بحضور جمهور غفير من أبناء الجالية العربية

حفل تأبين الشاعرة الراحلة نازك الملائكة في أستراليا

 كوينزلاند: حاص بدفاتر

أقام التجمع الثقافي في ولاية (كوينزلاند) الأسترالية حفلا تأبينيا لرائدة الشعر العربي نازك الملائكة، التي غادرت الحياة في 21 من شهر آذار، بعد مرض طويل، في مستشفى القصر العيني بالقاهرة، حيث لم تجد جميع المناشدات التي بعث بها المثقفون العراقيون والعرب آذانا صاغية للحكومة العراقية لغرض معالجتها، بذلك تكون نازك الملائكة ورقة أخرى تسقط من شجرة الشعر العراقي والتي سبقها بذلك الجواهري، البياتي وبلند الحيدري وقافلة كبيرة من المبدعين العراقيين الذين غادروا الوطن قسرا أبان الحكم الديكتاتوري وانتهى بهم المطاف أن يدفنوا في مقابر الغربة.

رأى التجمع الثقافي في (كوينزلاند) ضرورة المشاركة بالمصاب الأليم، فأقيم حفل تأبيني بمشاركة العديد من المثقفين، والجاليات العربية، وفتحت النوافذ أمام بعض الأدباء في العالم من أجل المساهمة بكلماتهم التي قرأت بالنيابة.

 وجاء في كلمة الكاتبة والروائية دينا سليم :

سنعبر اليوم مساحات الأفق ليس كي نوقف الشمس عن مسارها، بل كي نستذكر انسانة وشاعرة لم تشكي هموم قلبها الا لقلبها، أعلم أنك تألمت يا نازك بصمت، فقد جئت ملاكا ورحلت مع الملائكة، انك ما تزالين معنا.... ولذلك سنخصص لك  يوم 12.6 من كل سنة ، نقرأ لذكراك، وسنفتح بابنا من الآن على مصراعيه لكل محبيكِ....

 وجاء في كلمة الشاعر العراقي (كوينزلاند) سعد حمزة:

 لأنها تحب الشمس غادرت وطن الظلام، وطن البؤس والقهر بمعطف خبّأت في جيوبه كل النهارات وظلّت فارسة تقاتل من أجل الكلمة الشريفة، منطلقة من مباديء وقيم حضارته العريقة، وظلّت طوال فترة وجودها خارج وطنها الأم أمينة على تراثها وعلى هويتها وأغنت المكتبة العربية بانجازاتها الخلاقة لأنها هي التي أحدثت ثورة في تاريخ الشعر العراقي والعربي، وظلّت علما من أعلام الأمة والعالم، وبرحيلها خسر العراق والعالم العربي واحدة من أهم المجددات في حركة الشعر العربي باسره ولنقف إجلالا واحتراما لنجمة من نجمة الابداع والذي سيظل نورها يشع في السماء أبدا منيرا الطريق الى الأجيال القادمة.

 واستلم التجمع مجموعة كبيرة من كلمات التأبين من مختلف البلدان العربية والأجنبية، وما بوسعنا إلا أن نذكر بعض هذه الكلمات، والتجمع بدوره يحيّي جميع الزملاء والزميلات الذين أرسلوا كلمات التأبين عبر البريد الألكتروني شاكرين لهم عمق مشاعرهم الطيبة وما يلي بعض هذه المساهمات، نبدؤها بالصديق الشاعر د. علي كنعان (سوريا – دبي):

 " منارة شعرية تزداد توهجا"

الحديث عن نازك الملائكة يطفر بأفكاري إلى أواخر الأربعينات من القرن الماضي، وأنا في تخوم الثانية عشرة من عمري. كانت مجلة "المعارف" اللبنانية  ترد من صيدا إلى قريتنا المشلوحة على حافة بادية الشام، وكان اسم نازك الملائكة يتردد في مجالس الأنس والسمر وعشاق الشعر إلى جانب الزهاوي وعمر أبو ريشة والرصافي وبدوي الجبل، فضلا عن شعراء التراث. ولعل قصيدتها "قبر ينفجر" هي التي استأثرت بإعجاب أولئك الشباب، وكانوا يرددونها حتى علقت معظم أبياتها الغنائية العذبة بذاكرة الصبا. وكنت وأصحابي نتسابق  أحيانا بترديد الرَّوِيِّ، أعني حرف القافية، وهو يتغير من الراء إلى الباء والدال والقاف والميم، خلافا للشعراء الآخرين المسكونين بقافية واحدة.                                                         

