مدني صالح.. استاذ جيل
باسم عبد الحميد حمودي
تمهيد اول
احسب ان وفاة
العزيز مدني صالح منذ ايام قليلة
كانت بدء حياة جديدة له، فالموت الجسدي نهاية صفحة
وعمر والحياة المستمرة هي في
استذكاره دوماً من قبل زملائه ومريديه وطلبته فلم يكن
مدني صالح بفكره واسلوبه ولغته
ظاهرة عابرة في الحياة الثقافية العراقية بل كان
صاحب منهج ورسالة وان تجول في
الكثير من حقول الابداع والنقد.
تمهيد
ثان
كان مدني صالح مقالياً على الدراسة
والمقالة، ويصنع من مقالته المرسلة ادباً
من لون خاص فيه من الجاحظ المستطرد
وفيه من الفارابي وفيه من ابن طفيل وفيه من سائر
فلاسفة العرب والمسلمين اذ كان
استاذ فلسفة درسها وعلمها طوال سنين جامعية وكان
لابد ان تحوزه نارها التي اذكت
كيانه وجعلته.. مدني صالح، دون سواه.
***
ابدأ بعرض
لبعض تفاصيل حياة الكاتب الذي
فقدناه استناداً الى مذكراته هو التي صاغ بعضها في
فصل بعنوان (البداية والتجديد) في
كتابه (هذا هو السياب).
وفي التهميد الاول
للفصل يقول مدني صالح "لم نسمع
بالبياتي قبل عام 1948 ولم نكن قد سمعنا بالسياب قبل
مجيء هذا العام بالسياب الى
الرمادي حاملاً ديوانه الاول "ازهار ذابلة" وكنا هناك
فرأيناه وسمعناه يقرأ لنا من شعره
وعرفناه وذلك يعني احتكاك مدني وهو طالب ثانوية
بالسياب المدرس احتكاك اديب ناشئ
بشاعر مجدد، ولكنه احتكاك متوجس فما زال مدني لا
يؤمن يومها بالتجديد في حركة الشعر
وهو يمهد لذلك بقوله واصفاً (قيادة) الحركة
الجديدة.
"تنامت الى مداركنا اقوال حول حركة
لتجديد الشعر العربي في بغداد..
وقالوا انها حركة تقودها امرأة
ويقودها معها رجلان" ويلعب مدني صالح على اللغة
والتراتبية فيكمل لكنهم "قالوا في
رواية اخرى، انها حركة يقودها رجلان وتقودها معهم
امرأة من النساء وآخرون اختلفت
بشأن مراتبهم الاقوال" وهنا يتضح تطوره الفكري
الحداثي واثر القديم المتضاد عنده
مع الجديد.
يتضح تطور الفكر الحداثي واثر
القديم المتضاد عنده مع الجديد
فيقول بصراحة "وبدأنا نقرأ من اشعار هؤلاء قراءة
المستطلع الراغب على كره ضد الراسخ
المستقر في النفس من حب الماضي وعبادة القديم
وتقديس السكون والثبات على الحال
بلا حراك وكنا –شخصياَ- من اعداء الجديد والتجديد
في كل الميادين" لكنه يقول انه
استأنس بشعر السياب والبياتي وكانا اقرب اليه من شعر
الرصافي والزهاوي والبارودي وغيرهم
وان لم يرقيا عنده –في حينه- الى شعر الجاهليين
والفرزدق وجرير وابي العلاء
والمتنبي ثم يردف –وهو يتحدث بصيغة الجمع- انه نزل الى
بغداد عام 1949 "نزول ات من اعالي
الفرات –نزول عشاق لا نرضى بالقليل ولا نرضى بما
دون النجوم ومفاليس من الجهة
الاخرى" ثم بدأ يفهم السياب والبياتي ولكنه احب
الجوامع واسواق الكتب وقاعات الدرس
في كلية الاداب وفي وقت زاد فيه اهتمامه
بالشاعرين.
وفي سنته الثانية في كلية الاداب
عام 1950 صدر ديوان (ملائكة
وشياطين) فوجد هذا الشاب- الذي
اصبح ناقداً فيلسوفاً- ان غرض التجديد في حركة الشعر
يرمي الى اغراض متعددة منها "اعادة
التوازن في الانسان ورده الى نفسه" والى تماسك
حضاري من الداخل في الداخل ضد
محدثات الخلل واسباب الارتباك" الاجتماعي والحياتي
خلال ذلك قرأ مدني شعر جماعة ابولو
وتوجهات جماعة الديوان والشعر الانكليزي الحديث
واستمر مدني صالح في اطلاعه على
الشاعرين وكتب عنهما افضل الدراسات الانطباعية لكنه
اتجه في درسه الى الفلسفة فسافر في
بعثة دراسية الى لندن لدراسة الماجستير
والدكتوراه، فحصل على الاول
بامتياز وفي ساعة مناقشة الدكتوراه بدر من مدني صالح
المستفز دوماً ما اغضب اساتذته منه
فلم يمنح (الورقة) التي منحت لاخرين ممن هم اقل
منه واقل، لكنه عاد الى بغداد
استاذاً للدرس الفلسفي وكتب فيه وعنه وكان من كتبه
كتابه الممتع عن (ابن طفيل) وكتابه
عن (الفارابي) ولكنه انصرف الى الادب والبحث
وكتابة المقالة الاسبوعية الممتعة
في شأن من الشؤون الثقافية في صحف العاصمة ووجد
ما يجدد عنده شيئاً من فن المقامات
فكتب "مقامات مدني صالح" وهي مقامات في النقد
والفلسفة ومعالجة الامور الثقافية
وهجا التخلف الفكري والعشائري بلغة استطرادية
اشتهر بها مدني صالح دون سواه اذ
صنع اسلوباً له لا ينافسه فيه احد ولا يجروء احد
على تقليده او استنساخه.
وظل مدني صالح ملء السمع والبصر
حتى اثقله المرض وزادت
عليه اوجاع التسعينيات حتى فارق
الحياة بصمت قبل ايام ولنا وللاجيال الطالعة جميل
علمه ومعرفته وعطائه الفلسفي
والنقدي.
المدى