مراثي الكتب في
شارع المتنبي
جلال حسن
احتشد شعراء بغداد
امام بقايا مقهى الشابندر في شارع
المتنبي يوم الخمس الماضي وسط ركام الخراب
الممزوج بالاجساد المتفحمة ورائحة
الكتب المشتعلة في مكان الانفجار احتجاجاً على
الجريمة النكراء وكتعبير عن تضامن
حياة الثقافة العراقية.
وابتدأت القراءات بعرض
مسرحي تلقائي قدمه الفنان المسرحي
جبار محيبس عندما اعتلى سطح مبنى عمارة الميالي
المحترقة بجانب مطبعة ابن العربي
مرتدياً صندوقاً خشبياً كدلالة على تابوت بلا جسد
قائلاً: يا رب احفظ هذا الوطن
لاننا جميعاً في محنة يا رب ما ذنب الارواح البريئة
تئن تحت الانقاض يا عراق سنكتب
قصائدنا وسط الموت والترويع.
وكانت سيارة
مفخخة نوع كيا تحمل اكثر من طن
متفجرات يقودها انتحاري انفجرت يوم الاثنين الماضي
وسط شارع المتنبي وقالت مصادر
الشرطة ان الانفجار اوقع 30 شهيداً وجرح 70 اخرين
بجروح خطيرة.
واعتلى الشاعر عبد الزهرة زكي حطام
احدى السيارات المحترقة لالقاء
قصيدته المنشورة في هذه الصفحة.
وقال عبد الواحد شبل رسام تشكيلي
يبيع الكتب
على رصيف شارع المتنبي منذ 16 عاماً:
تعتبر المكتبة العصرية اقدم مكتبة في الشارع
وتأسست عام 1908 وتضم نفائس الكتب
الثمينة ولا تقدر بثمن، كذلك مكتبة النهضة وهي
اكبر المكتبات احترقت بالكامل
وتحتوي على الاف الكتب التاريخية والادبية والسياسية
والعلمية، وان الانفجار احدث حفرة
وسط الشارع وان ما يقارب 55 محلاً تضررت و30 دمر
بالكامل اضافة الى تدمير عدد كبير
من المطابع الميكانيكية واطنان من الورق
والبوسترات والقرطاسية والاجهزة
المكتبية تقدر بعشرات الاطنان وتدمير الاف الكتب
الفنية والمخطوطات واللوحات
الزيتية.
واضاف: وتحتوي مكتبة عدنان والرباط
والتربية والقانونية على موسوعات
وكتب تاريخية ودينية ومصاحف نادرة ومهمة جداً وغير
موجودة الا في بغداد وهذه الكتب
مصادر بحث علمية للكثير من طلبة الدراسات
العليا.
والقى الشاعر كريم شغيدل قصيدة
بعنوان (الحافية) قائلاً: ايامنا
الحافية، يا طاسة الوهم، يا ايامنا
الحافية، يا لايامنا التي لاوهامها تقاويم
الرماد، ولاعيادها ستر خريفية
ذبلت، وتساقطت خلف جور البلاد يا ايامنا التي فجعها
المخاض في قفص النار، يا ايامنا
التي امطارها رنة على معادن الموت، ولكل رنه صدى في
اسمائنا وعلى اكتافنا تجرحت
النهارات، حتى ان الجنائز نزفتنا في الطريق الى
المقابر.
بينما قام الشاعر سلمان داود محمد
بايقاد الشموع لارواح الشهداء واحرق
قميصه احتجاجاً على المأساة التي
احرقت اجمل الامكنة في بغداد وقال توفيق التميمي
ذات مرة كتبنا على رصيفه المشاكس
معاول لتهديم كابوس السلطة القمعية ولم نتخاذل
بعسسه الذي كانوا يملأون به
الشوارع، وتعكر عرائسه وكرنفالاته، واضاف: ان شارع
المتنبي سيبقى كما انتج من قبل
ماركته في ثقافة الاستنساخ ينتج الان ثقافة
الديمقراطية.
وقرأ الشاعر يوسف المحمداوي قصيدة
قال فيها انا نقطة التصويب في
وطن مآذنه مدافع انا من انا تابوت
منكسر يشيعه التفاني بالخلود انا ابرة عمياء في
وطن شوارعه ورود.
