فعاليات نهار (المدى) التاسع ..

غائب طعمة فرمان في طاولة مفتوحة
 

محمد درويش علي


ضمن الفعاليات الثقافية لنهار المدى التاسع(نهار غائب)، الذي حضره عدد كبير من المثقفين، ورجال الاعلام، واقيم في شارع المتنبي، اقامت المدى ندوة نقاشية، بعد الانتهاء من مشاهدة مسرحية (في ظلال نافذة غائب) تأليف علي حسين، اخراج حيدر منعثر، وتمثيل سامي عبد الحميد، وشذى سالم، وسامي قفطان، والتي تناولت حياة الروائي الراحل، من خلال رواياته وربطها بالواقع العراقي الراهن شارك في الندوة التي ادارها القاص والباحث ناجح المعموري، عدد من الادباء والنقاد والفنانين وهم د/جلال الماشطة، وسامي عبد الحميد، ود/ علي ابراهيم واحمد خلف، وعلي حسن الفواز وجاسم عاصي وباقر محمد جاسم. وتناول كل متحدث جانباً من حياة الروائي المحتفى به، ورواياته وكيفية استلهامه لاحداثها المحلية التي بقيت في مخيلة القارئ العراقي والعربي على الرغم من مرور كل تلك السنوات عليها

واشاد مدير الندوة باهمية غائب طعمة فرمان في المشهد الروائي العراقي، عاداً اياه واحداً من ابرز من تناول واقعنا السياسي والاجتماعي في منتصف القرن الماضي، لما يمتلكه من حس متقدم في الفن الروائي الذي اجاد فيه، وكتب افضل الروايات ومنها النخلة والجيران والقربان وآلام السيد معروف، والمرتجى والمؤجل وخمسة اصوات، وكذلك مجاميعه القصصية
د.جلال الماشطة
وبدأ الحديث عن غائب طعمة فرمان وادبه وذكرياته عنه، كونه من اصدقائه والمطلعين على ادبه في المنفى وداخل الوطن د/ جلال الماشطة اذ قال: ان غائب طعمة فرمان كان مواطناً صالحاً ليس بمعنى الانسان في الشرائع والقوانين، مواطناً صالحاً بمعنى الفهم الصحيح للمواطنة، والمواطنة الصحيحة ليست مجرد تعلق بالارض، المواطنة بمكوناتها هي حب للانسان وغائب كان يحب الانسان واذا ما تتذكرون انه كتب عن الانسان الصغير المضطهد دائماً، الانسان الصغير الذي يعاني يومياً ليس من مسألة الجوع وانما من المهانة قبل الجوع. كان غائب يريد الانسان العراقي ان يعبر هوة المهانة الى ذرى العراقة والعزة وكان هذا هاجساً دائماً وثابتاً في حياة غائب وكتاباته انا لا اريد ان استبق ما سيقوله الاساتذة الزملاء، ولن ادخل في عملية نقد ادبي، لأن هذا ليس من اختصاصي. انا سأحاول ان اتحدث عن غائب الصديق. غادر غائب في اوائل الاربعينيات الى القاهرة لغرض الدراسة، وكان يحصل على خمسة جنيهات شهرياً من والده الذي كان سائقاً يعمل على طريق الكوت/ بغداد وبهذه الخمسة جنيهات كان عليه ليس ان يأكل فقط، وانما يلتهم الثقافة ويشتري الكتب وفي تلك الاونة استطاع ان يعقد صداقة مع نجيب محفوظ ومحمود امين العالم ولا ادري هل ان الزملاء النقاد يعرفون ان هنالك كتاباً مشتركاً اصدره غائب مع محمود امين العالم؟، هذا الكتاب يكاد يكون مجهولاً وانا لم اعثر على هذا الكتاب ولا يملك غائب نسخة منه في مكتبته واتمنى على الباحثين الحصول على هذا الكتاب.