ذلك الشجن الوجداني والإيقاع الغنائي الساحر كان لهما تأثير خاص وعميق على ذلك الفتى الذي سأكونه، وإن سرقني شعراء آخرون مثل جبران والشابي وعلي محمود طه والسياب.                                                                     

رحل جثمان نازك وعاد الرماد إلى جسد أمنا الكبرى، لكن الشاعرة باقية في فضاء الإبداع منارة وردية حالمة، وستظل فياضة بوهجها وعذوبتها وصفائها، فنيا وجماليا وبلاغة على مدى الأجيال. ربما كنت أختلف مع بعض آرائها النقدية، لكني لا أملك إلا الانحناء لذكراها العطرة أسى ومحبة وإجلالا... وأنا لست إلا تلميذا صغيرا في مدرسة أولئك الرواد الكبار الراحلين: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، خليل حاوي... وصلاح عبد الصبور.                                                  

ربما سهوت أحيانا وقرأت في سري على روحها الفاتحة، لكنها ستبقى حاضرة في ذاكرتي كالياسمين الدمشقي ما بقي كل فن أصيل جميل، ولا يمكن أن تطويها ظلمة الغياب مثلما غشيتها سنوات العقوق والجحود والهجران. 

      اشترك معنا أيضا الصديق الكاتب الدكتور فاروق مواسي (الناصرة- فلسطين) بهذه الكلمة:

 نازك كاسمها كانت في الشعر كذلك ، رومانسية رائقة حزينة ، وليس أدل على ذلك من أسماء مجموعاتها  وإيحاءات العناوين : مأساة الحياة ، عاشقة الليل ، شظايا ورماد ، قرارة الموجة  ، بل إن أسماء قصائدها فيها ما يوحي بالعذاب والمعاناة ، وفيها ما يوحي كذلك بالحلم وصولاً إلى شجرة القمر.

 اخترنا لها قصيدة " ماذا يقول النهر " ودرسها طلاب الثانوية ، وقد حللتها مبينًا توزيعة القصيدة وكيف ختمت : بجوهر الشعر في سرية شفافيته  :

 ماذا يقول النهر ؟ 

لا تسألي

دعي غلاف السر كثًا عميق

لو كشّف الزنبق ألغازه

لم يبق معنى لشذاه الرقيق 

 وفي المنهاج الجديد الذي ستبدأ به مدارسنا اخترت ( نا ) لها قصيدة : غسلاً للعار ، وهي قصيدة تروي قصة القتل باسم الشرف ، والقاتل هو الأخ الذي يمسح مديته وهو يقول " غسلنا العار " ، ثم ما يلبث أن ينادي :

 يا رب الحانة أين الخمر وأين الكاس

ناد الغانية الكسلى عاطرة الأنفاس

أفدي عينيها بالقرآن وبالأقدار

 الشاعرة في القصيدة تنوح وتبكي القتيلة البريئة ، فتتضامن معها وتقول :

 يا جارات الحارة يا فتيات القريه

الخبز سنعجنه بدموع مآقينا

سنقص جدائلنا وسنسلخ أيدينا لتظل ثيابهم بيض اللون نقيه

لا بسمة لا فرحة لا لفتة فالمديه

ترقبنا في قبضة والدنا وأخينا

 وغدًا من يدري من أي قفار

ستوارينا غسلاً للعار  

 شخصيًا رافقت نازك عبر جميع كتبها الشعرية والنثرية وأحتفظ بها  في مكتبتي  ، وخاصة الطبعة الأولى من كتابها الهام (قضايا الشعر المعاصر)، وقد أهدته في حينه إلى الرئيس: جمال عبد الناصر  

 نازك أعلن عن موتها قبل سنين فأبنوها ، وبقيت حية ، وأظن اليوم ونحن نؤبنها  أنها ما زالت حية -

حية في كلماتها وروعتها وهدوئها ...

نعم يا هدوء ! ألم تسمَّ عائلتها بالملائكة ، فهل أبقى العراق اليوم أحدًا  في هدوئه وملائكيته ؟

 وكانت معنا الصديقة الشاعرة فرات أسبر (سوريا – نيوزيلاند):

نازك الملائكة رحلت بصمتها الحزين ، بصمتها الذي هو اعمق من الكلام، المرأة  الشاعرة  التي غابت طويلا عن المشهد الثقافي ، الذي تناساها طويلا وهي تحت المرض وما شابه من انواع النسيان الذي تُبتلى به المرأة العربية وعلى جميع المستويات.

