"كوبنهاغن مثلث الموت" لحسين السكّاف
عن الإرهاب بامتياز
ثائر صالح
يكثّف العراقي حسين السكّاف التاريخ القريب لمدينة المحمودية، والمصائر المتباينة
والمأسوية غالباً للكثير من الشخوص في رواية "كوبنهاغن مثلث الموت"، التي صدرت
حديثاً لدى "دار ميريت" في القاهرة، في 383 صفحة. المؤلف كاتب وناقد عراقي يقيم في
كوبنهاغن، ويهتم بدراسة الحركة الموسيقية العراقية ويدير على الإنترنت موقع
"القيثارة العراقية"، الجاد والثري بمقالاته ومقابلاته مع أشهر الموسيقيين
العراقيين.
قراءة هذه الرواية مؤلمة، مثلما هي مؤلمة الأخبار من العراق، نراها ونسمعها كل يوم.
غير أن الألم المنبعث من الرواية مختلف، لأنه ألم التعرف الى السبب الكامن وراء
الموت المجاني المنتشر اليوم في العراق الحزين. فالرواية تقدم حتى للقارئ العراقي
العارف، صورة كاملة عن أبعاد هذه الظاهرة المنفلتة التي استفحلت في الأعوام الثلاثة
الأخيرة، مع أنها كانت موجودة في ظل نظام صدام الدموي، وإن في أشكال وأبعاد أخرى
(لكنها محسوبة على الأقل). هل في الإمكان تقديم ظاهرة بشعة بكل تفاصيلها الصغيرة
المقززة بشكل أدبي، حتى لا أقول بصورة إبداعية فنية؟ ثم كيف تكون هذه الظاهرة
موضوعاً لرواية من دون التنازل عن الجوانب الفنية والجمالية لهذا الجنس من السرد
الأدبي؟ الرواية إذاً، طليعية في هذا المنحى، لكنها طليعية أيضاً من حيث تشريح
الظواهر السياسية (وهي هنا الإرهاب) من خلال توثيق المتغيرات السياسية والإجتماعية
بصورة سردية، تصل أحياناً الى حد يستنبط فيه القارئ خلاصات وتفسيرات سياسية لواقع
الحال، وربما لظهور اقتناعات معينة بعد إتمام القراءة.
عايشت، من جهتي، الفترة التي تتحدث عنها الرواية (من أواسط الستينات حتى اليوم)،
ورأيت بوضوح أن أحد أهم أسباب العنف المستشري، والإنهيار الكامل لمؤسسة الدولة
العراقية بعد التاسع من نيسان، لا يشمل المؤسسات القمعية الرئيسية لنظام صدام حسين،
أي أجهزة الأمن والمخابرات والإستخبارات، وما سُمّي بـ"فدائيي صدام" وغيرها من
التشكيلات السرية التي كانت تسهر على حماية النظام. هذه المؤسسات، وبسبب من طبيعتها
السرية التآمرية، وبسبب من طبيعة مهماتها، بقيت محافظة على تنظيمها بعدما استعدت
مبكراً لمرحلة ما بعد السقوط، عبر تهيئة مصادر التمويل والتسليح والإتصال. الرواية
واضحة في الحديث عن الدور الذي يضطلع به كبار الضباط في هذه الأجهزة في مأساة
اليوم. يقيناً، أن هذه المجموعات المنظمة والمتدربة تنفّذ الكثير من الجرائم البشعة
التي نسمع بها كل يوم، بعدما تعددت الأسماء التي تعمل تحتها، وتقمصت واجهة اسلاموية
(جيش محمد، المجاهدون، وعشرات التسميات الأخرى).
الجانب الثاني هو الأهمية الإستثنائية التي كان النظام السابق يوليها للمنطقة
المحيطة ببغداد، ويطلق عليها اسم الحزام الأمني لحماية العاصمة بغداد والنظام
الإستبدادي فيها من كل هبّة جماهيرية ضده من المحافظات الجنوبية، وهذا ما حدث فعلاً
في انتفاضة آذار 1991، التي قُمعت بشراسة، تحت أنظار القوات الأميركية التي احتلت
أجزاء من العراق في نهاية حرب تحرير الكويت. وبسبب من عدم المساس بالأجهزة الأمنية
للنظام السابق، فقد أخذت هذه الأجهزة تسيطر على مناطق الحزام (مثلث الموت، أي
المحمودية واليوسفية واللطيفية في جنوب بغداد، ومنطقة أبوغريب وعامرية الفلوجة
والفلوجة في الغرب، في حين امتد الحزام الأمني في الشمال حتى تكريت نفسها). تضاعف
عدد سكان هذه المناطق مرات عديدة خلال العقود الماضية بعدما ملأها النظام
بالمعسكرات والمؤسسات التابعة للتصنيع العسكري، وبعملاء للأمن والمخابرات، جيء بهم
من الأرياف أو من المناطق الغربية ذات الغالبية السنية.
الجانب الثالث في الرواية، هول الدمار الذي لحق بالمجتمع العراقي، وعمق التشوه الذي
أصاب شخصية العراقي. وهذه عملية منهجية مقصودة تفاقمت خلال عقود من الحروب العبثية
الخارجية، والقمع الداخلي المتواصل. على سبيل المثال، أصبحت السلطات تشجع الوشاية،
حتى داخل العائلة الواحدة، فيكافأ الواشي بالمال والإمتيازات، في حين يرسل الضحية
إلى السجن أو الى غرفة الإعدام بسبب شتيمة أو نكتة تتندر على الديكتاتور، لا غير.