وقال جعفر الشمري بائع كتب قديم
ماذا فعل المجرمون بكتب
الجواهري والرصافي وعلي الوردي
وجواد علي والعزاوي وعلي الشوك والمسعودي وشكسبير
ونوال السعداوي وجبران خليل جبران
والجاحظ والحلاج وعبود الشالجي وحسين مردان ومظفر
النواب والسياب وبرنادشو.
وقرأ الشعراء احمد عبد الحسين
واحمد عبد السادة وماجد
موجد قصائد اثرت بشكل واضح على
الحضور وراح بعضهم يبكي بصوت عال.
ومن جهته قال
الباحث جمعة عبد الله مطلك: ان
التفجير الذي حدث في شارع المتنبي لا يختلف في
طبيعته وجوهره عن التفجيرات التي
طالت مراكز الحياة الاقتصادية العامة في البلاد
وعلى عكس ما يتصور الادباء
والمثقفون والشعراء ان هناك استهدافاً للكلمة فهؤلاء
الرعاع الذين فجروا شارع المتنبي
لم يكونوا بحال معرفة تأثير الكلمة او عمق احساس
الكلمة واضاف: هؤلاء الرعاع لديهم
منظومة جهد سياسي يتعلق باحداث نوع من الفوضى
وتخريب التجارة والحياة العامة
موضحاً: ان شارع المتنبي ليس مادة لالتقاء الادباء
والمفكرين والمثقفين والمهمشين
والمطاردين فحسب انما الشارع جزء من انتاج النص يعني
فيه روح الشارع بجغرافيته التي
تحتوي النص وتعيد انتاجه وقال: عندما تبتاع كتاباً
من شارع المتنبي وتقرا فصلاً
وصحيفة او تحتسي قدحاً من الشاي في احد مقاهي الشارع
هو غير ما تفعل نفس الفعل في أي
منطقة اخرى في بغداد.. وهذا المعنى الذي اقصده في
جغرافيا المكان التي لها دور في
انتاج النص، وجعلت النصوص المتعلقة بالاغتراب
السياسي والادبي بين النخبة
والجماهير تجد لها متسعا من النقاش والقبول في شارع
المتنبي، واضاف: بهذا المعنى اصبح
لشارع المتنبي رئة ليبرالية حقيقية بالمعنى
الفكري والثقافي والاقتصادي فضلا
عن ثابت الحياة العراقية، واقصد ثابت الشعر والقصة
والرواية..الخ.
وخلص الى القول: في الحقيقة اصبت
بهول الصدمة فكان يفصل بيني
وبين الانفجار 8 دقائق بالتحديد
وعندما دخلت السوق وسط الحرائق اعجبتني رائحة
الدخان، حتى قميصي الذي تتعفر
بغبار الكتب بقيت رائحته حتى هذه اللحظة ولم اغسل
قميصي بعد، ربما انه التماهي مع
فكرة الموت او الفكرة الزراعية، وانا اتذكر باعة
الكتب ومنهم عبود السيد الباحث عن
لقمة حلال المخلص لدينه هو اخلد من الاهرامات وهو
هرم في ذاكرتنا وهرم في ضميرنا وهو
يشق مجرى لحياة جديدة.
وقرأ الشاعر زكي بيانا
باسم شعراء بغداد.
ويقع شارع المتنبي عند بداية شارع
الرشيد اقدم شوارع مدينة
بغداد وابرز معالمها التاريخية،
وعلى مقربة من شارع المتنبي سوق السراي الذي يزخر
بجميع انواع القرطاسية والمكتبات،
كذلك منطقة القشلة التي تمثل مقر الحكومة في
العهد الملكي وما زالت تحتفظ
بمعمارها وتعد ساعتها معلما تاريخيا لمدينة بغداد،
ويعتبر مقهى الشابندر ملتقى
الادباء والمثقفين والكتاب والفنانين والشخصيات
السياسية.
واطلق على الشارع تسمية المتنبي
عام 1932 في عهد الملك فيصل الاول
تيمنا بالشاعر ابي الطيب المتنبي
شاعر الحكمة والشجاعة.
المدى