محمود سعيد*

معتوق

 

كنت أسمع حديثه الغريب، وأنا أدفع النقالة، منتظراً انتهاء العملية الثالثة، وكنت مهتماً بالسيدة الحسناء، ذات الشعر الأصفر، الذهبي، الصافي، ينتشر حول كتفيها، بفتنة تخلب اللب، كأسلاك حرير نادر لا يقدر بثمن، وكنت أستنشق العطر النادر يفوح منها بسخاء، لابد أنها فاحشة الثراء، أبسط عملية عندنا تكلف عشرة آلاف دولار، كانت تبكي، ولم يتيسر لي النظر إلى عينيها، لأتبين لونهما، إذ قدرت أنهما زرقاوان، كمياه البحيرة العظمى التي تقع إلى اليسار، على بعد أقل من مئة متر، البارحة فقط سقط الثلج مبكراً، مازلنا في الأسبوع الأول من كانون الأول، ديسمبر، غمر كل ما تقع عليه العين، هبت الرياح شديدة القرس، انخفضت درجة الحرارة إلى ما تحت الخمس عشرة مئوية، تحت الصفر. ابتأست، انقبضت روحي، أ ستختفي الشمس؟ أ سيجتمع الزمهرير وذلك اللون الرمادي المقرف؟ لا هذا كثير! لكني فوجئت بأشعة الشمس تزغرد صباح هذا اليوم، بالضوء يغمر الكائنات، يعطي الثلج صفاء لم يحلم به، من يصدق: شمس مشرقة في درجة حرارة متدنية كهذه؟ هرعت قبل أن أبدأ عملي، بالنظر إلى البحيرة، الله! يا للزرقة الخلابة، المدهشة، لا أجمل منها غير عينين زرقاوين، ثم غمرتني أعباء العيادة، والعمليات، وأوامر الطبيب الصيني، والتعقيمات التي تسبق العلميات، واستقبال الجرحى، وطبيبة التخدير البدينة، التي تثير عنوستها رثائي. يا لجمال وجهها! يا لطيبتها. أين الزوج؟ من يقبل بجبل من اللحم في فراشه؟ لم أدرِ كيف مضى الوقت! خمس ساعات كاملات مرت كدقيقة واحدة، ثم انتهت، بعدئذ بدأت أتلهف لرؤية عيني الشقراء، لتكتمل الصورة أمامي، سروال أبيض، صدرية من الأوركنـزا السماوية، وبلوز من نفس النوع واللون، يندمجان، يتممان، يغلفان عالماً فريداً لمعجزة تمشي على الأرض، كانت تبكي بمرارة، وتمسح عينيها، بين الفينة والأخرى، ولولا اضطراري لدفع النقالة إلى غرفة العمليات لتوسلت بألف حيلة، وحيلة للتقرب إليها، قبل أكثر من سنة، قدمت علبة محارم ورقية لفاتنة أخرى، كانت تبكي هي الأخرى، قلت: رجاءً، تناولته مني، قالت وكأنها تناجي حبيبها: كم أنت رقيق، ثم تجاذبنا حديثاً طويلاً، لكني وأنا أفكر بهذه لا أدري كيف أخترق عالمها، آنذاك اقتلعني السحر. السحر فاتناً. سمعت حديثه الغريب:

-  كم مرة قلت لك: يا مرزوق لا تركض وراء شهواتك؟ لماذا لا تتعظ! لا أستطيع أن أذهب بك كل يوم إلى طبيب! احمد الله أنك لم تصب بالإيدز! أكدوا لي، العملية بسيطة، ليست غير خمس دقائق، تصور، تخدير موضعي، ثم ماذا تريد؟ أطفال؟ أنسيت نفسك؟ أنت مثلي الجنس! لماذا الأطفال؟ أي مثقف يريد أطفال؟ المجنون فقط، مالك ووجع القلب؟ أنت شاعر وتريد أطفالاً؟ تريد وجع القلب؟ كم كنت معجباً بالمعري؟ كم كنت تمتدحه قبل أن تمسخ؟ أ تستحق الحياة أن نعذب بها الآخرين؟ لماذا لم أتزوج أنا؟ أنت تعرف؟ ألم تتفق آراؤنا على أن الحياة كالموت سواء بسواء؟ ألم نتفق على أن الإخصاء خير للحيوان والإنسان على السواء! لا تبتئس، الخطأ خطأك، لست بصغير؟ كم مرة نصحتك، لم تستجب، أنت في الخامسة والأربعين. ماذا أسمع؟ المعري، والشعر، والفلسفة هنا معي في شيكاغو؟ إنه السحر. كيف يقتلع شاعر عظيم من هناك ليجري ذكره هنا؟

آنئذ التفت الشقراء، قالت للرجل، وهي تشير إلى النقالة:

- أهو نبيل؟

الحمد لله، رأيت عينيها بالرغم من تأثير الدموع، ليست زرقاوين، ولا خضراوين، ولا صفراوين، فيهما من كل لون شعاع خفيف، تتألقان كنافذتين ساحرتين، رغم البكاء، في وجه ملائكي، ولم يفهم الرجل، ولا أنا، وربما حتى المريض، ماذا كانت تقصد، فابتسمت ابتسامة خفيفة:

- أله شجرة عائلة؟

لم يدرك قصدها، وخمنت أنها اسكتلندية الأصل، فهناك لكل عائلة علم، وطراز لباس تقليدي، وشجرة عائلة، وو، ثم أدركتْ أنها لم تستطع أن توصل ما تريد، نبرت موضحةً:

- كيف يكون عمره 45 ولا يكون من عائلة متميزة؟

ابتسم الرجل:

- هه..أنت صادقة..لكن هذه النقطة ضمن القصة.

ولم أفهم ما عنى، ثم قهقه، نظرت إلى النقالة:

- لا. إنه من أصل وضيع، لكنه شاعر.

نسيت المرأة أشجانها، ابتسمت، لا بل قتلت ضحكة خافتة.

التفت الرجل إلى المريض:

-  معتوق، لا تزعل، أبوك رجل مغمور، ليس بنبيل.

وإذ رأى نظرة المريض المتعكرة، قال:

-  في الحقيقة لا أعرف بالضبط، فأنا لم ألتق أباه إلا بضع دقائق بعد الحادثة.

- ما اسمه؟

- معتوق؟

ردت المرأة: ماتوك.

- لا معتوق.

- ياله من اسم صعب، متوك.

- لا.

- مفتوك.؟

- لا.

اختفى حزنها كلية، ضحكت، وهي تردد، مفتوك. تحاول أن تتغلب على صعوبة لفظ العين، قال الرجل بهدوء:

 اسم عربي؟

 كان الرجل يلفظه جيداً، ولم استغرب، رأيت الكثير من المستعربين هنا.

-  كم سنة وهو معك؟

- عشر سنوات، منذ حرب الخليج الثانية، هناك التقيته.

ثم نظر إليه:

- أليس كذلك؟

أغمض المريض عينيه موافقاً، وعادت لنفس النقطة:

- إذن كيف يكون عمره 45 سنة ولا يكون من سلالة نبيلة معروفة، معمرة؟

- إنها قصة طويلة، كتبتها آنذاك في شيكاغو تريبيون.

صعقت المرأة، هتفت:

- إذن أنت صاحب الكلب! أنت مسؤول ال CIA؟ مستر مايلز! يا للمصادفة‍‍! أي ريح طيبة!

- نعم..أنا.

- منذ أن رأيتك أخذت أتساءل مع نفسي: أين رأيت هذا الوجه؟ من المستحيل أن يتذكر المرء الملامح بعد عشر سنوات! لكني ما زلت لا أصدق.

- حتى أنا.

