رصيف آهات النهضة 

نص / خضير فليح ا لزيدي

 

000(كل الذين ماتوا ا في حرب الثمان سنوات وما تلاها من حروب ، قد تركوا حلما صيفيا وعبق ذكرى لا تفارق قبور الأموات ورؤوس الأحياء، فوق أرصفة كراج النهضة ،،في انتظار سيارة كبيرة تقلهم نحو جهات مشتتة من (جحيم فائر في لجة ماكنة عملاقة تطحن الجند ) واللذين صفروا على ناي بنغم آسر .. ناي طويل القامة يعزف المأساة ليؤسر قلوب الحيارى من تولدات 1945 ـ 1970 ( نحن مشينا إلى الحرب ) ( عاشق يدافع من اجل محبو بته ) مشينا مجانين نحو                                                                                                       قواطع العمليات في تخوم الشمال والجنوب وكذلك تلول جبهة الوسط على السواء.

كل الذين جرحوافي تلك الحرب مستبدلين ضماداتهم على تلك الأرصفة , وخلفهم لغطا لأصوات الأمكنة (بعقوبة/كركوك/ناصرية/ بصرة/كوت)

كل اللذين أفلتوا من قبضة الموت المرقط ثم لاذوا قليلا من ذوي (البيريات الحمر )وهم يدخلون المراحيض عنوة متخلصين من عيون تلاحقهم في كل الفناءات ..قد أفاقوا جميعا موتى واحياءمتقاعدين ومقعدين ليقولوا ـ لا تمحوا ذاكرة كراج النهضة  ـفهو ( بيرية ) العاصمة .. بل خوذتها أيام المحن. كراج النهضة الأرض التركة من خلفيات جبهة الحرب ) …

ـ القصة وما فيها ـ

لا زالت صحف العاصمة تفرد مساحات شاسعة من صفحاتها وتكرس تحليلات معمقة لموضوعة إزالة كراج النهضة  وتحويله الى ساحة صماء بالقرب من العام , مما أثار حفيظة شرائح واسعة من المجتمع مندفعين بمظاهرات احتجاجية ضد المشروع يقودها نخبة من المحاربين قناة الجيش مدعين بأن مكان الكراج الحالي سيتحول الى محطة مترو الرصافة الأولى لمشروع مترو بغداد القدامى ,تتحول المظاهرات الى اعتصامات  متواصلة لتوقف حركة المرور والسير داخل الكراج في عصر الانفتاح المظاهراتي رافعين يافطات ملونة كتب على بعضها (لا..لقتل الذاكرة ) ( كراج النهضة مرآة المأساة..وقبلة الجند المحاربين ) (أحلامنا عصافير تعشعش ها هنا ) …

تأزمت الأمور وبسرعة فائقة بين السلطة المحلية والمعتصمين المدافعين عن رصيف ذاكرتهم وأحلامهم المرقطة ببقع الدماء .

وفي تحسن ملموس لسحب فتيل المصادمات تشكلت لجنة تفاوض انبثقت من السلطة المحلية تناغمت مع لجنة عصبة المعتصمين لجلجلة الآزمةبالطرق السلمية لتتواصل المفاوضات ليلا ونهارا داخل خيمة وسط باحة الكراج أعدت سلفا أهذا الغرض وسميت فيما بعد

بمفاوضات الخيمة .

استدعيت اللجنة الاستشارية الهندسية والمصممة لفكرة مشروع المترو لتحويل المكان والسعي لأبراز المظاهر الحضارية والعصرية منه ,ولم تفلح لذلك سبيلا .

ـ انا ارى ومن وجهة نظر عصريةأن مترو الأنفاق كحال عواصم العالم المتقدم سيحلحل الكثير من الأزمات ويفك الأختناقات المرورية ـ هذا ما قاله مهندس المشروع داخل الخيمة.

