الذي هرب طفولته بقميص من شعر ...

نادي الشعر في البصرة يحتفي بالشاعر العراقي باسم فرات

 

لتجسير مسافة الاغتراب و المنفى بين الوطن و فضاءات الهجرة ولكسر تخندق الثقافة العراقية في عزلتين (داخل و خارج ) و التقريب بين الهم العراقي المشتت في المنافي المتوارثة ، وعلى الرغم من تجربته الفتية ، اطلق نادي الشعر في البصرة تجربة الاحتفاء بألادباء العراقيين في المنافي ، مفتتحاً باكورة الاحتفاءات بالشاعر العراقي باسم فرات وتسليط الضوء على تجربته الشعرية التي انطلقت من اوجاع وطنه الام لتعود اليه بوجع اخر في اكتشاف ذاته عبر اكتشاف ذات الوطن.وبمناسبة صدور كتاب نقدي مشترك في دمشق عن دار تكوين بعنوان ( مئذنة الشعر – دراسات وقراءات و اراء في شعر باسم فرات ) صدور مجموعته الشعرية الثالثة ( أنا ثانية ) عن منشورات بابل .لتليه أماسي احتفائية شهرية بشعراء اخرين.

 أمسية الاثنين 20 /8 /2007 وعلى قاعة اتحاد الادباء و الكتاب العراقيين في البصرة ، اقام نادي الشعر امسية احتفائية بفرات تحت عنوان ( الذي هرّب طفولته بقميص من شعر ...) ، احتشدت بقراءات نقدية و مضمونية لتجربتي الشاعر ( خريف المآذن و أنا ثانيةً ) ، ساهم فيها الناقد صفاء عبد العظيم خلف و الشاعر خضر حسن خلف و الروائي ضياء الجبيلي و القاص ناصر قوطي و الفنان المسرحي عامر الربيعي و الشاعر هيثم جبار ، اضافة الى شهادة شعرية خاصة بالامسية للشاعر المحتفى به. وادار الجلسة القاص نبيل جميل.

 تخللت الامسية الاحتفائية قراءة عدد من النصوص الشعرية من مجموعتيه خريف المآذن و أنا ثانية اضافة الى شهادة ابداعية لفرات جاء فيها :

 "هل هي مصادفة ان تكون امسية اتحاد ادباء بابل ، احتفاء بخريف المآذن ، في آب الماضي ، وها هي امسية نادي الشعر في البصرة تكون في آب الجاري ، بل اني أتذكر جيداً ، حين استلمت قبولي  من المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين ، كلاجئ ، وهذا يعني الانتظار لفترة لكي يتم توطيني في بلد ثالث ، كان هذا اليوم هو الثامن عشر من آب 1996، ثم حين جلست بعد ذلك مباشرة متذكراً ما مرّ بي من أحداث ، لأكتشف ان للرقم ثمانية ومضاعفاته دور كبير في حياتي ... "

  مشيرا بعد ذلك الى مكانة البصرة في اغناء الثقافة العراقية و العربية :

  " البصرة منذ تأسيسها بقيت منارة لايمكن التغاضي عن شعاعها الابداعي لقرون طويلة ، وهذ لم يحصل لأية مدينة اخرى ، بل اننا لو نظرنا الى كل المدن – الموانئ ، لهالنا ماعليه البصرة المغبونة ، نعم المغبونة ، لأنها أعطت اضعاف ما أعطته بقية المدن الواقعة على البحر ، وخصوصا ً الناطقة بالعربية ، ولكن مما يؤسف له ، ان أهلها بطيبتهم المعهودة ، التي حرمتهم من تلقي دروس الاستعراض والاعلان والنجومية ، فباستثناء عدد قليل جداً من أدبائها ممن تناسبت شهرتهم مع ابداعهم الفذ ، نجد ان الغالبية تموت وهي تكاد تكون شبه مجهولة .

وهواية تتبع مرجعيات الكتّاب المفضلين عندي تغلغلت للكتب ، فرحت أشعر بألم ومرارة حين اقرأ كتابا ً لايحوي في بعض مصادره ومراجعه ممن سبق لي وان قرأته ، والعكس حين اجد ان الكاتب اعتمد على كتب كنت قد قرأتها ."