في تلك الغربة الاولى امتدت علاقة غائب بكامل الجادرجي ، وعمل مراسلاً للاهالي، ثم بعد عودته عمل كمحرر دائم في جريدة الاهالي واذا ما تذكرون في بداية الخمسينيات كان هنالك فيضان بغداد الشهير ولأول مرة حلقت في سماء بغداد هليكوبترات للاسف الان تحلق كثيراً لول مرة يرتقي صحفي طائرة هليكوبتر وكان يتحدث حينما ارتعدت فرائصه كثيراً وهو يهتز لأن ساقيه كانتا متدليتين من الطائرة وهو يحوم في سماء بغداد ليكتب ريبورتاجاً عن النهر وهذه الصورة موجودة في رواياته ومن دون ان اتجاوز دور الزملاء النقاد، اصدر غائب مجموعات قصصية منها حصاد الرحى والعصيدة والشمس ومولود آخر وباعتقادي كان كل منها تحمل (اسكيتجات) لأعماله الروائية.
وبعد تخرجه لم يستطع ان يجد عملاً، لأن الحكومة انذاك كانت مناكدة له، فغادر الى الخارج، وحينما اسقطت عنه الجنسية كتب كتاباً بعنوان "الحكم الاسود في العراق" وهو الكتاب السياسي الوحيد ولم يكتب في السياسة لاحقاً وغالباً ما كنت اقول له وهو يردد: لو رأيت العراق وهو يدخل في ظلامات بهيمة لما سميت ذلك الحكم بالاسود في العراق ولا يمكن ان تقارن هذا السود بذاك.
وبعد ان اجريت له عملية جراحية في الصين، واستوطن هناك لفترة قصيرة وعمل في دار نشر اجنبية عاد الى بغداد لفترة قصيرة واعتقد ان بداية المشهد، في رواية المخاض، حين عودة كريم، اعترضت على الاخوان في البروفة، صحيح ان كريم حينما عاد ولم يجد بيته لان شارع الجمهورية كان يراد له ان يزال ولكن حينما لم يجد بيته، هذا لا يعني ان جذوره انقطعت ظلت جذور كريم متأصلة، وهكذا كان غائب في رواياته يدس افكاراً كهذه في خمسة اصوات هنالك صوت سادس، صوت صديقهم في السجن وللأسف اهمل النقد هذا الصوت السادس، ولم ينتبه اليه، وهذا الصوت كان حاضراً عبر الرسائل واستذكاره بعد ذلك غادر غائب الى موسكو واستقر هناك مترجماً في دار التقدم التي سميت فيها بعد بدار رادوغا كان يترجم في البداية اللغة الانكليزية وبعد تعلمه اللغة الروسية بدأ بالترجمة بها ونقل اعمالاً كثيرة من الآداب الروسية والسوفيتية لاحقاً، اذ ترجم تورجنييف، والكسي تولستوي وبعض من اعمال دوستويفسيكي وكانت من عادات غائب الاستيقاظ المبكر اذ كان يستيقظ من نومه الساعة السادسة صباحاً وهو (سميع) للراديو من الدرجة الاولى ومتتبع اخبار وغائب كان صديق روحي، وكنا متلازمين، ونسكن في عمارة واحدة وحينما تدخل الى عرفة غائب، على اليمين هنالك ربابة ودلال وصورة فتى فلسطين يقذف الحجارة، وثلاث مكتبات عربية وانكليزية وروسية وملحق ماكتب عنه وما كتب ولابد لنا هنا من الاشارة الى موقف السيدة زوجته إنا بتروفنا، انها احتفظت بالغرفة كما هي لحد الان، رغم ان السكن هنالك غالٍ، قلمه ما زال على الطاولة، اوراقه منثورة على الطاولة، كتبه ما زالت محفوظة فسألتها: يا أم سمير، من الممكن الاستفادة من المكان والى متى يبقى هكذا لان الرجل رحل؟ اجابت: اتمنى ان يقام متحف لغائب في العراق عند ذاك تنقل هذه الغرفة الى هناك بما فيها وهي من حقها لانها تفكر على الطريقة السوفيتية في اقامة المتاحف للأدباء والفنانين وللاسف الشديد الادباء والفنانون عندنا في العراق، بحاجة الى لقمة عيش وليس الى متحف وهذه واحدة من مآسينا الكبرى وفي عودة لغائب كان يقرأ ويكتب ساعة ونصف على دفتر ابو المئة وكان لديه دفتر آخر يسجل فيه العبارات التي اعجبته من قراءاته يتناول الفطور ثم يتفرغ لمدة ساعتين للترجمة من اجل العيش، ثم يتفرغ لأمور اخرى.