أنا أيضاً تذكرت القصة، وأنا أراقبهما، لكني مثلها لم أتذكر الوجه، فقد نُشرتْ كمعجزة محيرة، لا تفسير لها مطلقاً، نشرت في أكثر من صحيفة، ثم تناقلتها غير قناة تلفزيونية، لكني كنت شبه مخدر من أثر الأحداث، والقصف، والدمار، والمذابح، والمآسي،لم أتذكر ملامح الرجل، ولولا أن الحسناء التي أمامي ذكرت اسم مايلز لما تذكرت، فقد كان مايلز بطلاً لقصة أطفال، في قراءة الابتدائية، ما زالت عالقة بأذني، ومن هنا ارتبط الاسم الجديد بالقديم في الذاكرة، تصورت لحظتئذٍ أنها قصة مزيفة من أحابيل السياسة، لإبعاد الرأي العام عن مآسي الحرب.

ثم فُتح باب غرفة العمليات، فاندفعت الشقراء إلى النقالة الخارجة، هتفت بجنون:

- أهو بخير؟

ولما لم يجبها مساعد الطبيب كيم كين سو، بأي كلمة، دافع النقالة إلى الأمام، هجمت على المريض، أشبعته بوساً، كان ما يزال تحت التخدير. سأل الرجل:

- ما به؟

- التهاب رئوي، سحبوا منه ماء في الرئة، جو شيكاغو المتقلب، التعس، سيكون بخير، أكد الطبيب ذلك، إنه أمير من سلالة ملكية، عندي شجرة العائلة، أصله من فرنسا، سيعمر من دون شك.

كنت أراقب الضوء الأخضر، فوق باب العمليات، لأدخل بالتالي، لكن نباح ثلاثة كلاب ارتفع في داخل العيادة، وتوقعت أن يأتي الدكتور واجنر ليطلب مني أن أذهب فأسكتها، لكنه لم يفعل، وإذ اطمأنت المرأة على مريضها، ابتسمت من جديد، احمرار بسيط في عينيها من أثر البكاء، كان كلبها الخارج من العملية مغمض العينين، يتنفس بهدوء وعمق، كأي حيوان تحت تأثير المخدر، بينما لاح شيء من الفزع في عيني الراقد على محفتي، وهو يتوقع أن أدفعه بين لحظة وأخرى إلى غرفة العمليات، فتركت الحسناء مريضها، وربتت عل وجه معتوق، قالت:

- إنه خائف.

- جبان.

- لا.. شف هذه الصور، كل من ينظر إليها يرتعب.

كانت على حق، الممر إلى العمليات مليء بصور ملونة: القلب، الرئة، الأمعاء، الكليتين، بقية الأحشاء الداخلية، انتقدت ذلك أمام الدكتور واجنر، وطبيب العمليات لينوردو، من يرى هذه الرسوم وهو سليم يرتعب، فما بال المريض؟ لكنهم لم يلتفتوا إلي، قالوا لي إن الحيوانات لا تربط بين الصورة والحقيقة. وبالفعل تناول كيم كين سو، النقالة مني، لم يكن يظهر من وجهه سوى عينيه، وأذنيه الحمراوين، إذ كانت الكمامة تغطي فمه، وحنكه، بينما احتلت القبعة جبهته حتى حاجبيه، واختفيا، قالت المرأة:

- حاولت الاتصال بك حينئذ، لكن الصحيفة لم تعطني الرقم، قلت إنها قضايا أمنية، رجل مهم مثلك يجب أن يحموه، كما أن اسمك لم يكن في دليل التلفون.

هز مايلز رأسه، لم يعقب، كان علي أن أسحب النقالة التي يرقد عليها الأمير، إلى غرفة الاستراحة، فقد تعهدت الحسناء، أن تعتني به في البيت، بعد أن يفيق من تأثير المخدر.