لن أبالغ واتباهى بان معرفتي بك  بعيدة الجذور.والصدق يقال عرفت السياب قبلك ، وانشودة المطر التي رددناها طويلا  وكثيرا مع السياب تنذر بما هو حال العراق اليوم وكأن السياب كان الشاعر العراف .ولكنني تعرفت إليك بمفهوم آخر كيف تقفين ندا للرجل الشاعر .

 وها أنت اليوم، في يوم رثائك ،أقرا لك ما كتبته يداك عن مرثية إمرأة عراقية .وكأنك بحسك الانثوي تشعرين بنهايات النساء .

 مرثية إمراة 

ذهبتْ ولم يَشحَبْ لها خدٌّ ولم ترجُفْ شفاهُ
لم تَسْمع الأبوابُ قصةَ موتها تُرْوَى وتُرْوَى
لم تَرتَفِعْ أستار نافذةٍ تسيلُ أسًى وشجوَا
لتتابعَ التابوت بالتحديقِ حتى لا تراهُ
إلا بقيّةَ هيكلٍ في الدربِ تُرْعِشُه الذِّكَرْ
نبأ تعثـّر في الدروب فلم يجدْ مأوًى صداهُ
فأوَى إلى النسيانِ في بعضِ الحُفَرْ
يرثي كآبَته القَمَرْ. 

 شكرا لك يا نازك في حضورك وموتك ، واتمنى أن لا ياخذنا النسيان نحن النساء

ولنحيا معك بالشعر

 اتحفتنا الشاعرة الزميلة منال الشيخ (العراق) بكلمة وبرسالة وصلت  مبلله بالدموع والأسى:

آخر الملائكة رحلت متأخرة .. في زمنٍ لا يليق بها، نعم، لقد رحلت متأخرة، ما كان يجدر بها أن تنتظر حتى هذا الوقت .. ولأنها فهمتنا ولأننا لم نفهمها قط .. ولأنها تكهنت بالآتي . ولأنها لا تملك قرار الرب في رحيلها آثرت أن ترحل إلى أعمق من ذلك. أغلقت باب توهجهها وتركت نتفة من بريقها على المقبض تخترق الأبصار بين الحين والآخر كلما مر عليها خيال ذاكرة هوجاء. الكل كتب والكل تبنى حال المواساة والبعض ذهب إلى أبعد من ذلك، المتاجرة في السبق الإنساني لتبني مراعاة حالتها الصحية المتأخرة. نازك لم تكن بحاجة إلى رعاية أحد .. وهي بكل الطرق قالت وبصمتها المهذب ( أريد السلام لا غير ) وكان سلامها في صمتها وغيبوبتها التي اختارتها لتكون منفاها حتى ترحل إلى الأبد .

خبر وفاتها لم اقرأ عنه في الصحف لأننا صرنا شعبا بلا ثقافة ولا ورق .. ولم أتصفح النبأ في الانترنيت لأنني محكومة بانقطاع التيار المستمر .. فتحت عيني على صباح غريب لا يشبه الصباحات التي اعتدتها منذ سنين وعلى رنة هاتف يحمل رقما مجهولا أو بالأحرى هكذا ظهر عندي المتصل ( مخفي ) وإذا بها صوت زميلة إعلامية من إذاعة الجزائر تتصل بي لتسألني عن ردة فعلي لتلقي خبر وفاة الشاعرة نازك الملائكة .. ماذا أقول لها، هل أقول لها أنني الآن أتلقى الخبر منها وهل أتحجج بالكهرباء وانقطاعنا عن العالم الآخر بشكل قسري ! ولأن الموت صار رفيقنا في الأونة الأخيرة تلقيت الخبر بكل رباطة جأش ولكن العبرة خنقتني لأنني لم اعدّ العدّة لأطلق صوتي عبر إذاعة ربما هي غير مسموعة ولكنها تطلق على الأقل ما كنت أريد قوله في حق من ادّعوا الاهتمام بهذه الشاعرة التي لن اسميها ( الكبيرة ) فهي فوق كل التصنيفات والأحجام التي نشهد ولادة جديدة لها على الساحة الأدبية. نازك لم تكن بحاجة إلى ترويج من أحد للاهتمام بحالتها ولم تكن بحاجة إلى التفاتة الحكومة أو الوسط الأدبي لمجرد العمل على إبراز أسمائهم على حساب تاريخ مدجج بالإقدام والمثابرة اسمه ( نازك الملائكة ). هي اختارت وبملء إرادتها أن ترحل عن هذا العالم لأنها رفضت أن تكون جزءا من هذا الزمن المسخ الذي لا يليق بها وأدركت مبكرا ما آل إليه الأدب من تجاوزات في حق الإبداع والفن. قدمت مشروعها بكل إخلاص وعملت على تاريخها بكل احترام دون الإتكاء على أنوثتها في شيء وهي ليست بحاجة إلى شهادة مني أو من غيري لنقول في حقها ما يجب أن يقال. ولكنه الغيض الذي يحركنا لنتتطرق إلى أزمتنا الحالية. نحن من نستحق الرثاء، على الأقل الملائكة امتلكت الشجاعة على الصمت في لحظة أدركت أنها نفذّت ما كان عليها، وما كانت ستقدمه بعد ذلك ربما لم يكن ليشكل سوى مواصلة مسيرتها. فكم واحد منا يمتلك الشجاعة على الصمت وكم واحد منا سيعترف يوما انه لم يعد قادرا على العطاء لأنه لا يقدم شيئا .. كثرٌ نحن، ولكن زمن الإرادة القوية انتهى بآخر الملائكة.