وبإعتقادي ان رواية آلام السيد معروف هي من رواياته المهمة واعدها ادباً عالمياً وفيها من الذخيرة القرانية الهائلة ويستذكر التراث فيها.
سامي عبد الحميد
ثم تحدث الفنان سامي عبد الحميد عن تجربته مع اعمال غائب طعمة فرمان الروائية، وكيفية نقلها الى المسرح والسينما فقال:
قبل ان يقدم لنا نحن فرقة المسرح الحديث فناننا (قاسم محمد) وبعد عودته من دراسته الفن المسرحي في موسكو نسخة من اعداده للرواية الشهيرة (النخلة والجيران) وبعد ان التقى بالروائي الكبير غائب طعمة فرمان واستحصل موافقته على الاعداد، كنا قد قرأنا النص الروائي واعجبنا به أيما اعجاب ولكن احداً منا لم يفكر بإمكانية تقديم عمل مسرحي مقتبس عن هذه الرواية او عن غيرها. لقد ادهشتنا احداث الرواية واجواؤها واصالة صورها الشعبية وتلاوين شخوصها ونحس ونحن نقرأ كأننا نعيش معهم في أزقتها وحواريها ومنها درابين المربعة حيث عاش الكاتب الرائع وكأننا نتجول في اسواق الصدرية وحانات منطقة حافظ القاضي او شارع النهر وما ان اطلعنا نحن اعضاء الهيئة الادارية للفرقة على النص المعد حتى سارعنا للبدء بالتحضيرات لانتاجه ووضعه على خشبة المسرح واستدعينا المعد قاسم محمد بحماسة لكي يشرح لنا رؤاه وخططه الاجرائية وكنا نستمع لشروحاته بشغف وكنا نتلهف لمعرفة من سيمثل هذه الشخصية او تلك وكان يقول بان الجميع سيشاركون وان الجميع سيقتنعون بتوزيعي الأدوار كانت حماستنا للعمل على المسرحية نابعة من شعورنا باننا سنحقق طموحنا بتقديم عمل مسرحي عراقي اصيل وجذاب يلقى استجابة قوية من جميع فئات المتفرجين لم نتردد ابداً في المباشرة بالعمل رغم اعتقادنا بان الانتاج سيكلف مبالغ باهظة بسبب عديد مناظرها وشخوصها ورغم كون الفرقة تعيش ضائقة مالية و(بمدة قياسية استكملنا التمارين وقدمنا العرض في البناية القديمة كما كان يسمى (المسرح القومي) وهي من مخلفات المعرض السوفيتي الذي اقيم في كرادة مريم اواخر الستينيات من القرن الماضي. ومن غريب الصدف ان يكون موعد تقديم العمل هو تشرين الثاني من عام 1969 وموعد تقديم العرض الاحتفالي الاستذكاري للروائي الرائع (غائب طعمة فرمان) هذه الايام.
وشارك في تمثيل ادوار المسرحية جميع اعضاء فرقة المسرح الحديث تقريباً وكان (يوسف العاني) على رأس القائمة وتلاه كل من خليل شوقي وزينب وناهدة الرماح وزكية خليفة وسليمة خضير وعبد الجبار عباس ومقداد عبد الرضا وفاضل خليل ويوسف سلمان وفاروق فياض وكنت انا سامي عبد الحميد امثل دور (المزارع) الذي يزور السمسارة (نشميه) بالتبادل.