وتعمدت أن أسير ببطء، لأتسمع حديثهما، وأهيم سابحاً في بحر عطرها الفواح، كانا يسيران ورائي:

- ماذا كنت تريدين أن تعرفي بالضبط؟

التفت إليها، رأيتها محرجة، يتدفق الدم من وجنتيها، الشهيتين:

- أصحيح؟

لم تزد، اضطرب مايلز، كان طويلاً، غير ممتلئ، وربما كان يضع باروكة على رأسه، لأن لون لمته أشقر، بينما تلصص بوقاحة بعض شعر فوديه من تحتها أبيض، ناصعاً:     

- أتصدقين؟ حتى أنا إلى حد الآن لم أعرف، كان مستهتراً بشذوذه، ولكنه كان مفيداً لي جداً، كان يستطيع أن يأتيني بما أطلب، لهذا أبقيته معي، وعندما ذكروا لي قدوم الساحر المغربي، ومقدرته على مسخ الناس، لم أصدق، كان ما يلفت النظر عمامته الكبيرة، البيضاء، أتذكر أنه لم يصافحنا على عادة العرب، ذهب اغتسل أولاً ثم صافحنا، لماذا؟ لا أدري. في الخمسينات من عمره، عينان كستنائيتان نفاذتان، أقيمت له القبيلة وليمة كبيرة، حضرها العشرات، وفي اليوم التالي، كنا نحن الثلاثة في الخيمة وحدنا، عند ذاك فند معتوق السحر، اعتبره خرافة، وخداع، وتضليل، وتجاوز بكثير من الكلمات على الساحر، والساحر محتفظ بوقاره. ثم وصل الحد بمعتوق أن تحدى الساحر ليمسخه كلباً، ربما من أثر الحشيشة، أو الخمر، معتوق مولع بكل الممنوعات، والضارات، يقول إنها تستجلب شيطان الشعر، لكن الساحر لم ينجر إلى التحدي حالاً، قال: حرام أن أمسخك كلباً. طفق معتوق يسخر منه، وبشدة:  حرام، أ أنت تعرف الحرام؟ يدعي السحر، يكذب، يغطي أكاذيبه بالتدين، يقول حرام، هه، هه. أكد الساحر: نعم حرام. قال له معتوق: أنت وسحرك في قفاي. أدار له مؤخرته، وضرب عليها بقوة. لا بل كشف عن مؤخرته عارية في وجه الساحر. رأيت الساحر يمتعض، لكنه ابتلع الإهانة بنوبة سعال مفتعلة، مصحوبة ببسمة. ثم نهض غاضباً. تفرقنا، بقي معتوق وحده في الخيمة، وحينما جئت في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كان معتوق ما يزال نائماً، لكني سمعت صوتاً غريباً في داخل الخيمة فجراً، فتحت عيني، رأيت الكلب، حاولت طرده، لكنه مانع، عدت للنوم، لم يخطر ببالي قط أي شيء غريب، في الصباح نسيت القصة، لم أر معتوق طيلة الليل، قلت ذهب لحاجة ما، لكني بدأت أقلق عندما حل المساء ولم يعد، كان الكلب يجلس في الأمكنة التي كان مرزوق يجلس فيها، وعندما ينام ينطرح على سريره، ولا يأكل ما يرمى إليه، بل يأتي، ويجلس مكان معتوق على المائدة، وعبثاً كانت تنتهي عمليات طرده، يعود باستمرار. جاء عمه، أمه، عائلته، معارفه، تشكلت فرق للبحث عنه، انتشرت شتى الأرجاء، لم نعثر على شيء، بعد ثلاثة أشهر، رجعت إلى الولايات.

رددت: 45 ستة.

- هز مايلز رأسه: نعم، تجاوز عمره الـ 45 معجزة، كما قلت، مستحيل في عالم الكلاب. أنت محقة عندما قلت سليل أسرة متميزة.

تنهدت: قرأت القصة في الجرائد، رأيت المقابلات معك. لكني الآن صدقت.

ضحك الرجل: لكني لم أزل أشك.