 استلمنا مشاركة الزميل الشاعر حسين علوان- راديو سوا (العراق - واشنطن):

وداعا فاتنة الكلمات

وداعا
فاتنة الكلمات
وداعا
صوب الملائكة
صوب تخوم النور
حيث دوار الكلمات
وجذور الحكمة

ودروب الخالدين السالكة
مكثتِ طويلا في جسد مثقل بالعالم
مضى قبلك الكثيرون
بأرواح تاقت لانعتاقها
وبقيت انت
تدعمين وهن الكلمات
تكابرين الصمت
هناك بعيدا
حيث نسيناك
حيث ذويت في وحدة مريعة
تحركين ألم الحروف
الآن أنت تنسينا جميعا
نحن الذين نسيناك
تذهبين هناك
صوب الملائكة
تلحتفين نور الله
وتضعين عقدا من حروف ناصعة
سيبقى يلمع منذ أول النور
حتى آخر الضياء.
وداعا نازك

 وكان معنا الكاتب الزميل عبد السلام العطاري (رام الله- فلسطين) البلد المسكون بالمواجع: 

نازك الملائكة ... وعن الأحياء الباقين

" فُجأة تعود إلى نبض الحروف، وفُجأة تسارع الأقلام إلى لَجفِ الكلمات من قاع بئر مهجورة، كذلك تعود الـ(نازك) إلى مجرّتها الكونية الأدبية، عام ونصف العام والأثواب البيضاء وحدها من تقف قربها تعاينها عن قرب، وربما كانت الأسئلة بغير طريقة المثقفين والكتّاب، وكانت على غير شرعة قصائد النعي والندب والحسرات والتألم لرحيلها، كانت وأظنها كذلك مواساة للألم وليس للمرض، وقلة- إن وجدت- من كانت تذكر نازك الملائكة أو يعودها في مشفاها.

نازك التي تعلمانها طلاباً صغاراً قبل أن نُسجَّل تحت يافطات الأدباء والكتّاب والشعراء، نازك التي كانت درساً إلزامياً كي تتخطى بلاغتك القوة، وكي تضيف إلى معرفتك معرفة أخرى في عالم الأدب والبلاغة، لم نكن نحسبها عراقية أو شآمية أو مغاربية، كنا نحسبها عربية تعيش بين سطور الكلمات وتجدها مسافرة بين دفتي الكتب.. هذي نازك التي تعلمناها وحفظناها وعرفانها .

-        من قبل وَدعت الكاتبة المغربية مليكة مستظرف الحياة بعد معاناة مع المرض شهدها كل كاتب وكاتبة، ولم يسعفها أحد إلا بعد رحيلها بكلمات النعي والحزن والبكاء ليسجل لها قاعة باسمها، وغيرها وغيرهم كثر الذين لا نستذكرهم أحياء ونبكيهم أمواتاً ونذرف الدموع ونذرذر الحروف ونكتب.

