"هذه
ليست سيرة" لحازم
صاغية
موضوعية خاصة لا تسقط
في فخ
الحيادية
رامي الأمين
يقول أحد
الأصدقاء إنه لا يفهم من أين يأتي حازم صاغية بكل تلك الأسماء للمثقفين
والكتّاب ويقحمها في مقالاته، ويعلّق ساخراً، إنه أحصى في مقالة
واحدة له ثلاثين اسماً، هذا من دون الأقوال التي يقتبسها
منهم، ثم يتساءل: ما الذي يبقى من المقالة إذا حذفنا هذه
الأمور؟
بالطبع، أنا أخالف هذا الصديق، وبكل محبة، رأيه في
كتابة حازم صاغية، الذي أنتظر مقالاته
يوماً بعد يوم في "الحياة"، وهو الذي لم يكتب منذ وفاة
زوجته مي غصوب، ومن بعدها، صديقه الصحافي جوزف سماحة. ولمّا لم يكن حازم صاغية
متوافراً على صفحات الجرائد، ذهبت إليه في كتابه الجديد "هذه ليست
سيرة" الصادر لدى "دار الساقي". كنت
كمن يعوّض جرعات من مقالاته التي لم تتيسر لي طوال فترة غيابه
المحزنة عن الكتابة، لأن الموت يضعنا أمام موت، ولأننا، كبشر، لا
نلبث نعود من موت، حتى يحلّ علينا آخر. نمضي حياتنا في وداع
الأصدقاء والأحبة، ثم ننسلّ حفاة وعراة تحت التراب كأشخاص
نغطّي وجوهنا بالوسائد خوفاً من الكوابيس. وأختلف تماماً مع حازم
صاغية عندما يعلن في مقدمة كتابه "أن سوء حظ قرّاء الصحف فرضني
عليهم، منذ سنوات، بإيقاع يوشك أن يكون يومياً"، لأني
شخصياً، لم أملّ يوماً من متابعة مقالاته، التي تمتاز
بموضوعية خاصة، لا تسقط في فخ الحيادية، بل تحمل موقفاً واضحاً من كلّ خطأ،
وتستقر على وجهة نظر يتبناها كاتبها، ولا يفرضها على قارئه.
بهذا الأسلوب كتب
سيرته، أو "لا سيرته"، إذا أردنا أن نجاريه في عنوان الكتاب. كتبها
بشكل خاص، كما لو أنه يكتب سير الآخرين، وكتب سير الآخرين
كما لو أنه يكتب سيرته. في الحالين استطاع أن يبني هيكلاً
من الحوادث، المندرجة ضمن تاريخ لبنان الحديث، مفنّداً
علاقته بها، وموقفه منها، بأسلوب روائي أدبي، يسيل من فمه لعاب فلسفي وأنثروبولوجي.
اختار جدّته ليبدأ رواية الحوادث. جدّته، وقبلها
الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، الذي
نظم قصيدة مطلعها: "إذا شئت رفع الضيم فاضرب/ بسيف محمد وأهجر يسوعا".
اختار هذه القصيدة، ليروي علاقة جدّته المسيحية،
وأبناء منطقته عكار، بالدين المسيحي،
ومصدر ثقافتها وثقافتهم، التي ارتبطت بشكل أساسي بالإسلام، "أو توخياً
للدقة، ما أقام منه في العروبة ولابسها". من هنا ينطلق إلى
السياسة، إلى علاقة المسيحيين وانقسامهم بين كميل شمعون
وجمال عبد الناصر. وبأسلوب ساخر ومتماسك، يتحدث صاغية عن
مسيحية جدته التي "بقيت تتأرجح بين الإقامة في الطبقة الثالثة، حيث تستقر
الروح وتتعالى، وبين مستودع الخردة المركون تحت الطبقة الأولى.