وكان الديكور الذي صممه الفنان الراحل (كاظم حيدر) احد المبتكرات المسرحية في ذلك الوقت حيث وضع منصتين متحركتين دائرياً على خشبة المسرح ووضع عليها عدداً من قطع الديكور التي تمثل الاماكن التي تحدث فيها احداث المسرحية.
تقمص جميع الممثلين ادوارهم على احسن وجه وظهروا وكأنهم لا يمثلون بل يعيشون الشخصيات التي كلفوا بتمثيلها. لقد كانوا صادقين في ادائهم الى الحد الذي لم يفشل احد منهم في اقناع المتفرجين بما ينطق به من كلمات او ما يفعل من حركات وايماءات يمكن لأي مشاهد ان يلاحظ اقبالها في الشارع البغدادي. لقد استطاع الجميع ان ينقلوا البيئة التي عاشوا فيها الى المتفرجين بحيث مثلاً يشمون روائح (طولة) حمادي و(تنور) سليمة الخبازة او اية (مايخانة) مكتظة بالرواد من مختلف الفئات.
لقد حققت الفرقة نجاحاً منقطع النظير نفسياً وجماهيرياً بحث دام عرض المسرحية أكثر من شهر علماً بأن العروض المسرحية وقف تقديمها إذ تقرر ان لا تدوم اكثر من اسبوع واحد.
دفعني نجاح (النخلة والجيران) للإقدام على إعداد رواية (القربان) مسرحياً وتم لي ذلك بمساعدة الناقد والاديب المعروف (ياسين النصير) ولم يتسن لي المساهمة في انتاجها لا اخراجاً ولا تمثيلاً حيث صادف عندما قررت فرقة المسرح الفني الحديث تقديمها ان غادرت العراق لدراسة الفن المسرحي في اميركا فعهد باخراج المسرحية الى الراحل (فاروق فياض) وساهم (كاظم حيدر) مرة اخرى في تصميم الديكور. ومرة اخرى شارك جميع اعضاء الفرقة بتمثيل ادوار المسرحية. وهذه المرة قدمنا العمل في مسرح بغداد وذلك في كانون الاول من عام 1975.
ويذكر ان هذا المسرح قد اصبح مقراً دائمياً للفرقة وشهد اعمالاً مسرحية جبارة قدمتها الفرقة منذ عام 1969 حتى نهاية القرن العشرين.
ونذكر من تلك الاعمال (تموز يقرع الناقوس) و(الخبط) لعادل كاظم و(الشريعة) و(الخان) ليوسف العاني و(هاملت عربياً) و(بيت برناردا البا) و(الرهن) و(رحلة في الصحون الطائرة) و(خيط البرسيم) و(الكفالة) و(بغداد الازل بين الجد والهزل).
وكانت علاقتي الثالثة بكتابات غائب طعمة فرمان تمثيلي دوراً رئيساً في فيلم (المنعطف) الذي اعده واخرجه الراحل (جعفر علي) عن رواية (خمسة اصوات) وكان معي من الممثلين (يوسف العاني) و(طعمة التميمي) وتم انتاجه اواخر السبعينيات واتذكر ان المخرج قد انجز العمل في وقت قصير جداً وبأبسط الوسائل وبأجهزة بائسة بدائية ومع ذلك فقد ظهر الفيلم بمستوى لائق وقد لعب مدير التصوير الراحل (نهاد علي) دوراً مهماً في الوصول الى ذلك المستوى ولكن للاستعجال في انجاز الفيلم ولضعف التقنيات ولحذف المخرج عدداً من شخوص الرواية- بدلاً من خمسة اصوات استخدم ثلاثة اثر في عدم الحصول على النجاح المطلوب.
