الغناء «أيام الفرهود» في العراق
نعيم قطان يستذكر الأوقات العصيبة للطائفة اليهودية في العراق أربعينات القرن الماضي
كاظم الواسطي
كانت الطائفة اليهودية في العراق تمر بأوقات عصيبة، حين كان بعض ساسة الحكم والضباط الشبان ذوي الأفكار القومية المتطرفة يجاهرون بميولهم النازية، تعبيراً عن كرههم للإنجليز وعدائهم للصهيونية، وانعكس ذلك سلبياً على موقف قسم من شرائح المجتمع من وجود اليهود في العراق.
تبدأ رواية "فريدة" باختزال زمن الأحداث المتشعبة بمشهد قتل الشاب اليهودي، ساسون قره غولي، الذي كان يدير أحد المسالخ في بغداد بشراكة مع ابن طائفته سليم عبد الله، حينما أقدم شاب مسلم صغير، يعمل في مكتب ساسون، على حز عنقه بخنجر، وألقاه صريعاً وسط الخرفان الذبيحة على أرض المسلخ. وعند إلقاء القبض عليه، اعترف بأن ـ سليم عبد الله ـ هو الذي حرضه على قتل ساسون.
ومن هذا المشهد، ينطلق الروائي نعيم قطان، وهو يهودي عراقي، ولد في بغداد عام 1928 وأكمل فيها دراسته الابتدائية والثانوية، ثم هاجر خارج العراق في نهاية أربعينات القرن الماضي ليستقر في كندا، وظل في معظم كتاباته قريباً من جذوره الأولى بنكهة عراقية قلما فارقته رغم كل تلك السنين من الغياب.
في عوالم روايته "فريدة" ـ من منشورات الجمل 2006 ـ الزاخرة بوقائع الحياة البغدادية وأجوائها السياسية والاجتماعية، نجد صعوبة التمييز بين السارد ـ المؤلف أو سردية القص ـ وواقعية الحياة، مثلما حصل في روايته "وداعاً بابل"، وتميزت الروايتان بشيء من الواقعية العذبة.
وتشكلت تلك الأجواء في ذاكرة قطان بقوة حضور للمكان وملامحه الزمنية قل نظيرها حتى بالنسبة لكتاب عراقيين يعيشون وسط المشهد المديني نفسه بغياب أقوى من النسيان.
فالمشهد البانورامي الأوسع الذي تتحرك فيه شخصيات الرواية يعود إلى أربعينات القرن الماضي التي سيطرت عليها أجواء الحرب وصعود النازية في ألمانيا. وكانت الطائفة اليهودية في العراق تمر بأوقات عصيبة، حين كان بعض ساسة الحكم والضباط الشبان ذوي الأفكار القومية المتطرفة يجاهرون بميولهم النازية، تعبيراً عن كرههم للإنجليز وعدائهم للصهيونية، وانعكس ذلك سلبياً على موقف قسم من شرائح المجتمع من وجود اليهود في العراق.
وجرت في حينها عمليات خطف وقتل لبعض التجار اليهود وتطورت إلى ممارسات سلب ونهب واسعة النطاق، على الرغم من "تفاني اليهود العراقيين في التعبير عن وطنيتهم، وفي نفي أي ميل للصهيونية، وفي إنكار أي صلة بالصهيونيين القادمين من الغرب".
وهناك إشارة إلى دور السفير الألماني ـ دكتور غروبا ـ في العراق وإذاعة "هنا برلين" ليونس بحري في الدعاية لألمانيا النازية وتأجيج العداء لليهود، بالإضافة إلى الدور الخبيث للإنكليز في تعميق الفجوات السياسية والاجتماعية، وهم المعروفون بتقاليدهم العريقة في سياسة "فرق تسد" لكي يبقوا الطرف القوي الوحيد في المعادلة.
في تلك الأجواء المشحونة يتحرك أبطال الرواية، ومنهم سليم عبد الله، الذي ربطته بساسون قره غولي، علاقة وطيدة منذ كانا في مدرسة (الشماس) وانخراطهما ـ بعد التخرج من الثانوية ـ في العمل كمصرفيين في (الإستيرن بانك) واستغلا وجودهما في المصرف كمصدر جيد للمعلومات عن الزبائن والحصول على عناوين الباعة الأجانب.
