الرحلة البغدادية... كتاب في رسائل 

الحياة بالقرب من الشاعرة

 الحلقة الرابعة

   قاسم محمد عبّاس

أعرف أن حياة الشعر تفرض عليك حياة تمارين الجنون، لأنني أدركت أن البحث عن الحقيقة قد ابتدأ عبر هذا الوهم، وهم أن يعبر الشعر إلى الحقيقة،مع أن كل ما قرأته من شعرك بدا انه صادر عن إيمان بأن الشعر ليس إلاّ خاطراً ما فوق شخصي يتجلى لديك على نحو موضوعي،نعم يمكنني أن أوهم نفسي انه خاطر استقدم من الغيب، فلا فرق بالنسبة لي بين الإذلال الذي يتفاخر به الشعراء المحبون، وبين من يعتقد أن القصائد منن سماوية،إنها مسألة قول الحقيقة حينما نجد أنفسنا في مواجهتها،مثلما الموت، الموت الذي يعتقد البعض أننا نحمله مسؤوليته بوصفه شاعراً.

هل تتخيلين أياما في بغداد تمضي بلا موت أو قصائد، قصائد تنذر بالموت،أو الرماد بمعناه الأرضي، أو الأرض بمعناها الواقعي، أو الجحيم حسب ما ترسمه خيالاتنا، موت يشير إلى ما تبقى من حياة في تلك القصائد.

 

أرجو ألا توقفك هذه التكشفات عن الإيمان بقدرة الكلمات، فالمشكلة تتعلق في وضوح الأفكار، أو تتعلق بمدى قدرتنا على الإمساك بها بالفعل، مع أن المعنى كثيرا ما يشتت الشاعر، فلا يميز بين معنى على شكل صورة، وبين فكرة لها تاريخ من التضحيات، أتحدث هنا عن الأفكار التي تشير إلى خوفنا من ضعفنا،أو تعبر عنه، ضعفنا الذي يشير إلى إرادتنا أيضا.أرجو ألا تتوقفي عن الإيمان بأنك كنت على حافة الجنون وأنا من اكتشف ذلك، وعرف حقيقة وطأته على روحك وارتعاش أطرافك عند كل غضب،لا اقصد الإيمان بوصفه فضيلة،ولا الإيمان الذي يصنعه شعراء القرى البعيدة، وإنما بقدرنا وقدر الكلمات.باضطرارنا إلى الشعر بوصفه نقضا لكل آلامنا.

سأحاول اليوم أن أجد الكلمات التي تناسب هذا النهار،نهار المدينة التي لا تأبه بك أو بنا أو بالشعر، أو بنوم الأطفال المتقطع،ففي لجة هذا النهار اشعر بغرابة العودة إلى الأفكار التي تتسبب بها الكتابة إليك،أو انه عجز عن فهم ما ورد في رسالتك الأخيرة، أو لأقل إنني أحيا نوعا من السمو التضامني مع مشاعرك الغاضبة، وانت تنظرين للبلاد وللشعر وإليَّ، بوصفنا نشاطك شبه المقدس، يدفعني هذا السمو اتجاه البحث في الأفكار،للبحث في قدرتي على تلمس مأزقنا ونحن بين الشعر وضياع البلاد، كما لو أنها علاقة عظيمة بين التراب والكمال،بين الموت والكتابة، بين عالمين من طين وأثير، لنترك الكلام عن الشجرة التي تُقتلع، وننشغل باليد اللعينة التي تحمل الفأس، مأزق إنساني يتكرر، يتأقلم معنا، مع حسنا الإنساني بفعل قوة الاستمرار بالعيش.

لم يكن أصل تلك الرسائل السابقة في هذا الكتاب المسمى الرحلة البغدادية،إلا فكرة تضامن نقي مع المدينة الأم، تضامن يقترب من الموت، هذا لو فهمنا أن أية فكرة تقترب من التضامن وتدرجاته نحو الحب على انه كلام نزيه عن مشاعر واضحة،أو انه ارتقاء إلى قول نذري يتجلى بكلمات تشير إلى الحس البريء، لا يعني هذا بطبيعة الحال أي موقف روحي مطلقا،، بقدر ما هو نزوع متوارث نحو التأمل اليومي الذي يسمح في رؤيتي لأي قول يزعم انه من اصل الشعر منعكساً في مرآة سماوية،ربما لم أجد تلك الانعكاسات في تلك القصيدة أو في ذلك الكتاب الشعري،الذي جرى الكلام عنه استئناساً، وسأرهن الأمر بذكاء مأساوي عرفته عنك كي يتلقط شذرات الحقيقة من بين ركام الكلمات.