وجاءت علاقتي الاخيرة بغائب عندما قمت باعداد روايته (آلام السيد معروف) مسلسلاً اذاعياً اذيع من اذاعة بغداد اواخر الثمانينيات وكان من الاعمال الاذاعية الناجحة والمثيرة وكنت انوي تطوير ذلك المسلسل وتحويله الى مسلسل درامي تلفزيوني وقد وجدت في تلك الرواية وفي باقي روايات غائب طعمة فرمان مادة دسمة للعمل التلفزيوني سواء في عميق احداثها و في واقعية شخوصها ام في سلاسة حواراتها وفي اصالة اجوائها وعراقية بيئاتها ومثيرات افعالها اضافة الى ان كلاً منها تصور مرحلة معينة من تاريخ العراق وحياة العراقيين.
لقد صور غائب معاناة ومكابدات الموظف الصغير احسن واصدق تصوير كما انه عكس الممارسات القمعية للسلطات الحاكمة ضد الفئات السياسية المعارضة التي كانت ترفض الظلم والاستعباد والتخلف وتنشد التغيير والحياة الافضل.
ومن الجدير بالذكر ان الفرقة المسماة (فرقة ابراهيم جلال) كانت قد قدمت مسرحية معدة عن رواية (خمسة اصوات) التي قام بإعدادها (عبد الوهاب عبد الرحمن) وأخراجها محمود عبد العباس الذي مثل ايضاً احد الادوار الرئيسة مع الممثل المعروف (عبد الخالق المختار) وعرضت بنجاح في باحة بيت منتدى المسرح.
د. علي ابراهيم
بعد ذلك تناول الناقد د/ علي ابراهيم الزمان والمكان في روايات غائب طعمة فرمان اذ قال:
في تطبيقاتنا التالية، واختياراتنا لنماذج منتخبة من روايات غائب طعمة فرمان حول الزمن الروائي سوف نتخذ مسارين، في دراستنا هذه المسار الاول: معرفة الزمن العام للاحداث من خلال بعض النصوص او تحليل الاشارات والقرائن الواردة، التي ستمكننا من معرفة الحقبة الزمنية التي جرت فيها احداث الرواية. والمسار الثاني: دراسة البنية الزمنية في روايات غائب طعمة فرمان أي الدخول في تفصيلات الزمن المتعلقة بحركتي الزمن المتمثلتين بموقع السرد او بوتيرة سرعة الاحداث او ابطائها وفق الدراسة النظرية المفصلة في الفصل الاول من القسم الثاني من هذا الكتاب.
اولاً- الزمن العام:
تدور احداث رواية (النخلة والجيران) في زمن الحرب العالمية الثانية واثناء وجود الاستعمار البريطاني في العراق، حيث استغرق زمن الرواية المدة المحصورة قبل رحيل الانكليز باشهر من آب الى بداية الشتاء وبدايات الشتاء العراقي الذي عادة ما يحل في بداية كانون الاول وهناك اشارات واضحة في الرواية استندنا عليها الحوارات التي دارت بين ابطالها حول بشاعة الحرب ووجود الجنود البريطانيين في بغداد، الوضع الاقتصادي الصعب بسبب الحرب فيما يمكن تحديد الزمن العام في رواية (خمسة اصوات) من خلال بعض الاحداث السياسية والظواهر الطبيعية التي اشارت اليها الرواية فالقصة جرت ايام سقوط حكومة (الجمالي)، وايام فيضان دجلة عام 1954 زمن الانتخابات ولم يشهد تاريخ العراق الحديث انتخابات قبل ثورة 14 تموز الا في الخمسينيات، ومن خلال الحوار يرد اسم (جبهة الاتحاد الوطني) وهذه تشكلت عام 1957 وحلت خلال فترة قصيرة كل هذه الدلائل تشير الى ان زمن القصة هو الخمسينيات من القرن العشرين.
