قصة قصيرة
علي حداد
أمل
آه.. أيها الجيل ...
الذي يبكي..
ذئبا.. مقتولا ....
كانت في السابعة من عمرها.. وكان كل شيء فيها يتلألأ.. عيناها.. فمها.. شعرها.. ضحكاتها.. وكان
أكبر منها بسنة واحدة.. حين أخبرها ببراءة أن تبلل يدها وتدس إصبعها في الكهرباء.. وما هي إلا لحظات
حتى تحولت أمل الى ( كومة من الفحم ) حدث هذا في العام 1957 .. وانتقل هو بعد فشله في الدراسة.. من
مهنة الى أخرى وفي العام 1997 افتتح له مقهى.. ومطعما صغيرا يبيع فيه ( التكة – المعلاك – والكباب )
وحين جاء صباح ابن ( الحفافة ) ورمى كيس الفحم من على كتفه على الرصيف.. فقد صاحبنا رشده وهو
ينظر الى كيس الفحم الذي تفتق.. وتناثر منه الفحم.. فأمسك بصباح من رقبته يروم خنقه.. ولقد زرته في
المستشفى في العام 2001 لأني لم أكن موجودا في العراق حينها فقد كنت في نزهة حزينة جدا.. كانت عيناه
غائرتين.. وفكاه بارزين وصدره بارزا.. وعظام قفصه الصدري تبدو واضحة شفافة.. بادرني.. وهو يقول بأسى :-
-ارأيت.. ارأيت يا حداد.. كيف رمى بأمل من على كتفه.. على الرصيف.. ابن الزانية.. ابن الحفافة..؟!
بأن ..أبوسميرة
لايحطم الرجل .. غير حبه
لآمرأة .. مثل ألبحر......
كانت جدران دكانه تعج بصور سميرة توفيق .. كان رجلا مفتول العضلات ونحن الصبية نفرح كثيرا وهو يكشف لنا
عن يديه ا لجبارتين .. كانتا أضخم من يدي هرقل .. كما انه كان يفتح زجاجة المشن أو الكوكتيل بفمه , يطبق بأسنانه
على السدادة ثم يبصقها من فمه , كنا نقطع مسافة طويلة من مدرستنا ألأبتدائية للوصول الى دكانه الذي لم يسعه حين
يتحرك من هنا الى هناك .. كان أكبر من الدكان بكثير .. وكان دائم ألابتسام في وجوهنا .. كنا جميعا نحب عمي أبو سميرة
, لكنه أحيانا كان يختفي عن دكانه , وكان أبي يقول عن هذا ألاختفاء المفاجىء :
- أن سميرة توفيق تغني في لبنان .
وكان يكثر من تردد ( بأن ) بمناسبة وغير مناسبة فهو يقول مثلا ( الكيك بأن طيب ) وحين يناده صوت زوجته من الداخل
وهي تدعوه يجيبها ( بأن جئت أصبري قليلا ) .
وبعد خمس وثلااثين سنة جرتني ساقاى الى ذكريات طفولتي وصباي فوجدتني وجها لوجه مع عمي أبو سميرة , كانت
جدران الدكان عارية من الصور القديمة .. وكانت الظهيرة , والقيظ شديدا , والناس كانت ذاهبة في غفوة .. ومروحة
صغيرة تعمل بلا كلل.. كان يجلس على مقعده الذي لم نكن نره يوما جالسا عليه, مرتديا دشداشة بيضاء قصيرة كشفت
عن ساقين مريضتين .. وكان الدكان أكبر منه بكثير .. حتى كان يضيع فيه , طلبت زجاجة سينالكو و فنهض متثاقلا
, وبالكاد استطاع أن يفتح باب البراد , ومشى ببطء .. كأنها مسافة ميل ليعثر على المفتاح .. ثم طوق الزجاجة بيديه
لكن غطاءها لم يفتح , فأستدار عائدا الى مقعده ووضع الزجاجة بين فخديه وحاول معها مرة أخرى دون أن تنصاع
له فتذمر قائلا :
- حتى السدادة ( بأن ) أصبحت مغشوشة .
عرفت أنه تحطم منذ عشرين سنة حين طردته من إحدى حفلاتها .. في تونس
****