وكانا يعتقدان ألا مستقبل لهما إلا في بغداد، على الرغم من ارتفاع أصوات بعض متطرفيها. وقد شجعتهما نسب المال التي يحصلون عليها من المكتب على ارتياد الملاهي والقيام ببعض المغامرات العاطفية.
وفي أحد الأيام، لفت انتباه سليم صوت نسائي لا يقل حلاوة عن صوت اسمهان، ينطلق من سطح الجيران وهو يتغنى بأغنيات عبد الوهاب وليلى مراد، وينفذ إلى أعماق روحه بحلاوته الأنثوية.
وتبين في ما بعد بأنها شابة تدعى "فريدة" قدمت من الحلة لتعيش في بيت عمتها. وبعد محاولات متكررة لرؤيتها من خلال باب البيت عند عودته من العمل، التقت يوماً نظراتهما في الباب الموارب، وكانت هناك استجابة واضحة في نظراتها الساحرة.
واستمر الإيقاع اليومي لعلاقتهما عن بعد، على سطح البيت صباحاً وفي الباب الموارب ظهراً، ثم تطور الأمر إلى لقاءات تنكرية خارج المحلة، في بارك السعدون وسينما الزوراء.
ووصل الحال بفريدة أن اتخذت قرار مغادرة بيت عمتها والعيش مع سليم في بيت خاص في الكرادة. وعاشا هناك أقصى حالات السعادة. وأرادت فريدة التوغل في هذا الطريق بكل مخاطره، وانتهاك عتبات تمتعه المحرمة، كي تقطع طريق العودة إلى ذلك البيت الخانق. لكن فترات الحب والمتعة هذه لم تقلل من تعلقها بالغناء، بل جعلتها أكثر تفاعلاً وتوقاً لممارسته، إذ طلبت من سليم أن يساعدها على الخروج من عزلتها والغناء في الأماكن العامة "أريد أن أغني أمام الناس.. امرأتك مغنية وتريد أن تتغنى بحبك للعالم كله". ولم يكن لسليم من خيار، أمام إصرارها، إلا أن يتبعها خوفاً عليها من المجهول والضياع بعيداً عنه. ولكي يتكامل استعدادها لخوض غمار هذا العمل قررت تعلم العود، وفاجأت معلمها بقدرتها المتفجرة في الأعماق "لست بحاجة إلى تعلم الموسيقى. إنها ساكنة فيك".
وظل سليم يعيش منولوجاته القاسية في ظل هذا الواقع الجديد، فكيف له قبول عمل حبيبته وزوجته ـ في السر ـ "آرتست" في الملهى بكل ما في هذا العمل من إشكالات اجتماعية وتأثير في السمعة؟، لا جواب له عن تلك التساؤلات والهواجس، فهو يعرف جيداً بأنها ستستمر في الغناء مهما كان الثمن.
وحين أخبرها ـ أنطون الأرمني ـ بأن على زوجها أن يحميها من تدخلات وإساءات البعض ممن لا يستطيع هو ردعهم "فهم يستطيعون العصف به وبالملهى كله"، عرفت فريدة بأن سليم مجرد تاجر يهودي لا يستطيع أن يقف بوجه سطوة العسكريين وشيوخ العشائر الذين يرتادون الملهى. وكانت تلك بداية الضعف، أو النظر بواقعية لما يحيط بها، حين وجدت نفسها تستجيب لنظرات قائد شرطة بغداد ـ جواد هاشم ـ وتعجب به، مما سهل للقائهما في ما بعد، وجعلها محمية من قِبله، في نظر الآخرين، لا يمكن التجاوز عليها، إنها في حماية قائد شرطة بغداد نفسه!.
وهكذا عاشت فريدة العلاقتين معاً: فقائد الشرطة، جواد، هو الترف والأمان والحماية، وسليم، هو الحب والقلب والروح.
وقد وجدت في ذلك نوعاً من التوازن في محيطها القلق. كان اليهود في تلك الفترة يتعرضون للمضايقات والكثير من الاعتداءات ـ فكانت لا تريد أن تخسر حبها ولا أن تفقد غناءها الذي لن يكون بدون قوة أو حماية في ذلك الوسط غير المنضبط في أهوائه وانفعالاته. في هذا التضاد المتنامي، يبقى لتوازن فريدة مذاقاً مراً يفرض طعمه على غنائها الذي صار حزيناً، وفيه الكثير من الشجن. حتى جاء اليوم الذي أوقفت فيه الشرطة سليم بتهمة التحريض على قتل صديقه ساسون. لم تحدد الدوافع الحقيقية للقتل بدليل واضح على اتهام سليم كأنما أراده المؤلف أن يكون جزءاً من المشهد العام الملتبس آنذاك.وقررت فريدة أن تنقذه من السجن، مستغلة وجودها القوي عند قائد الشرطة. وقامت بتدبير محاولة تهريبه من السجن عبر استخدام واستغفال بعض حراس قائد الشرطة نفسه.