ـ ولكنكم تقوضون بذلك خزين الذاكرة ، وتهدمون رصيف الأحلام . هل عجز تفكيركم عن أيجاد مكان بديلا لمحطة المترو تلك ؟ ابعدوا نهضتكم العمرانية عن كراج نهضتنا الحربية . ما قاله أحد المعتصمين المفاوضين .

تدخل الساسة الكبار في أيجاد حل سريع لتفاقم المشكلة قبل التوجه لمجلس الأمن ، غير ان المتفاوضين اتفقا على محلية الحل .. وتقدمت الأطراف بمجموعة مقترحات بديلة خارجين وداخلين مساء وصباحا ولمدة عشرة أيام حتى جاء مقترح التقسيم مرضيا للطرفين (توزع باحة الكراج الى منطقتين متساويتين ، الأولى منطقة اثري لذاكرة الحرب وقبلة المحاربين ، أما الثانية يتم فيها العمل لاقامة محطة بغدادالاولى لمترو الأنفاق )وبذلك المقترح تنتهي الحكاية ويتم التوقيع باحتفال بهي أقيم لتلك المناسبة بحضور بعض الساسة الكبار جدا ومجموعة المفاوضين وسرايا المعاقين وأولاد المقتولين بتلك الحرب ..رقص المعتصمين تعبيرا عن انتصارهم بعد هزائم الحرب المتكررة . وبذلك تنتهي الحكاية .

الهوامش  *

 1 ـالنهضة الكراج  :   مرآب العوالم الغير متجانسة .. في الليل يصبح الكراج وجه العراق السري وعالمه المختبئ خلف عباءة من الظلام .. عالم الكراج أيام الحروب ليس مثلما هو أيام السلم ..داخل ذلك العالم تختبئ عوالم من المجانين والمجانين المزيفين المتخفين خلف عباءة الجنون أصحاب المعاطف الثقيلة ( بدلة العمل ) والمتسولين لكافة الأجيال والمقاسات وفئة القواد ين والفوالين والناعين (الصوت الشجي ) والسمسرة السرية وبائعات شاي الفحم ضد ( كاسات الأخوة الأشقاء) كل  هولاء يشركون في تقسيم ساحة الكراج الى قطاعات منظمة وغير مرئية .

في الحرب انشطر قلبك بغداد الى شطرين أحدهما في رصا فتك ( موضوع الهامش ) والآخر في كرخك ( كراج العلاوي ) وكلاهما اكثر درامية من الآخر لإدامة فعل الحرب ورفدها بالمزيد من  لحم الجند الطري الذي تفضله جبهات البصرة والعمارة والاهوار الى النهضة ،:

خالصة يوميا كانت تقدم الوجبات ساخنة عبر ممر ـ النهضة الجبهات ـ . أحدهم تاه الطريق وسط بغداد فسأل رجلا عن ضالته ،قال له بلهجة بغداد  ية  خالصة :

ـ أينما تجد جنديا مسرعا يعبر الشوارع ويحمل بيده حقيبة او كيسا او يطقا فأتبعه ، سيضعك عاجلا ام آجلا في قلب  كراج النهضة ، فالطرق مهما التوت وتحايلت حتما ستغني ( نحن مشينا للحرب ) في الطريق الى النهضة ذات الأبواب الثلاث ـ فتحة الباب الواحد تقارب ( 10 ) أمتار ليسع الجميع في الطريق الى الفاو ( 52 ) ألف إصابة عراقية خالصة غير مغشوشة وبدون عظم . كلما كثر الداخلون الى باحة الكراج تقل نوعية الخدمات ، أثناء الأزمات الحربية تتحول باحة الكراج إلى قطاع واحد كبير بدلا من عشرة قطاعات . ثمة غرف مستحدثة لأدارة النقل الخاص بمدير وخمسة جباة ( عسكريون بلا بيريات ) وأخرى بيضاء يقسمها خط بلون الدم فكانت مفرزة الانضباط العسكري (عزرائيل الجند ) وواحدة معتمة على الدوام وغامضة الملامح عرفتها فيما بعد بأنها مقرا لتحقيقات الاستخبارات العسكرية ، وثمانية أكشاك لبيع المرطبات والمناشف والمجلات الإباحية والملابس الداخلية التي يقتنيها الجند في طريقهم الى المطاحن . ينشط باعة الصحف في باحة الكراج لبيع أعداد قديمة من مجلة الف باء كان يفضلها الجند لحل كلماتها المتقاطعة ودردشة عزوز .