مع إنني كنت قد توجست خيفة من أن يكون وراء هذا الذكاء جنونا ما،قلت لنفسي أكثر من مرة : ثمة جذر جنوني ينبعث منه هذا الذكاء، وتوجسي هذا راح يلمع كفكرة تكبر، أو على نحو أدق تخيلت أن مشروعا للذكاء اصطادته المأساة، ثمة أصل فجائعي يربك صورتك وأنت تظهرين كشاعرة جاحدة،مثلما يظهر الزوال كحقيقة في حياتنا بهذه الصورة،يشرح خيبة أمل لجيل مسخ روحه الواقع الاجتماعي الريفي، ومزقت بقاياه زمن الدكتاتورية،وتعذيب الضمير الذي ترتب على إحساس من ينظر إلى الأمر كإطلالة على مشهد، في كل الأحوال لن تكون هناك فرصة كي تعيدي النظر في حياة من عاش على أحلام محو الماضي،فالكل خرج فرحاً بعزاء رؤية النهايات.نهاية تخلينا فيها عن الشعر والصداقة والمرح، تخلينا عن حياتنا من اجل الهوس بنظرة الآخرين إلينا بوصفنا مختلفين،نحيا مع الكتب لا البشر، كم يربكني ما آلت إليه الأمور،فاختلاف المفاهيم، وتدريبنا الإنساني المحكوم بنسق آبائنا وأمهاتنا الثقافي والنفسي يفعل فعله، ويشدنا بقوة إلى الخصائص، الخصائص التي لا يمكن الفكاك منها، فما معنى أن تبقى هذه اللكنة تطاردك بعد هذا العمر، ما معنى استمرار تلك اللكنة القادمة من تخوم البحر، بعد كل هذه السنوات، لم يعد ممكنا فعل شيء إزاء ذلك، فكرة رؤية نهاية أحزنت البعض، وأفرحت الكثير،بالنسبة لي كنت ـ وبقين جازم أقول لك هذا ـ كانت فكرة النهاية هي العزاء الوحيد لنسيان ما حدث طيلة تلك التحولات. النهاية وحدها تخلق قانونها وتضع الأرواح البريئة على أعتاب قانون آخر. فكم بدت تلك النهاية تتلون بميتات وأساطير ووحشية وعنف.

قرأت رسالتك عن العودة إلى أنفسنا،أحببت أن أشجع نفسي على هذه الفكرة وأنا اكتب إليك اليوم حول عدم تفهمك للجانب المتسامح فيك،عن إخفاقك في ملامسة العقل الحر فيك وهو يعبر الحضارة إلى الخلاص، لكنه الغضب المخنوق بفعل الماضي يطاردك ولن يسمح لك أن تكوني ما تريدين، بل يمنعك من العودة إليك أنت،مع أن الأمر يستحق كل هذا العناء بالنسبة لي في الأقل، لكنني لن اسمح للأخطاء العارضة أن تسيء لنزوعي الطفولي في فهم الرغبات، لذا أتفهم حركة صوتك المترجرج، المتلاعب بالمعاني، كما نتدرب نحن هنا على مخاتلة تجربة فتية تلعب مع الموت يومياً، موت يختلف عما ألفتيه أنت في تلك المآسي التي تحدثت عنها، لأننا نحن فحسب من صارت أحلامه،، أو أجمل أحلامه إغفاءة في الظهيرة بلا خوف،هل تنظرين كيف ينمو شجر ضياعنا الأبدي، غفلتنا التي تتوالى ؟

ترين كلماتي اليوم لا تتحدث عما يجري في بغداد أو في تلك القرى البعيدة أو تلك القصبات التي يتذابح سكانها على الهوية. لم يعد مجديا أن نترصد أو نفهم حقيقة ما يجري، لان الكلام عن المذبحة ليس هو المذبحة، لذا ألجأ هذه الأيام إلى الأطفال... ويدهشني صمتهم، وهم يستمعون إلى نشرات الأخبار، واشعر بالخوف لأنهم لم يعودوا يعبهوا بقناة الام بي سي 3، أو البحث عن إعلانات هاري بوتر،أو حتى الالتفات لتوم وجيري، بل إنهم يراقبون وقائع البث المباشر لعملية جراحية منذ ساعة تعرضها إحدى القنوات التلفزيونية لاستئصال ورم من جمجمة طفلة عراقية، حتى هؤلاء لم يعودوا يؤمنوا بالمواد المعدة، وإنما انشغالهم بما هو حي ومباشر من الوقائع، أنا أحاول أن ابتعد اليوم عن النظر في ما يجري من أحداث، فتلك الكآبة التي جاءت بها أول المساء، وانتهاء وقت العشاء، بإيقاع بطيء حزين لا تمنح فرصة للتأمل، وإنما للابتعاد عن هذه الدوامة، فنحن على المستوى التقني النفسي لا نتعامل مع الحياة بمعناها المتاح، وإنما نخلق المتاح منها، وصار هذا همّاً ملحا نعده ابتكارا.