أخذت ذاكرتي تسترجع بعض التفصيلات، كيف وصف معتوق في الجرائد، كان يفهم كل ما يقال له، وعندما يطلب منه أن يلقي قصيدة له، كان يجلس على مؤخرته، ويحرك يديه كأي شاعر، ويهمهم همهمة نغمية، لم يكن ينبح قط، عدد مايلز مئات الأعمال التي كان معتوق- الكلب-  يقوم بها، والتي لا يستطيعها غيره! وعاداته البشرية، ومقدرته على الكتابة باللغتين العربية والإنكليزية، وو

- ألم يأتكم شيء ما عن أخبار معتوق الأصلي؟ ألم تعثروا عليه؟

خجلت لسؤالها، وربما أحست هي أيضاً بتفاهة السؤال، قال:

- لا، لم يجد جديد، لو حدث لنشرت وسائل الإعلام الخبر.

- والساحر؟

- اختفى في صبيحة اليوم التالي أيضاً، لم يره حتى الذين جاؤوا معه، أحد قصاصي الأثر قال إن أثار قدمي الساحر وجدت على بعد مسيرة عشرة أيام، مرفقة بآثار أقدام مجهولة، وما كان بإمكانه أن يرى أثار قدمي معتوق، لأن إعصاراً مرّ من فوقنا، دام أقل من دقيقة محا الآثار كلها في منطقتنا.

ضحكت الحسناء:

- وأنت؟ أتصدق؟

-  قلت لك قبل قليل: لم أزل أشك.

ثم حدّق بها وابتسم، بدا وكأنه يحاول أن يعثر على الكلمات المناسبة بصعوبة: بيني وبينك لا. حسناً. لا غير مضبوطة. نصف نعم، مات أبوه في الستينات من عمره، وأمه مازالت حيّة، هي الآن في السبعين، إن بلغ ذلك المستوى فربما يكون حقيقة، لننتظر، من يدري؟ لكني لا أعرف هل سأعيش أنا إلى ذاك الوقت.

- أيمكن أن تقدم لي معروفاً؟

- ماذا؟

- أحب أن أصور له لقطة فيديو له وهو يقرأ إحدى قصائده.

قهقه الرجل من كل قلبه:

- لا بأس.

ناولته بطاقتها، والفرحة لا تسعها، وهممت أنا أيضاً أن أطلب منه أن يسمح لي بالحضور، لكن قوانين العيادة، التي تحرم الاتصال بالزبائن منعتني.

* * *

مساء باريس

 

اختفى عبد القادر قبل شهرين تقريباً، لكنه ظلّ محور جلستنا. كيف؟ أين؟ لا أحد يدري. لكن ناركيلته. مكانه في المقهى.

  ظلّه  لم يختفِ بقي على حاله.

وافق صاحب المقهى على استعمال "الناركيلة" وسط دهشة الجميع، لم يتصور أحد أنه سيوافق قطّ. ربما لأسلوب عبد

  القادر  المؤدب، ربما لعلاقته بالمقهى التي تزيد على عشر سنوات، ربما لشيء آخر، لا ندري بالضّـبط، بعد السّـابعة

 من معظم  الأيام نتجه إلى المقهى، نراه جالساً في مكانه أمام المروج الخضر، سارح النّظر، نسلّم، يبتسم، يهزّ رأسه،

 نجلس، قليلاً ما  نتكلم، نبذ مختصرة فقط. دمروا سامراء، ما أشنع التّعذيب في أبو غريب، الأمريكان أذكياء في خلق

 المشاكل أغبياء في حلها،

 

 من سيفوز يا عبد القادر، بوش أم كيري.

 

- ليس أمامنا سوى ستة أشهر لنرَ النتيجة.

- مرة أخرى يقصفون الفلـوجة.

- الفلوجة دخلت التاريخ.

هل زرتها يا عبد القادر؟ نعم قبل أن أغادر، قرية صغيرة. مررت بها في طريقى إلى عمان، سنة 1970، يسمى آنذاك

 طريق  الرّطبة، قديم، ضيّق.