ونجد في عملية اختطاف الشخصية الرئيسية للرواية، علاء كاظم جاسم عجوم، المغترب
العراقي المقيم في الدانمارك، وزوجته الصحافية الدنماركية، أصداء لتلك الحقيقة
المرة، عندما يجري الإختطاف بتدبير ووشاية من ابن خالته حليم. ويشير المؤلف إلى
ظاهرة الأيتام الذين أنتجتهم الحروب العبثية المتواصلة والقمع الدائم، والذين
يميلون إلى العنف أكثر من غيرهم بحكم نشأتهم والظروف.
ثمة في الرواية إشارات إلى دور فئات من العمالة العربية والمصرية على وجه الخصوص،
والتي تدفقت على العراق منذ نهاية السبعينات، وتجنيد المخابرات العراقية لأعداد من
المصريين والسودانيين في أجهزتها وتجسسهم على مواطنيهم وعلى العراقيين. لاحقاً شارك
بعضهم بفاعلية في العمليات الإرهابية مثل السوداني آدم الدوما عمر، المولود في
الفاشر، والذي أصبح قائد ما يسمّى جيش تحرير العراق. على العموم شعر المواطن
العراقي الإعتيادي بالغضب إزاء سياسة صدام حيال العمالة المصرية، بسبب الإمتيازات
الكبيرة والمعاملة التفضيلية التي حصلوا عليها ولم يحصل عليها ابن البلد الذي كان
يفقد حياته، وفي أحسن الأحوال يفقد مستقبله ومستقبل أولاده وهو يقاتل في الحرب
المجنونة مع إيران.
تبدأ الرواية بمشهد الإختطاف، الحادث الذي يشكل محورها الأساسي. غير أن الراوي يعود
إلى سرد حوادث سابقة، ويعرّف بشخصيات عديدة لها دورها في ما بعد، ويعود الى الغوص
في ذكريات بعيدة رآها ضرورية لتوضيح خلفيات الشخوص. ويربط السكاف بين حال المحمودية
القاتم اليوم وماضيها الزاهر في الستينات والسبعينات، عندما نهضت فيها حركة ثقافية
وفنية وفكرية، بسبب قربها من العاصمة. ويورد الكاتب أسماء لامعة ومعروفة، حيث تأخذ
الرواية في هذه المواضع لون الكتابة الصحافية. من بين مشاهير أبناء المدينة الفنان
عبد الوهاب الدايني رئيس قسم السينما في معهد الفنون الجميلة، والفنان التشكيلي
عباس الكاظم (لوحة الغلاف) وآخرون. الهدف من هذا "الإستعراض" الصحافي تأكيد الجريمة
الكبرى في تحويل هذه المدينة التي تهتم بالفن والأدب الى مثلث للموت، ومن مدينة
تعشق الحياة إلى ساحة للموت تروى بدماء الأبرياء.
شخوص الرواية صنفان، الأول حقيقي بالإسم الكامل، قصصهم حقيقية وهم من ضحايا النظام
السابق والإرهاب والعمليات المضادة للإرهاب، والثاني هم شخوص بأسماء محرفة، يعمد
الكاتب إلى تركيب شخصياتها من أناس يعرفهم الراوي حق المعرفة.
ينبه المؤلف إلى أخطار نمو الإرهاب والتطرف في رحم الغرب الذي استقبل اللاجئين
المتدفقين على أراضيه، وبينهم من يحمل أفكاراً تكفيرية وحتى إرهابية، ووفّر لهم
الملجأ والعيش الكريم ولبّى رغباتهم في إنشاء المساجد وأماكن اللقاء التي تحوّل
بعضها إلى أوكار لتجنيد الإرهابيين الذين يفجرون أنفسهم وسط الأبرياء في العراق.
ويرمز الكاتب الى هذه المسألة من خلال احتفاظ كاميلا أندرسن، زوجة علاء، بالجنين
الذي حملته بعدما اعتدى عليها أحد خاطفيها، الإرهابي توفيق الأعرج، قبل محاولة
نقلها وتسليمها إلى عصابة ثانية من الإرهابيين متخصصة في اختطاف الأجانب، مع أنها
رفضت إنجاب طفل من زوجها علاء.
ثمة مواضع في الرواية ذات أحمال ثقيلة، قوامها معلومات بيوغرافية وتاريخية يقدّر
المؤلف أنها مهمة لتوضيح شخصياتها، أو حوارات فلسفية وفكرية تعكس رؤيته لواقع
الحال، مثل الحوار الطويل بين رجب الإرهابي القادم من دير الزور، والرجل الخمسيني
الطيب في المقهى الذي اختاره رجب ليكون بديله في تفجير يفترض أن يكون انتحارياً
ليوهم قائده عقيد المخابرات حميد هلال (ابو القمل) ويهرب مع زوجة الأخير بجوازات
مزورة إلى سوريا بعدما سرق مئات آلاف الدولارات من العقيد وعصابته.
فلذة من الرواية
"نعم، الوهم الذي يدفع بصاحبه إلى الإنتحار. وهذا أيضاً لا يأتي اعتباطاً أو بوقت قصير، الانتحار بالوهم يحتاج أولاً إلى عقل بسيط، ساذج، غير متعلم، ومن ثم دروس تجعل ذلك العقل في إغفاءة تامة، تماماً كالتنويم المغناطيسي، دروس توهم العقل بأنه سوف يحصل على ما يريد، كل ما يريد، المال والجمال والمتعة وكل شيء يحلم به شريطة أن ينفذ قرار الانتحار. ولكن هل تعلم بأن هناك فترة زمنية قصيرة جداً لا تتعدى بضع ثوان يندم فيها المنتحر على فعلته ويتمنى لو أنه يستطيع العدول عن قراره؟... إنها الفترة المحصورة بين تنفيذ القرار والموت، وبهذا يكون كل الذين انتحروا، قد ماتوا نادمين".
النهار