 وعن المجرة القرائية في تاريخ العالم وتحولاته يقول فرات :

 " التاريخ علمني ، ان عمري من عمر هذه الأرض الطيبة والمباركة ، واني سليل جميع حضاراته وتراثه الذي اعتز به .

وأخيراً ، يبقى السؤال الذي طالما راودني ، وهو " ألا يحقّ لافلاطون وكل دعاة ومؤسسي المدن الفاضلة ، طرد او لعن الشعراء؟ " فهذه المدن في جوهرها هشة ، مبنية على الطاعة والنظام المتزمت ، وتجد في الشاعر ، طارح الأسئلة الأول ، الفوضوي بطبيعته ، المشاكس ، يهدد نظامها التراتبي ، حسب زعمها ، ولكن الحقيقة انه يفضحها ويعريها ، مبينا ً هشاشتها .

شكرا ً لكل من طردنا من مدنه الفاضلة ، لأنها لاتعنينا ، فهي تقمع انسانية الانسان ، بسبب نظامها الشمولي ّ ، وشكراً للفلاسفة الذين اعترفوا ان الشعراء هم اول من يطلق الاسئلة ويحرك سكونية المعاش المعرفي ، ولهذا سبروا اغوار المعرفة قبل الجميع ."

 الطائر الكربلائي الذي ارخى جناحاه في مدينة هيروشيما بعد رحلة منافٍ طويلة اغنت تجربته و اطلقت شرارة وجعه شعراً متواجشاً حنيناً وذاكرةً و رؤيا ، ويشير الى غرابة ذلك الشاعر العراقي الكبير سركون بولص في حديثه عن انا ثانية والتي قرأت في الجلسة الاحتفائية :

 " منذ ديوانه الثاني خريف المآذن يطلع باسم فرات على القارئ بصوت تكاد لوعته ان تطغى على مراسيم الكتابة الشعرية ،بمؤشرات لا حصر لها تدلنا الى مواقع تلك اللوعة ، عاطفة و تأريخاً ... ، مما يدنيه من شعراء سومر الاوائل الذين ندبوا خراب اور و نفر ونيبور ... ، الشاعر الذي يحمل هماً لن نهجس ثقله الا بالقراءة المتمعنة ، تنقل في رحيله من كربلاء الى نيوزلندا الى هيروشيما في اليابان – نعم هيروشيما المدينة التي ضربت باول قنبلة ذرية – ويبدو لنا طول رحلته لم يغفل يسجل ملاحظاته و يضيفها الى تجربته المتكاملة ".

 القراءات و الدراسات التي تناولت تجربة الشاعر باسم فرات كانت اولها في الامسية قراءة للشاعر خضر حسن خلف جاء فيها :

 " نصوص خريف المآذن تخلق مناخها وطقسها الشعري احتفاءاً بأنفعال مترسب في ذات الشاعر كاشفة عن سخط بأثارة التساؤلات و الاستنكار ، تتحرك بوعي ملتزم بقيم المنطق الحسي ، ندركها من خلال رسم المشاهد الكلية... الشاعر يواجه صدمته في انفصاله عن المكان فيرتد الى الداخل الى تجربته الكبرى ".

 تلاها صاحب رواية لعنة ماركيز المثيرة للجدل في داخل العراق الروائي ضياء الجبيلي في قراءة عن الطفولة و الحرب في خريف المآذن يقول فيها :

 " صوت الطفولة يتجلى حضوره في ذات الشاعر ، فهو يبرز من حين الى حين و يوقض الاوجاع ويملأ الذاكرة و الاماكن ، لكن سرعان ما تتحول المدونة الى خارطة تنوء بآلآم البراءة التي مزقتها الحرب واسلاكها الشائكة في الثكنات الخربة قبل ان تنتهي في المنفى ".