فأمّ الناصري مريم، غالباً ما استعيض عنها بقائمقامها الذي
كانته شفيعة القرية، القدّيسة بربارة"،
والتي جعلت جدة حازم بدورها تخاطبها في صلواتها، قبل النوم "طالبة
منها أموراً وظيفية جداً ومحددة بدقّة لا تترك للخطأ
مكاناً". فهي، على ما يكتب صاغية، "كثيراً ما سألتها عن
أدوات مطبخيّة ضائعة أبرزها، مدقّة الثوم الخشبية... ومرة ذهبت بعيداً
فناشدتها ما يفترض في بربارة ألا تقدم بتاتاً عليه، وهو ارتكاب
جريمة قتل. فقد حرّضتها أن تنزل الموت بشمعون قبل تنفيذه
مرسوم إعدام كان أصدره بحقّ نجلها". هكذا، من تفاصيل صغيرة،
وطريفة، ينقلك إلى
الجوّ
السياسي الذي كانت تضطلع فيه تلك الحقبة.
وبسلاسة مثيلة، ينتقل إلى مسائل أكثر تعقيداً، تمسّ
موقفه الشخصي منها، فيذهب بك، كمرشد
سياسي بين المراحل الزمنية التي مرّ بها هو نفسه، ويقدّم لك العبر من تجاربه
الخاصة مع الأحزاب والايديولوجيات التي مشى وراءها، أو أقسم اليمين
لأجلها. تبدأ رحلته من طرده من "ثانوية الروضة" بسبب شكوى
عليه من والد صديقه، عندما أخبر المدير أنه ينقل إلى نجله
"الجرثومة البعثية"، و"بعثيتي يومذاك لم تتعدّ عبارات إنشائية
لميشال عفلق وبضعة أبيات صرخها سليمان عيسى فوق المنبر". لكن صاغية
سرعان ما أيقن أن درب البعث مسدود وزمنه سدى، إلا أنه لم
يقسم يمين الناصريين إلا متأخراً، لأنه كان يأخذ على
الناصرية عدم امتلاكها "التنظيم الشعبي". وهو أيضاً سرعان ما اكتشف،
بعد انضوائه، سراً، في التنظيم الناصري، أن عبد الناصر كان "صادراً
عن خرافة عظمى تطوّقنا وعن خرافة لا تقلّ عظمة نهيّئ النفس
لاجتراحها في الغد العربي العزيز".
هكذا ترك الناصرية، ليبحث عن تنظيم آخر يلبّي طموحاته القومية، وعن وسط لم يوفره له
البعث، ما جرّه "إلى التزحلق شيئاً فشيئاً إلى الدرك القومي. فحين
اصطحبني بعض "الرفقاء" اللاحقين إلى
"أمين" في الحزب المشهود بإتمام "العقيدة"، بانت المعرفة
العقائدية المنسوبة إليه وقد خانته تماماً. غير أن انكشاف جهل
"الأمين" لم يغيّر شيئاً، فلم تنقض غير اسابيع حتى وجدتني
أقسم اليمين لـ"سورية وسعادة". والمفارقة أن مقسم اليمين
هذا، أي حازم صاغية، كان نفر من كتابات أنطون سعادة، وخصوصاً عندما كان
"يتحدث عن نفسه كشخص ثالث غائب مطلقاً على نفسه إسم
الزعيم". وهو إذ أقام مقارنة سريعة بينه
وبين عبد الناصر، تبدّى سعادة له فيها "أشبه بالصبيّ الذي يوزّع المناشف
في حمّام تركي".
بهذا النمط الساخر، يتابع تحطيم أصنامه التي عبدها في
مسيرته التي أخذته في طريق الشيوعية
الذي بدا صيتها، عندما قرأها أول مرة، "يرادف الألم للألم".