-         لم أعرف نازك الملائكة شخصياً وهذا طبيعي جداً،  ولكن عرفتها كما عرفت نخب الكتّاب والشعراء في عالمنا العربي... نصاً وكتاباً وإبدعاً، ولا أظن حين يذكر اسمها أن هناك من يتساءل عنها، فهي محفوظة الاسم والإبداع، وحين سمعت خبر وفاتها وقرأت الكم الهائل المتدفق من البكائيات والمراثي كأن الرافدين اجتاحا العالم بما فيهما من ماء لننسى أن هناك بحاراً ومحيطات مائية لكثرة ذلك التدفق السيّال من الكلمات من أجلها.

-        كنت أظنها قد توفها الله منذ زمن طويل، وشاطرني الكثير من الكتاب ذلك الظن، واستغرب أين كانت كل تلك الأقلام التي فُجعت وصُعقت وندبت ورثت وقصصت أحزانها وتألمها ووجعها على رحيل نازك الملائكة التي  شكلّت أو كانت تشكّل حالة ما في الأدب المعاصر ومحدثة فيه؟!

-        وهناك- أيضاً-  من تشردنا مع قصائده بين الحدود ومزقت الأسيجة الشائكة أرجلنا وعلقت قطع من أثوابنا عليها، طريح فراش وسرير المرض والمعاناة أيضاً. من يسأل مظفر النواب عن غيابه؟! وهل تعودنا غياب الكبار المبدعين – ربما-؟! متى نسأل عن المبدع الذي نطرب لإبداعه إذا علمنا أنه غائب في حياته؟!

أخشى أن أقلامنا تنتظر الغائب لنستعجله الرحيل كي نكتب لنرفد نهر الكتابة السيّالة بكلمات الوداع والنعي.

أظن أنه بات علينا أن نستذكرهم أحياء كي نؤجل رحيلهم قليلاً، أو حين يرحلون، يرحلون بابتسامة وفرح...  بأنَّ هناك من يذكرهم... فيبتسمون عند شهقة الوداع.

وأظن أنه بات علينا أن نعيد ذكرى السيرة لمن نحسبهم أعلام إبداعنا الثقافي والفكري والأدبي، لعلنا نجد منهم حياً يُرزق فيبتسم، ونعيد له روحه الشابة التي أطفأها وأهلكها وأتعبها كي يكون لنا ما نتكئ عليه في إبداعنا... ولعلني أدق ناقوس التذكّر كي نجد من يَذكُرنا نحن كتّاب التدفق اليومي وأصحاب الجزالة والغزارة اللحظية كي نصحو من حالة التذكّر الموسمي لتكون حالة دائمة نكتب فيها عن الحي ليشهد ما يُكتب كي نَصْدُق بعد رحيله حين نكتب نص الرثاء.

 - ربما نصحو على خبر عمّا قليل يُنبئنا بموت مي زيادة... ربما!!!

 وكان معنا  الكاتب الزميل حبيب فارس (سيدني- أستراليا) :

مَجَرّتُنا البيضاءْ

 أيتها الملاك

الصّاعد شُهباً

إلى السّماءْ ،

لي عندك رجاءْ ،

ضمّي عنّي

بين جناحيك الدّافئينْ

ملاكي الصّغيرَ ،

قبّليها قبلتينْ ،

اهمسي في أذنها

أنك سفيرة الشّعراءْ  ،

ستحبّكِ كما أحبَبْتُها

ستحبّك كما أحَبّتني

ستحبّك كما أحْبَبْتُكِ ،

ستعرفُ أنّها مثلكِ

 لم تمتْ ،

حيثُ ستعلمُ أنّك

لا زلت تعيشينْ

في قلوب الأحياءْ

***

سقيتِ بمائكِ العذب

دجلة والفراتْ ،

ليرويا مقابرَ الرافدين

بالطغاةِ والغزاةْ .

ولمّا بكيتِ مصرَ

الفقراءْ ،

صنّعوا من دموعك

والآهاتْ ،

للكوليرا

الدّواءْ .

شكَرتْكِ أرضُ الكنانةِ

ولفّتْ بحبّها

نورَك الأزليّ

مُفنياً الفناءْ

***

هزمتِ هزائمَ

فحولة الشرق ،

بلا مدافع

بلا طائراتْ

بلا نفطٍ

بلا جنرالاتْ ،

بالحبر وحده

سجّلت الإنتصاراتْ .