 بعده قدم الشاعر و الناقد صفاء عبد العظيم خلف الذي يصفه ادباء المدينة بان تخوت مقاهي العشار تضيق به و دورب البصرة تعرف خطاه الحزينة ، متوحد باسأه ومتفرد بحزنه الدائم ، قدم دراسته النقدية المعنونة ( المهيمن السايكلوجي في قصيدة النثر – فرات انموذجاً ) جاء فيها :

  يتسريل شعور شفيف ، بين مبتنيات خريف المآّذن ،  إنه لايكشف عن سر ما ، بل يطلق صيحة إستنفار متوقدة الدهشة لما حولها ، عين الكشف لدى فرات بالغة البراءة ، تعطيه حرية التجوال في معابر قاتلة واخرى فسيحة الحزن ، فيما كل المرح بإتجاه السماء ، الشاهد الوحيد المتزامن مع كل العذابات المتخطية للحدود في نصه ( جنوب مطلق ) ، والذي يمكن عده احد اهم اشتغالات فرات في المجموعة ، فالتقطيع الصوري والاسلوبي احالنا الى النصوص الدينية والشعرية العراقية البابلية والسومرية الطينية التي محا الماء رسمها ، فنستشف قدرة شعرية حالمة بالغة الهدوء والسكينة برغم كل الرصاصات المتنافرة والجراحات المفتوحة والاماني المتخندقة في حجابات العزلة.

    جنوب مطلق ادق الاشتغالات ، الا ان نص خريف المآذن تكمن قيمته بالدلالة الرمزية ومسكوتاته النبوئية ، فأي قراءة تناصية بين النصين تكشف أصرة تحتفي بالبحث في ارض متغضنة بالحروب والمآسي والاحتلالات والاستلاب ، عقدة الحرب طبعت ببصمتها على جلد الشاعر والارض ، ففجرت خزين شعري هادئ الطبع ، نعزو هدوءه الى اطمئنان لذات " التوجع " وانزياح الى ذاكرة ثقبتها رصاصة لم ترعوي خدش طفولة نهر وحلم وردة. فأحالت كل مشاهد الاغتصاب العسكرية لديه الى اغتراب حاد ونشوة بحث عن جنوب يشبه جنوبه المحترق ، فأرخى العنان لتماهيه المفرط مع أسى البردي معلناً عن ذاته جنوباً مطلقاً لا يحده سوى البحر من جميع الجهات كمرموزية للماء الحي."

 الدراسات اعلاه التي سلطت الضوء على تجربة باسم فرات ( خريف المآذن ) نشرت في كتاب نقدي اعده وقدمه الناقد زهير الجبوري و صدر عن دار تكوين في دمشق والذي ضم اكثر من 40 دراسة وقراءة لتجربة فرات لنقاد عرب و اجانب.

وسلطت الامسية الضوء ايضاً على تجربة الشاعر الثالثة ( انا ثانية ) من خلال اوراق نقدية لثلاث ادباء هم ناصر قوطي و هيثم جبار و عامر الربيعي ، اجمعت على ان تحولات التجربة الجديدة كانت بائنة و واضحة خصوصا وانها تخطت الغوص في تاريخ الاسى العراقي لتستشرف مكامن الوجع عبر اكتشاف مكامن الذات والكشف عن كل الغموض التي اعتراها.

 الامسية الثامنة في برنامج نادي الشعر في البصرة والتي احتفي بها بباسم فرات حضرها حشد من ادباء و مثقفي المدينة رغم الحر القاتل وارتفاع درجة الرطوبة في المدينة الساحلية ، والتي استمرت زهاء الساعة تخللتها قصائد للشاعر و مداخلات نقدية اضافة الى تغطية خاصة من قبل قناة العراقية الرسمية.

 وفي نهاية الامسية تلا مقدم الجلسة القاص نبيل جميل ( حارس المرزعة الامين ) برقية شكر من الشاعر باسم فرات جاء فيها : احيي البصرة التي تصر على ان تكون احدى عواصم الثقافية العربية رغم ما لاقته وتلاقيه هذه المدينة الاعجوبة التي نالها الخراب من كل جانب لكن روحية ابنائها ، ظلت خلاقة مبدعة تضخ للثقافة العربية التي لها الفخر بتأسيسها و ثرائها اجيالاً و اجيالاً.

 جدير بالذكر ان ان الشاعر باسم فرات صدر له ثلاث مجامع شعرية هي : اشد الهديل و خريف المآذن و انا ثانية ، اضافة الى مجموعتين باللغة الانكليزية و مجموعة باللغة الاسبانية.اضافة الى صدور كتاب نقدي ساهم فيه عدد كبير من النقاد والادباء.

 ****

دفاتر