- لكنه أصبح بعد ذلك درجة أولى، أفضل من طرق أمريكا.

- سمعت ذلك.

- والنجف؟

- نعم زرتها.. مدينة صغيرة أيضاً.

 –هل سيبقون في العراق؟

- أبداً. هل سمعت بقصة اللّصّ؟

- أي لصّ، اللّصوص كثار؟

ضحكنا.

-  نزل لصّ على عائلة، الدّنيا برد، قال الأب العجوز لابنه أمسك به. أمسك الابن به، لكنّه بعد قليل أخذ يصرخ مستنجداً.

 العجوز لا يستطيع مساعدته. قال له: أطلقه ما دمت غير قادر عليه. قال أطلقته أنا، لكنّه هو ظلّ ممسكاً بي، لا يطلقني.

 أمريكا تريد أن يطلق العراقيون سراحها مع الاحتفاظ بماء الوجه. لكنّها لا تستطيع.

 

قرقرت النركيلة. الشّارع تحت المطر مرآة تنعكس عليها السّيارات وهي تسرع شتى الاتجاهات، مجلسنا أمام مفترق

 الطّرق لا    يتغير. عبد القادر اختاره قبل مدة طويلة ربما خمس عشرة سنة، أكثر! أقل! كان يرتاح فيه بعد انتهاء العمل

 اليومي، لكنه   منذ أن استغني عن خدماته في نهاية أيلول سبتمبر قبل سنتين أصبح جزءً من المقهى، يتمشى، يقضي

 حاجاته، لكنّه في   الرّابعة عصراً، يجلس في مكانه هذا:

 

- أين أذهب؟ أيوجد أحلى من هذا المكان؟ المنظر فائق الجمال بأي مقياس. مروج خضر منسّقة تنتهي بغابات، بحيرة،

 ملاعب، شلالات اصطناعية.. الخ. ما إن أرفع بصري حتى يتيه في مُلْك شيكاغو..أفق فردوسي خلاب. مرة واحدة سألناه

 إن   كان يستطيع أن يعمل شيئاً آخر غير العمل في المطبعة. ابتسم، سأبلغ السّتين هذه السّنة، ولا أستطيع العمل في

 البقالات، لا   أستطيع حمل صناديق خمسة وعشرين كيلو، لا أستطيع غسل المواعين في الفنادق، ماذا أعمل؟ قدّمت على

 التّقاعد قبل الوقت   المحدد، ها أنا ذا أنتظر، دعوا التّفكير في مستقبلي، تمتعوا بجمال هذه اللّحظة قبل أن تفنى. لا يُكثِر

 الكلام، يلقي أمثلةً،  قصصاً منتقاة، كلماتٍ مختصرة، ثم يتيه في بحاره الدّاخلية المتلاطمة.

المقهى واحدة من سلسلة مشهورة في أمريكا، ربما تصل إلى الآلاف، وحينما استعمل عبد القادر الناركيلة أول مرة

 استأذن  العاملة، وقفتْ مشدوهة أمام هذا الاختراع الغريب.

- هاك مصّي.

- لا أدخن.

- فقط تذوقي.

أغرقت ضاحكة: حسناً سأتصل بأصحاب المقهى لعلهم لا يمانعون. أرسلوا مندوباً، شاب في الثلاثين من عمره، نحيف جداً،

 تكاد عيناه تخرجان من محجريهما، "هكذا وصفه عبد القادر، لأنّنا لم نكن موجودين وقتئذ" رآه جالساً في مكانه يدّخّن

 الناركيلة، مرتدياً الزيّ البغدادي التقليدي، العمامة الصغيرة، "الزبون البُتّة"، تلمع فيه خيوط الحرير، القميص الأبيض

 النّاصع، الفاخر، حزام القماش العريض. يتمتع بمنظر الشّلال والمروج وينفث الدّخان المتبل برائحة الليمون الفواحة،

 وبقربه  فروته الأنيقة في الشتاء، مطوية على مقعد قريب. لم يكلّمه أولّ الأمر، لكنّه اتجه نحو النّادل. أعطاه بعض