وكانت قد هيأت لعملية هروبه "قبو" البيت الذي تقيم فيه وفرضت عليه العزلة هناك، واللقاء به داخل "القبو" بشكل فيه الكثير من السرية والحذر، خاصة أنه في بيت قائد الشرطة الذي تأتمنه الحكومة على أسرارها، كأنما في تلك المفارقة نوع من رد الاعتبار إلى حب سليم المطعون بعلاقتها بجواد.
و"استسلم سليم لحرية مفتاحها في يد غيره".. فقد تعلم في السجن العيش في "اليأس المكيف" الذي من خساراته فقدان الإرادة.
وهكذا صارت فريدة في تلك الفترة، مغنية للملهى، وامرأة لجواد، وعاشقة لسجين هارب.
ووصل بهما الأمر، بسبب ضجر سليم من عزلته في القبو، أن يخرجا معاً، وسليم بملابس امرأة، خارج البيت ويتجولان في الشوارع والأسواق. ويوماً بعد آخر أخذت تشعر بالضعف والعجز وهي تتجول مع هارب تطارده الشرطة. وترى نفسها، وهي بعيدة عن مكان شهرتها وغنائها، مجرد يهودية بلا زوج ولا أسرة، قد تتعرض في أية لحظة للاعتداء أو السجن.
وقد أثر شعور الضعف والعجز وضجر سليم من عزلته وتخفيه في القبو في علاقتهما، وأصابها بالفتور وحمى الخوف من المجهول.
وقد كانا في لحظات الخطر، كزيارة رشيد عالي الكيلاني، رئيس الوزراء يومذاك، إلى البيت، في لقاء خاص مع بعض الضباط ومنهم قائد الشرطة جواد، يحولان جسديهما إلى وسيلة للمقاومة والصمود بتأجيج نار العاطفة فيهما إلى أقصى حد لبلوغ نسيان ما يحدث قريباً منهما "لقد أوقعها معه في سقوطه. وها هما لوحدهما يهوديان عاجزان عن المجاهرة بيهوديتهما ومحرومان من الانتماء إلى طائفة الضحايا".
لكن فريدة تصر على الغناء. هناك على المسرح، حيث تنفصل عن نفسها تماماً عندما يهتف باسمها الجمهور ويصفق لها الجميع. هناك هي مغنية وحسب، لا مسلمة ولا يهودية، وتصير بمنأى عن هواجس العزلة والخوف.
وبعد سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني، وهروبه مع بعض الضباط ومنهم قائد الشرطة جواد. الذي استقر في خانقين، كانت بغداد بلا حكومة وظل الجيش بلا قيادة توجهه. مما ترك المدينة مسرحاً للصوص والقتلة ينهبون ويسلبون، وبالأخص ممتلكات وأموال اليهود.
وفي ظل تلك الأجواء تحولت علاقة سليم بفريدة إلى نوع من الشفقة والتعاطف. وصار هو في نظرها "رفيق حياة غابرة" طوته الذاكرة خارج سياق الزمن. عندها قرر سليم السفر خارج العراق، بعد أن رتب له بعض الأشخاص أوراقا خاصة لذلك، لكن ظلت في روحه ندوب الحب أقوى من سواها تستدعي لقاءً قد يحدث بينهما في ظروف أخرى، غير تلك التي يعيشان تحت قسوتها الآن. وبعد سفره، بقيت فريدة وحيدة لم تشعر بحاجة لأحد، بعدما حققت ما كانت ترغبه في الحياة: البيت أصبح ملكاً لها بعد أن سددت قيمته إلى جواد عبر وسيط، وفي الغناء الذي كان بالنسبة لها أقوى من الحب نفسه، لكن إحساساً غير متوقع ضيق عليها الخناق وهي تواجه شمس يوم جديد: "ماذا لو كانت الحياة نفسها وهماً؟".
الشرق الأوسط