ـ اليطقات  : يطق أهل الشمال ( يطغ ) وغيره كان النطاق . هو لفة فراش المحارب ومحتوياته، للنوم والاكل ولحمله مصابا او مقتولا أو ملدوغا بعقرب او قناص ، رغم أن اليطقات كتسمية تتشابه مع إحدى أجزاء محركات الديزل .يكون اليطق منفردا ثلاثة بطانيات مقلمة للدثار وملحقاته ( الكليم / الزمزمية / الجعبة / بسطال / خوذة / جوارب /رباط البسطال ) تجمع كلها وتلف بأحكام وتربط بحبل باتجاهين متعاكسين ليواكب المحارب في حركته في حله وترحاله . اليطق ظل المحارب والدليل على وجوده وبقتله يكون نهبا لجند لازالوا مسجلين ضمن (القوة والقدر ) بانتظار مطحنة أخرى .

داخل مركز التدريب او مدرسة القتال ووفق خطة السوق المعتمدة في التجانيد يستلم الجند يطقاتهم (اللقاء الأول ) ، يدخل الجندي المركز بسلاسة مطلقة يتلقفه ( قلم المركز ) ثم يذهب بالرهط نحو أقصى تخوم المركز الى الإعاشة ، فترمى عليه بفظاضة أجزاء اليطق رميا مبرحا ليحار في تفاصيلها ولمها في كور بدون معرفة لفه بحرفية عسكرية (قشمر ) .اليطق كفن الجندية ودثار رعب المعارك  .

3 ـ المراحيض : ( المكان الذي يكشف فيه المحارب عن سر ه العميق )

لا اعرف سببا مقنعا لرائحة البول والتبرز التي تملى باحة الكراج صباحا رغم وجود ثلاثة غرف للمراحيض حيث عزف الجند الدخول أليها وفضلوا التبول في ساحة الكراج وقرب المظلات وخلف السيارات المعطوبة تخلصا من أجور المراحيض . ثمة خط رديء على جدران البنايات الثلاث ( مرافق صحية عامة w.c\ للنساء --- للرجال . الدفع مقدما .. الإدارة غير مسؤولة عن محتويات الحقائب والأمانات ) ..غير الجند يدخلها لاستبدال ملابسهم العسكرية بأخرى مدنية تخلصا من رقابة مفرزة الانضباط العسكري أو الاستمناء خلف الأبواب القصيرة للمحاجر التي ازدحمت جدرانها برسوم مشوهة لنساء عاريات وأعضاء تناسلية ذكريه وشتائم من كل نوع والأرضية سوداء ومتسخة ورائحة العفن والبراز تكاد تقلع الجدران من مكانها أما الأباريق مثقبة أن وجدت وصنابير المياه معطوبة ومن غير مقابظ ، الذباب سمين ولا يقوى على الطيران وأصوات المحاجر الأخرى تعزف سمفونية الغثيان . الجند الأشاوس فقط يقتحمون مراحيض النساء في ليل النهضة السري للاغتسال وممارسة الاستمناء على أباريق النساء رغبة لنشوة الانتصار .