 التّعليمات، ثم تقدم  نحو عبد القادر، استأذنه بالجلوس قربه، طلب منه أن يستنشق نفساً من الناركيلة، فلفّ عبد القادر

 مبسمها بالمحرمة الورقية،   وقدّمها له، أغمض المندوب عينيه الواسعتين، ثم جذب النّفس. ابتسم. إنّها لرائعة. يا سيّد

 عبد القادر تستطيع أن تأتي إلى هنا   كلّ يوم، كلّ ساعة، تشرب، وتتناول ما تريد على حساب المحل.

 ربما اتّخذ المندوب ذلك القرار لأنه اعتبر وجود عبد القادر بزيه البغدادي العريق، وناركيلته خير دعاية للمقهى، بالرّغم

 من  المفارقات التي تولدت من جراء ذلك فقد كان عشرات العرب والشّرقيين الذين يمرون بالمقهى يطالبون صاحبها

 بناركيلة،  إسوة بعبد القادر، ثم يتساءلون إن كانوا يستطيعون جلب ناركيلاتهم إلى المقهى. لكنهم يتناولون قهوتهم، ثم

 يخرجون ولا  يعودون.

هكذا أصبح عبد القادر علامة من علامات المقهى الثابتة، الشهيرة، لا بل علامة من علامات شيكاغو، فقد استأذنوا منه

 بصورة فاخرة زينت إحدى كتب الدعاية السياحية للمدينة.

الآن بعد اختفائه طفقنا نعصر أدمغتنا، لعل شيئاً ما يقودنا إليه، في الأقل نعرف شيئاً عن مصيره.

كعبة، متحف، علامة أثرية! تُزار تبقى في مكانها، مركزاً للجذب. تبقى في الذهن، لكن الآخرين يزولون، يأتون ويذهبون.

نذكر جميعاً لحظة اختفائه، كان يدّخن، أبعد المبسم، لمعت عيناه، هتف: هل شممتم العطر؟  أي حاسة للشّم يتمتع بها؟

 تعالوا.

 نهضنا يرافقنا ضجيجنا ضحكات، تعليقات، تساؤلات، نعم كان هناك عطر فريد يضّج في كل مكان، ينبعث من السوق

 الضخم المجاور "MALE " تلك هي المرّة الثّانية التي يشير فيها عبد القادر إلى العطر، كان ذلك في اليوم الأول لغزو

 العراق. ولست أدري ما العلاقة بين ظهور العطر والغزو‍! لكن عبد القادر قال مرة واحدة: العطر يمتزج بالموت دائماً. ولم

 أفهم قصده أيضاً. آنذاك لم يخرج سوى واحد منا، شمّ العطر، ثم ذهب مع عبد القادر، لكنّه رجع بعد قليل، أما عبد القادر

 فلم  يرجع إلا بعد نصف ساعة، وكان وجهه ممتقعاً. شاحباً. ورفض أن يجيب على أي سؤال.

لماذا هاجرت يا عبد القادر؟ لا يجيب. يغمض عينيه برهة ثم يتيه في عالمه الداخلي.

أ هذا سؤال؟ دائماً حرية مفقودة، اضطهاد، مصير مجهول في العراق. يجب أن يكون السّؤال: لماذا يبقى النّاس في العراق؟

 ضحكنا.

السّياسة هي السّبب. يبتسم عبد القادر: أو الحب. نضحك مرة أخرى. تلك المرة الأولى التي يتكلم فيها عبد القادر عن

 الحب. ثم  رمى بإحدى جمله الغامضة من دون أن تفسير: الفتاة عندنا مظلومة، كثيراً ما يتوج حبها بالذبح.

حينما أخذ سمير يستعد لجلب خطيبته من القاهرة سألنا ماذا يحمل إليها من هدايا.

أجابه بكر: سل أي رجل متزوج.

- ليس فينا متزوج.