أريد أن أقول إن اكتشاف فكرة الحق بالحياة، أو اختراق الراهن العصيب بوصفه نهارا بغدادياً وسط الخوف والحاجات اليومية الملحة أهم بالنسبة لي من مراجعة تأثيرك عليّ، أو لأقدم مثالا أكثر قرباً من الواقع، فالأمر أشبه بممثل ثانوي يرتدي قناعا لبطل المسرحية الحقيقي، ويعتلي خشبة المسرح ويقبض على تلك المعاني الحقيقية للحياة ويصرخ بها، فهي تلك الحقائق لكن لا احد يريد أن يصدق إننا نموت أو نعيش رعبا من أجل الأفكار التي ستنقذ العالم، هل أبدو مضحكا حينما اشرح لك الأمر على هذا النحو؟

عدت اليوم عصرا من لقاء الأصدقاء الأسبوعي في قاعة حوار، فقد أخبرتك انه اليوم الوحيد الذي أحاول الخروج فيه من مناخ العمل والبيت للقاء مجموعة من الأصدقاء، لأنني أحب أن أرى أصدقائي خارج العمل، اشعر إنهم يعودون إلى أنفسهم حينما نبتعد عن العمل،فحتى رياض الساخر من كل شيء، انطبعت الصرامة والجدية على محياه، بعدما اختلطت يومياته بهموم لم تكن في الحسبان، غادره ذلك المرح الذي كان يحيط بحياته، واستسلم لخوف جديد، لا ينسجم مع إيمانه.

يوم خميس أرى فيه تلك الضحكة الجميلة في وجوههم عندما أجدهم واقفين تحت الشمس في مدخل قاعة حوار، ليبدو المشهد من بعيد رغبة كبيرة بالحياة تقصي أية لمحة للألم أو التعالي عليه، كمن يرقب أطفالا يلعبون،بالقرب من الظل، والحياة تتعثر بالقرب منهم فمزاحهم المتواصل بعيدا عن أعمالهم وهما يتحدثون عن القمصان، وآخر الأفلام، أو يتجادلون حول رواية أضاعها احدهم،أو الاستماع لنكات التشكيليين، وصداها فوق وجه طالب السوداني، أو فاضل محيسن، أو اقصر الطرق إلى البيت عند العودة،يعطيني فرصة لتضييق الغضب الذي في داخلي، وبالقرب من تمثال تلك المعزة،التي يضعها قاسم سبتي في حديقة ضيقة، حيث تتحرك أوراق الأشجار فوقها كمشهد في مسرحية تتوقف الحركة الدموية للحياة البغدادية، فكل شيء يتحول إلى مزاح يسخر من الموت، والرصاص والخوف، يمتزج الموت في ذلك المزاح بطرف من الثأر من سواد حياتنا، وإيقافا للتوتر اليومي، كأن كل شيء ينسجم وفكرة تسخيف ما هو جاد وصارم وأكيد. أو لأقل يحررني من ذلك الشعور بالمسؤولية عما يجري حولنا.

تحاشيت في كل الحوادث الماضية تلافي لفظ الكلمة أو كتابتها، للضغط الذي تضعني فيه.. لكنني في لحظات قليلة اقتربت فيها فوهة مسدس من صدغي عرفت شيئا عن النهاية المأساوية لوجودنا كبشر، تذكرت كلمات الولادة، الاندماج بالحقيقة، كيف تهتز أعماق الكائن البشري.

أعود فأقول لك إن اختباراتنا التعيسة بدأت الآن وليس منذ أن عرفنا إننا أطفالاً،أتذكرك الآن بملابسك الجامعية تعودين إلى بيتكم، فلربما صادف أن أكون هناك في تلك المدينة بالملابس العسكرية انتظر بالقرب من شجرة البرتقال تدخلين معبئة بروح ومناخ المدينة، أمزجك أنا الآن كأنك سريرة نقية بكل وجودي الدموي هذا.. استبدلك بكل هذه القطع الدموية،حسنا كل المشهد بكل تفاصيله لطخات سود طاغية، وزهرة وحيدة تلتمع في ذلك الإطار الحالك.