فلا نساؤنا بعدك

عُدْنَ للغرب

ملح الدّعاياتْ ،

ولا قصائدنا

عادتْ أسيرةَ

القوالب والأبياتْ

***

نازكَ نورٌ

نزلت لتبعثي

فينا الحياةْ ،

وعروساً بيضاءً

صعدت تكحلين

بالأزْرَق

جفونَ سمائِنا

السوداءْ

***

نامي قريرة العين

مجرّتنا الجميلة

فنزولك كان إشارةَ

جلاء امبراطورياتْ ،

ولربّما أعاد صعودك

لمملكة الملائكةِ

الصّفاءْ ،

بعدما عكّرها

ظلامييو الشرق

 والغربْ

على حدّ سواءْ ،

مذ نطقوا باسمها

وباسم الأنبياءْ .

ربّما أوحيت

لدجلة والنيل

للأردنّ والفراتْ ،

من العلاءْ ،

ليطهّروا من جديدٍ

 بلاد الرّسل

من دنس أباطرة

الظُلم ، الظَلاميةِ

والظَلماءْ

 وشارك معنا أيضا الكاتب الزميل ميلود بنباقي ( المغرب ):

 الآن فقط تستحق اسمها.

 مر القطار...سريعا كما يمر البرق في كبد السماء الواجمة. كما يمر الليل في زحمة الأحلام والنجوم الوارفة.

سريعا مر, و الليل يسألكِ: من أنتِ؟

فيجيبه الفجر نيابة عنكِ: أنا سركَ القلق. العميق. العالق في حلق الوجود صنارة صبار و نار.

لم يعرفكِ الليل , لأنكِ قنعتِ كنهكِ بالسكون. و لم تعرفيه لأنه تجرد من أسمائه الحسنى, و تعرى من استعاراته القصوى, و مما يستدعيه المعنى لاكتمال المعنى.

مر القطار...سريعا كما يمر الإيقاع في زحمة القصائد و التفاعيل. في زحمة الأضداد و حمى الحنين للمعلقات و نقع المعارك.

سريعا سريعا, كما يمضي الماء محتشما إلى أشجار الدفلى المتوهجة عشقا و شوقا لبيت ينوس رغبة للقاء بداياته الأولى.

مر القطار, سريعا سريعا...كما تمر الريح لمجاهل الروح, سائلة:  من أنا؟

فتجيبها قافية ملقاة على قارعة الطريق: هي روحها الحيران/ أنكرها الزمان/ هي مثلك في لا مكان.

و يمر القطار, سريعا,صريعا,

و نبقى نمر و لا بقاء

فإذا بلغنا المنحنى

خلناه خاتمة الشقاء.

و إذا أخطأنا الطريق إلى المنحدر

خلناه سرابا ينذر بالبقاء.

يا شاعرة الحيرة, يا عاشقة الليل, مؤنسة الغرباء,

يا الوحيدة على شط الممات

أما زال في وادي الحياة بعض من حياة؟

هي أغنية

فلا تعجب من رحيلك

و لا تعجب من عويلك.

هي أغنية حب للكلمات

طرزتها خيطا خيطا, و نثرتها على القصائد و المواجع. فانفلت الشعرـ بحكمتهاـ من عقال القوافي القديمة, و راح يدندن بأغنية حزينة, متحررا من رق الناقة و سطوة الطلل.

آه, كم تيتم بعدك هذا الشعر, و كم أضحى غريبا رثاء من رحلوا !

و كم أضحى وحيدا خيط غسيل شدته أناملك لشجرة سرو قديمة, كان الرعاة يقيلون في فيئها مع قطعانهم و حكاياتهم الغريبة!

يا عاشقة الليل و واديه الأغن,

ها أنت وحدك على شط الممات

على شط النيل الأزرق. وحيدة كالسماء, كالملح في جوف الطعام, كالوحدة نفسها.

بعيدة عن عيون الفرات الزرقاء, عن أسماك دجلة. عن ضريح السياب , حيث تبرعم الجماجم في ذروة الحرب القذرة. حيث يزهر اللوز في عز الخريف, حيث تضوع روائح الأزهار البرية...حيث يرفرف عطر الصبا و تحن الذاكرة لمجدها القديم, لذاكرتها الأولى.

ساعة كسلى...

على جدران القاهرة

على حيطان الشوق

تدق بعنف على أبواب القلب المثخن بالأغاني. تحصي لحظات امرأة كانت بالأمس القريب, تلهو بأصنام الشعر العربي القديم. تفتتها حجرا حجرا, و تنثرها بيتا بيتا, لتعلي بأنقاضها صرحا يستظل بظله الشعراء.</