ان الزمن العام لرواية (ظلال على النافذة) غامض ايضاً، ولكننا استطعنا تحديده من خلال بعض المؤشرات والقرائن منها: ان هذه الرواية كتبت صيف عام 1978، إلا ان احداثها جرت في بداية السبعينيات بدلالة ان عائلة عبد الواحد تسكن في حي الوشاش وهذا الحي بدأ فيه البناء الجديد في نهاية الخمسينيات وعبد الواحد اشترى قطعة الارض في هذا الحي وتركها عشر سنوات قبل الشروع في بنائها بيتاً، واستغرق البناء سنتين وان هذه العائلة عاشت في بيتها الجديد ثلاث سنوات نستنتيج ذلك من خلال التداعيات والاستراجعات، اثناء تفكير عبد الواحد بحسيبة، فهو يظن ان (حسيبة) حنت لبيتها القديم كما يحن هو احياناً "رغم انه يقضي سحابة نهاره في حي لا يختلف شخطة واحدة عن حيه السابق فكيف هي التي لم تخرج مرة واحدة خلال ثلاثة اعوام" والدليل الاخر هو ان (ماجداً) الذي عاد من الخارج بعد ان انهى دراسته بقي عاطلاً ويبحث عن العمل دون جدوى، يعني ان احداث الرواية حدثت قبل عام 1974، ذلك ان الحكومة في ذلك الوقت اصدرت قراراً خاصاُ بتعيين كل الخريجين العاطلين عن العمل.
انهى غائب طعمة فرمان كتابة رواية (آلام السيد معروف) في حزيران 1980، وكعادة غائب في كل رواياته يكون زمن الكتابة ليس الحاضر بل يتناول احداثاً وقعت في زمن بعيد نسبياً ان هذه الرواية لم تترك اية اشارة زمنية، ربما لانها اعتمدت موضوعاً نفسياً (سيكولوجيا) تعمد الكاتب ان يتركها دون زمن محدد، حتى وان كان بشكل غير مباشر، فهو موضوع يصلح لأكثر من حقبة في مجتمع يعاني من امراض اجتماعية، واقتصادية كثيرة، ومن ادارة بيروقراطية في مؤسسات الدولة.
باقر جاسم محمد
اما الناقد باقر جاسم محمد، الذي بدأ حديثه بالشكر للمدى على هذه الالتفاتة والاحتفاء بغائب قال عن الروائي المحتفى به: كان غائب طعمة فرمان مثقفاً عضوياً متفاعلاً مع المثقفين ومشكلات مجتمعه وقبل ان يغادر الى القاهرة تحدث عن مكوناته الفكرية والثقافية ولخصها باربعة مكونات اساسية، ابن خلدون ثم حاول الشعر ففشل فيه، وعزمه الذهاب الى القاهرة لاكمال دراسته، واصدر في القاهرة كتاباً مع محمود امين العالم (القصص الواقعي في الادب العربي).
وسافر الى الصين وعاد الى الاتحاد السوفيتي وثأئر كثيراً بالادب الروسي والسوفيتي وظهر ذلك واضحاً في روايته الاولى التي حاول ان ينقل فيها الواقع العراقي، وتحدث فيها بلغة الشخصيات وهنا احاول ان اميز بين لغة الكاتب ولغة الشخصيات اذ يظهر الحوار عند غائب في رواياته لغة شعبية فيما يتواصل السرد لديه باللغة الفصيحة ومرات يتم التزاوج ما بين اللغتين.
علي الفوار
وتحدث ايضاً الناقد والشاعر علي حسن الفواز عن الشخصيات في روايات غائب اذ قال: الشخصيات المدونة في روايات غائبة، هي شخصيات منتمية الى الوطن واخذ صفة المواطنة الحقيقية وبرأيي فأن هذا المحور كان يحتاج الى ندوة خاصة للتركيز عليه ولا سيما ونحن نعيش الآن ازمة مواطنة واهتم غائب بصناعة الشخصية وجعلها منتمية وان جاءت تحت مسميات متعددة مثلما اهتم بصناعة المكان ربما اهتم عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي بالجوانب الفنية الموجودة في كتابة الرواية الواقعية الجديدة التي تجاوزت الواقعية النقدية التي تسمى بالتداعي الحر غائب اهتم بهذا الجانب، لكنه ركز على صناعة الشخصية والمكان.