المراحيض صحيفة يومية سرية تتحدث صباح كل يوم ، فالكتابات تأخذ منحى تراكمي يعطي نتائج غير متوقعة تماما ،فالمقولة التي تكتب في الصباح الباكر على باب أحد المحاجر قد تصبح مجلدا ضخما من الذكريات بعد سنة وقد انتشرت الردود عليها بذات المكان مثل مجلد سريالي المنحى والتوجه .. أنها حقيقة المتنفس الحر للتعبير عن الأفكار  ـ كتب أحدهم مرة ( آخ الخفاجية )فانهالت عليه الردود مثل ردود شبكة المعلومات وبأقلام ملونة بألوان البراز ، الكل يعطي كلمته ويمشي في حال سبيله بعد أن سجل تاريخه السري هذا لتكتمل الصحيفة بنفس اليوم أو بعد سنة  .

أنثيالات ممنوعة ::

يختزن جوراب الذاكرة لثلاث حوادث متفرقة كانت تحكى بهمس شفيف كونها من أسرار النهضة أبان الحرب المذكورة

*انتهت معركة حاج عمران ، وأعاد الجند الرواقم المدماة بصفحة الهجوم المقابل كما جاء في البيان العسكري الصاخب والذي تحدث بفرح غامر عن المعركة ، وفتحت الإجازات للجند بعد ثلاثة أشهر من الصمود . وصل المجازون كراج النهضة في طريقهم إلى بيوتهم ، هناك على أحد الأرصفة كانت تقف فتاة جميلة مكتنزة بملابس جد ضيقة وشعرها الأشقر تلاعبه النسائم وبروز ثديها ومؤخرتها بمشهد مثير  ،، وقف الجندي المجاز خلفها تماما يلامس جسدها من الخلف ويشم عطرها الأخاذ بعمق ، وبحركة لاإرادية احتضنها ليلف يديه السمراوتين المفتولتين حول جسدها ثم يطرحها على الرصيف ليغوص كله في جسدها البض الطري .. استدعيت مفرزة الانضباط وتلتها مفرزة الاستخبارات ليستمر فاصل الضرب بالعصي والانطقة والبساطيل حتى فارق الحياة تحت ضغط البساطيل ولازالت يداه تحيطان بالجسد الطري والفتاة مذهولة من هول ما حدث والتيش تمزقت ثيابها اثر جنونه ،مما حدا ببعض النساء الإشفاق عليه وتغطيته بعباءة سوداء لتغطية المشهد برمته وأسدا ل ا لستار عن ما لايرى,وعيونه المفتوحة  الى الأبد تدمع بالشبق غير عابئ بما يحدثه ضرب البساطيل.في جسده ولا جمهرة الناس عليه .. انه ينهي عرسه المجاني الأول .

*حادثة أخرى لاتقل أهمية عن سابقتها غدت حديث النهضة لسنوات ، حيث قام مجموعة من الجند الملتحقين والذين باتوا على أرصفة الكراج لليلتين أملا بالوصول الى المطاحن من غير أمل بوجود واسطة نقل تقلهم الى هناك فدخلوا (الهروب الرسمي ) مما اضطرهم بضرب نائب ضابط مفرزة الانضباط العسكري والذي  كان معروفا بحقارته ومحاسبة الجند على كل صغيرة وكبيرة . فالتف الجند حوله وضربوه بالبساطيل والانطقة حتى فارق الحياة على أيديهم .ثم هربوا بأتجاها ت مختلفة ،تاركين اليطقات خلفهم وزارعين الرعب في قلوب دبابير النهضة الحمر.

*سجلت ذاكرة الكراج حالة هيجان وتمرد واحدة في تحدي واضح لسلطة  النهضة .. اقدم  مجموعة من الجند يربو عددهم من المائة بأقلاب سيارة مارسيدس عسكرية كبيرة ثم أحرقها احتجاجا على قرار إعدام كل من غاب ثلاثة أيام متصلة عن وحدته العسكرية يدخل بذلك حالة الهروب التي تؤدي به الى سوق اعدامات الجملة ،دخان الحريق غطى سماء بغداد كلها حتىوصل الى انف قائد الجند ، الكورس المحيط به اخبره انه مجرد (  قضاء وقدر ).

 ****

دفاتر