانين: "واليوم تفكر الأغلبية على نحو مختلف. فهم لم يعودوا يريدون المضيّ قدماً، بل هم بالأحرى يريدون أن يعرفوا سلفاً إلى أين هم ماضون، أو أنهم من دعاة الرأي القائل إن على المرء أن تكون لديه فكرة جيدة عن المكان الذي يقصده. وجلّ اهتمامهم بهيدغر ينصبّ على تصنيفه، كأن يصنفونه بأنه جزء من أزمة الرأسمالية الأخيرة. فيرونه فاراً من الزمان إلى الوجود، أو إلى نزعة حدسية لاعقلانية، متنكراً للمنطق الحديث".

الكتاب الثالث والأخير بعنوان:"الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويليةٍ فلسفيةٍ" وهو للفيلسوف هانز جورج غادامير أيضاً. والكتاب مرّ بسنوات طويلة من التأليف والاضافة والتنقيح وإعادة الشرح والتوضيح والبلْوَرَة حتى خرج بشكله الأخير هذا ليعيد مؤلفه  النظر في التراث الغربي وتاريخه وفلسفته وفنه وعلومه بنظرة ناقدة ومتفحصة.

إنّ الكتاب، كما يقول المترجمان، هو قصة التأويلية والتأويل وهذان الأخيران يطويان في أحشائهما الحارة قصة الإنسان المؤوِّل؛ هذا الذي عَمَرَ الدنيا بتأويله ـ حين رأى في التأويلية إيماناً بـ"فنّ تجنّب سوء الفهم" وإيماناً بـ"رحمة الاختلاف"، وما أحوج الثقافة العربية إلى مثل هذا الفنّ وهذه الرحمة ـ وجازف بخرابها به أيضاً ـ حين رأى فيها طريقاً هيّناً للتورط في سوء الفهم ولعنة الخِلاف ـ وبكلتا الرؤيتين ألقى بنا هو نفسه ـ بالأديان والفلسفات، وبالحروب والكروب، وبالفنّ والتكنولوجيا، وبالفكر والعمل، بالحبّ والكراهية،... إلخ ـ إلى هذا المصير الأخير: عالمِنا الحديث.

الجدير بالذكر أن المترجمين: د. حسن ناظم - المقيم حالياً في أستراليا- وعلي حاكم صالح- المقيم حالياً في الدنمارك-  قد ترجما عام 2002 كتاباً فلسفياً ثالثاً لغادامير هو: "بداية الفلسفة" وقد صدر عن دار الكتاب الجديد ببيروت أيضاً. ومن المؤمل أن يصدر لهما قريباً أكثر من كتاب مترجم في الدرس الفلسفي والنقدي المهم صمن صحبتهما الترجمية المبدعة والمتميزة.

 *********

دفاتر