الناقد جاسم عاصي
اما الناقد والقاص جاسم عاصي فقد تحدث هو الاخر عن الزمان والمكان في روايات غائب فقال: ان الزمان والمكان وحدتين متلازمين في العمل الروائي فان الزمان اذا ما كان يؤرخ للوقت، فان المكان هو التاريخ الاخر للبيئة ولا يختلف مطلقاً عن الزمان لانهما يؤديان واجباً واحداً ويعتقد الباحثون ان الرواية بدون مكان لا تعني شيئاً وان الشخصية بدون مكان لا تعني شيئاً ايضاً اذاً المكان له علاقة بالشخصية وبالوعي في روايات غائب عالم زاخر بكل شيء لانها تتحدث عن امكنة وازمان مختلفة في تاريخ العراق وفي تاريخ بغداد حصراً شخصيات غائب لم يكن المكان يحركها أي انها تنمو داخل المكان وهي تتطور بتطور الحدث الروائي المكان يضيف للشخصية والشخصية تضيف للمكان واعتقد بان غائب في كل هذا يؤرخ للمنطقة البغدادية واعتقد بان غائب ذاكرة مهمة في العقل العراقي.
الروائي احمد خلف
وكان للقاص والروائي احمد خلف رأي في ادب غائب طعمة فرمان وفي سيرته اذ قال: يربط غائب طعمة فرمان تجربته الادبية بمجمل تاريخ ما اسماه بمحاولاتي في الكتابة ويربط هذه المحاولات بمفهوم الحرية ونعتقد ان غائب عبر تاريخه الادبي والاجتماعي بل والسياسي، ظل هاجس الحرية ديدنه باستمرار ولا يخفى انه التزم خط الحرية والعدالة فيما كتبه وتتجسد تجربته الذاتية في معظم رواياته ولعل رواية (خمسة اصوات) تبرز هذا الهاجس العميق في بحث شخصياته الخمس عن الحرية والعدالة والخير والجمال وان برزت التجريبية الروائية في خمسة اصوات الا اننا لا يمكن ان ننسى شخصية سعيد احمد التي تمثل شخصية الروائي او شخصية كريم داوود في المخاض.
دعونا نسأل لماذا لم يشتهر غائب طعمة فرمان على مستوى الوطن العربي شأن عبد الرحمن منيف والطيب صالح وغيرهما؟ علماً انه عاش حياته المتجانسة لحياتهما اعني تجربة الغربة والاغتراب.. اين يكمن الخلل او الخطأ، هل في نمط الرؤية التي يكتبها غائب ام ان وجوده في بلاد بعيدة عن الوطن العربي جعلته مغيباً بالصدفة ام ترى ان جهاز الدعاية والترويج في العراق يعتبر متخلفاً عن تقديم غائب الى المشهد العربي بقوة.
غائب طعمة فرمان من المعنيين بتجسيد الجانب الاجتماعي في ابداعه لذا، كان استخدامه للعامية في الحوار تعبيراً واضحاً عن مفهومه للادب وللالتزام الادبي وقد نختلف معه بهذا الشأن اذ نرى ان نجيب محفوظ قد استخدم الفصحى المبسطة واوجه الشبه بين غائب ومحفوظ كثيرة ولو لجأ غائب الى اللغة الوسط لاصبح من الممكن ان يقترب كثير من القارئ العربي في اقطار عديدة لا تعرف من اللهجة العراقية ما يعينها على وضوح المعنى.
ليس عيباً الاعتقاد ان (النخلة والجيران) هي قمة في السرد الروائي لدى غائب وانه كان استاذاً تجريبياً في خمسة اصوات الصادرة عام 1967 الا ان ما كتبه من روايات لاحقة هي تأكيد للقيم الفنية والاجتماعية في (النخلة والجيران) وخمسة اصوات أي تنويعاً على اساليب وابتكارات اخرى.
المكان في ادب غائب يحمل صفة التناقض، فهو اما مكانا&#