وبعد "خطابية الوعي العروبي وبَلَه القومية السورية، لاحت الماركسية منظومة
متجانسة تأسر الوافد إليها من تجارب ضعيفة الصلة بالعقل والتنوير"،
كما يبرّر انتماءه إليها لاحقاً. والحال أن حازم صاغية يبدو
في حياته كأنما ينتمي إلى الأحزاب بمعايير قياس الثياب في
محلّ ملبوسات. غير أن صاغية سيكتشف أن أي حزب لن يتناسب مع
تطلعاته إلى مستقبله ومستقبل بلاده. لهذا يسخر أيضاً من الشيوعية، ويجلدها، لأنها
"بدت غير منزهة عن أزجال القرى وعن نوع من الولاء
دينيّ للاتّحاد السوفياتي، فيما رموزها
المعبودة، كفرج الله الحلو، وأدباؤها المسلّم لهم، كرئيف خوري، يصدرون عن
هوى يصالح الوقائع اللبنانية، هو غير الذي ربّتني جدتي عليه".
ثم يجرّب
الخمينية، على الرغم من عدم اهتمامه بالسجّاد، وعلى الرغم من أن ايران "بقيت بعيدة
لا يكفي لتقريبها مقت الشاه (حليف أميركا واسرائيل)"، بسبب من
"يسارية" الكاتب في تلك الحقبة. إلا أنها سرعان ما حطّت
عليه "دفعة واحدة من غير تمهيد"، إذ حضر في العام 1978 إلى
مبنى جريدة "السفير" حيث كان يعمل، رجل دين شاب، قال إنه يريد
منبراً عربياً لمن يمثّل، وإن من يمثلهم مشايخ سوف يمرّغون أنف
الطاووس. ومن بعدها صار حازم صاغية من "المبايعين المبكرين
للثورة"، وراح يكتب في "السفير" مقالة تلو أخرى دفاعاً
عنها. لكنه، كواحد من "الخمينيين الجدد" كما يسمّيهم، "لم نلبث أن
شهدنا ما حلّ ببيروت، فحين انكسرت، على مقربة منا، قارورة عطر
الجنّة فاحت رائحة لا يشتهيها أنف. فالشهادة إذ كثرت
استخداماتها ودعايات
ترويجها، في الحيطان
والشوارع
وداخل السيارات
وفي الكاسيتات والإذاعات، تكشّفت عن خليط من سادية وكيتش وانخطاف
ديني. وما هي
إلا أشهر حتى تبدّى إله ايران بشعاً تنزّ أنيابه دماً، معادياً
للمدينة لا
يتغذى إلا على الحقد".
ولا يحيد حازم
صاغية في مقاربته للمناطق، عن
الطريقة التي
يقارب فيها الأحزاب التي مرّ بها مؤيداً أو منتسباً. فهو إذ سكن
الأشرفية لفترة
معيّنة وكانت له فيها ذكريات جميلة، تركها إبان حرب السنتين، ووجد
نفسه في
"الغربية"، "وسط سهرات نضالية قليلة يغنّي مرتادوها، وأغنّي معهم، "هات
قنابل يدويّي
(يدوية)/ وأقصف الأشرفييّ (الأشرفية)". وثمة من سمع نداءنا فانهالت
عليها القذائف
كثيرة إلا أنها لم تتداع بل ردّت بالقذائف". وهو إذ يبررّ للأشرفية
موقعها من
الصراع اللبناني - اللبناني، يصفها بأنها "على هيئة كائن قليل الحيلة
يتسلّح بالإخافة
كي يطرد منه الخوف".
وكما يترك
الأحزاب، ويترك المناطق، كان
على حازم صاغيّة
أن ينسحب من الوطن، اثر تقدّم الإسرائيليين إلى بيروت العاصمة،
وبدء الإجتياح
الإسرائيلي ومحاصرته للعاصمة. فعندما "استمر قطيع العتمة يتقدم، وفي
موازاته تنمو
مشاعر الذنب حيال أخذ الناس كتلة واحدة ومعالجتهم جميعاً بالغضب"،
ولما لم يصب
بالنعاس "الجمر الذي كنته وبقيته إلى أن جاء من يدعوني إلى لندن حيث
ثمة فرصة عمل
تنتظر"، لم يتأخر في قبولها، وانطلق إلى لندن، منفاه الإختياري الذي
وجد فيه ضباباً
طبيعياً مناخياً أقلّ وطأة من ضباب هذي البلاد المتشكّل من بخار
الجهل، وظلامية
السياسة والأحزاب.
********
النهار