بروتوكولات طه الشبيب الروائية
محمد الأنصاري
استضافت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الروائي العراقي طه حامد الشبيب الذي تحدث بصورة ملخصة عن تاريخ الرواية العراقية وقدم قراءة تحليلية وشهادة لتجربته الخاصة ونتاجه الروائي انطلاقاً من كتابات نقدية عراقية.
في تقديمه للروائي الشبيب أعاد الدكتور وليد عكو الجمهور إلى جذور ونشأة الرواية العراقية بكلمات لا تخلو من ملامسة الواقع بصوت التاريخ، فقال في بداية حديثه: لا يخفى ما للسرد العربي في العراق من جذور عميقة، أهمها الصرح الإبداعي الذي خرج من أزقة بغداد ليروي على ضفاف دجلة ألف ليلة وليلة، ذلك العمل الذي نشم منه عبق التاريخ وتشكلات الحياة وتجلي اللسان في أن يقول إلى ما لا نهاية حكايات وحكايات لا تنتهي.. إنها حكايات خرجت من هناك؛ من جانبي دجلة «الكرخ والرصافة»، لم تتناول الشخصية العراقية منفردة بل اجتمع فيها الإنسان العربي، بل الإنسانية جميعاً.
ثم تحدث وليد عكو عن الخطوات الأولى لتجربة الروائي طه الشبيب واصفاً تجربته الإبداعية بالروح المختلفة النقية التي لم تناصر غير الإنسان ولم يحزن إلا عليه ولن يفرح إلا له، وأضاف عكو: كتب الشبيب بدأب وتواصل فريدين، فسطّر أعمالاً حاول تجريب الأساليب السردية المجترحة منه، فتغاير مع الآخرين وكانت هموم المجتمع العراقي بؤرته المركزية، لذا فإن اشتغاله في التربة العراقية هي تفرده واستثنائيته، من روايته الأولى «إنه الجراد» وحتى عمله الروائي الأخير المطبوع في 2005م «حبال الغسيل» كتب بينهما 7 أعمال هي الأبجدية الأولى، مأتم، الضفيرة، خاصرة الرغيف، الحكاية السادسة.. وفي رواية «الضفيرة» حاز الروائي الشبيب على جائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2000م.
ثم تحدث الروائي العراقي طه حامد الشبيب بصورة ملخصة عن نشأة الرواية العراقية الحديثة، حيث اتفق مع طرح الدكتور الناقد علي جواد الطاهر الذي يحيل نشأة الرواية العراقية الحديثة إلى الكاتب محمود أحمد السيد في روايته الأولى «جلال خالد» في الربع الأول من القرن الماضي، وكيف أن السيد اعتمد على أسلوب المدرسة الواقعية الاشتراكية التي تأثر بها معظم كتاب الرواية في العراق والمنطقة العربية ـ وربما في العالم ـ في تلك الأيام.
ووصف الشبيب أعمال وروايات تلك المدرسة بأنه يبخس الشكل الروائي والقيم الفنية لصالح المضمون والفلسفة، وأضاف الشبيب: لقد تحولت الرواية عن الأسلوب السابق واشتد عودها ووقفت على قدميها حين تحولت إلى مدرسة «الواقعية الاجتماعية» على يد «موفق خضر» و«فؤاد التكرلي».
ثم قدم الروائي الشبيب شهادته عن تجربته الروائية الخاصة، موضحاً أن روايته الأولى «إنه الجراد» بأنها إعلان للقارئ والنخبة بأنه ملم وقادر على تطبيق حرفيات الكتابة واصفاً تلك الرواية بأنها «أكاديمية محضة».
وأضاف: لم أبدأ التجريب الحديث على الكتابة الروائية إلا بعد روايتي الثانية «الأبجدية الأولى» وبعدها رواية «مأتم» ولكني رغم ذلك لم استطع تحديد تنظيراتي وملامح تجربتي إلى أن كتب أحد النقاد عن هذه التجربة بمنهجية ورؤية نقدية عميقة، فعرفت أن ما أكتبه هو نص داخلي يلامس حلم «فلوبير».
وأضاف الشبيب في شهادته: يوماً حلم «فلوبير» بكتابة نص داخلي، كل ما فيه داخلي، والحكاية فيه لا تأتي من خارج النص وإنما النص يبنيها بجهده الذاتي، والرواية التي أكتبها تحاول أن تلامس ذلك الحلم الجميل، مستفيدة من مجمل المفاهيم والآليات التي اقترحها في بروتوكول عمل اقترحه خطاً لرواياتي.
ثم قام الشبيب بشرح «بروتوكوله» كما أسماه، من حيث اعتبار الرواية خطاً لمشروع يسبقه سؤال وجودي يولد قبل ظهور النص الإجرائي، مرتكزاً على هيكل لمشهد يتأمله الكاتب طويلاً فيؤسس عليه رؤيته وهو أول خطوات البناء الداخلي للنص.
وأضاف: نلاحظ إذن أن لا هيكل مسبقاً للحكاية وإنما هناك إطار غير مرئي يمسك به اللاوعي، يتشكل مع استمرار بناء المشاهد وفق مبدأ التأمل الجزئي، وسيكون ذلك الإطار اللامرئي ضابطاً لإيقاع الأحداث وإخراج الحكاية بهيئة الكل المتكامل. وتطرق الشبيب إلى أركان وشروط «النص الداخلي» فتحدث عن «الزمان» بوصفه غير معرف في هذا النوع من الكتابة الروائية، و«المكان» الذي يقع خارج دائرة التعريف أيضاً بوصفه غير قابل للتسمية قبل أن تطأه أقدام الإنسان.
وهذا يخالف بناء النص الداخلي، وأضاف: أحد الجوانب غير التقليدية للشخصية أو المكان أو الزمان هو باطنها المستتر، الباطن غير المألوف، الغور في أعماق بواطن عناصره واستظهارها ثم زجها في الفعل الدرامي بوصفها بدائل مقنعة للموجودات المألوفة.
يفضي إلى انطباع سيتشكل لدى الناقد بأن الرواية تندرج ضمن منجزات الأدب السحري، في الواقع هي كذلك ولكن ينبغي لنا أن نتوخى الدقة هنا، ذلك أن رواية «النص الداخلي» ليست رواية واقعية سحرية، بل إذا جازت لنا التسمية رواية سحرية واقعية.
ثم علل الشبيب سبب تمسكه وحرصه على كتابة روايته بأسلوب «النص الداخلي» فقال: إن هذا النوع من الرواية يمثل المعادل العلمي للنص الأدبي، لأنها تعنى بالبحث والتكوين دون التورط بالتقريرية والتوثيق التاريخي واليومياتي والاجتماعي والمدني، ولأنها تمنح كاتبها ميزة فردانية الأداء، فالإنجاز الأدبي قبل وبعد كل شيء، وتمنحني فرصة التحليق الحر في فضاءات بكر لا متناهية، وثالثاً لأن هذه الرواية هي حداثة دائمة الخضرة، ذلك أنها تبدأ بالجديد.. جديد التجربة الروحية لمبدعها.
**********
البيان