لم يعد الوقت مناسبا للبحث في فراغات أنفذ من خلالها إلى قناعاتي القديمة؛ لان الحدود الأقل من الدنيا لحياتي تتعرص للانقراض هنا، طبعا لا اطمح أن أجعلك تشاطرينني حزني، هذه الأيام، لأنه حزن فيه من النزاهة ما لا يسمح باختباراتك الراهنة، فعندما تنظرين إلى الماضي وكأنه باب فردوسي، للنجاة من مرض عقلي، تذكري انك لم تأخذي من ذلك الباب حزنا ما، إنما لوثة من الفجائع، خربت كل شيء، لذا لن يشير الحزن أبدا إلى مخلوقات طارئة،فالحزن كما قالت المدونات اللاهوتية ظل الروح، أو طبعتها الأرضية، الطبعة التي ترى بشرط الموت، ولا اقصد بدقة أن أخيفك بهذه الكلمات، لأنني أتحدث عن الحزن بمعناه رديفا نقيا للموت باعتبار انه الأكثر نزاهة من بين معاني العمق، ولا اقصد أن أتصفح ثنايا قلبك واطابقها مع حياة الكتابة لديك، ليس هذا ما يشغلني، لكنني لم أجد من له قدرة كقدرتك على المغامرة في التوجه لمحو كل ما تعلمناه من الشعر والحياة، يحدث أن نكتب لبعضنا بضع سطور بين يوم وآخر نستعين بها على فهم ما يجري أو تصنيفه،أو حتى السخرية منه،لكنه ليس تطابقا، أو توافقاً على الأفكار، ولن أنسى بطبيعة الحال إنني كتبت مرة عنك : إنني أتهجاك أحيانا إمعانا في معرفة معناك كوردة في ظلام يتوجب التوثق منها، دون أن يكون لي خيار في أن أشعر بشيء من الغرور، لأنني لن اغضب إن لم تجد كلمات الاطمئنان الأخيرة صدى في بريدك، فلا يزال النهار فرصة جديدة لحياتي حين تجيء منك كلمات تذكرني أبدا بربط وردتين مع بعضهما في طيف ليلي وسط قلب المدينة الميت.

رسالتك الأخيرة كانت تتحدث عن لا جديد أبدا في تاريخ المحن وذكرتني أن أقول لك.. ربما يكون هذا صحيحا فلم يبق من قصص الحب ما لا نعرفه، قد يكون هذا صحيحا، لكن ليس على طريقتك، وليست هي فكرتك المخلصة،فالمهم ليس القصة وإنما كيف تروى، أليست هذه المشكلة مشكلة كل التواريخ أيضا.

لكنني مع الفتنة التي خلفتها ملاحظتك هذه أقول لك : إنها أيضا اختزلت معرفة ما، وأهملت حقيقة، فلنقل إن القصص كلها واحدة، أو إن قدرتنا على توقع مراحلها ممكنة، ويمكن لنا تخمينها ربما بتفاصيلها الدقيقة، لكنك أيضا كنت كمن ينظر إلى الأسد وهو يجر غزالا، كلا فالأجدى أن تنظري غزالاً بريئا حين يمزقه الأسد، كما قال أصحاب الذوق، هذه فكرة عشتها وسمعتها أو تذكرتها لا ادري لكن الحال اقرب إلى هذا المعنى، ليس هناك قصة تشبه الأخرى إطلاقا، طرائق معرفتنا بها هي التي تتكرر وليس القصة، لان كل قصة هي واحد منا ونحن كثير.

الآن هل ابتعدت بالكلام عن فكرة الحياة بقربك، واقتربت من إيقاف حركتي اليومية ككائن، أظن أحيانا انك تفكرين بي كشاهد مزعج وحسب. شاهد متيقن من قدرة الكلمات فحسب، شاهد على ما يجري في بغداد،مع انك لا تحبين هذا التحديد، لكن ليس لي من تاريخ آخر غير تاريخ طفولتي، وتاريخ وعيي الذي تربى في بغداد، فلن انجح باستعارة فكرة الكلام عن المدن التي تموت هنا وهناك، وظننت أنني تحدثت عن هذا المعنى كرحلة لي مع بغداد، فقدا بدا لي أن بعضا ممن لا يحب بغداد تضامن مع قاتليها،جزءا كبيرا من منهم يشعر أن هدفه قد تحقق عندما أُخرس الكثير منا عن قول شهادتهم عن بغداد، مع إدراكي أن لا قيمة لهذا الكلام بالنسبة لشعراء آخرين كانت لهم المدينة تحولا اجتماعيا فحسب، لم يصابوا بجنون المدن المزعوم، وإنما كلامي عمن أصيب بهذه اللوثة التي يجب أن تكشف عن تزمت في حب العواصم، عمن لا يستطيع إلا احتراق الدم والمرارة كلما جاء هذا الليل إلى بغداد، ولا يرى هذا الكلام بوصفه غراما عابرا بمدينة شائعة، وإنما مدينة لها القدرة على تحويل ذاتها لبلاغة جنونية، نوعا من المرض السايكولوجي المرتبط بانهيار المدن، أو خبلا مفهوما تتسبب به مدينة والهة، أو وسواساً بمدينة من كلمات تؤدي لا محالة الى التتيم.

كل ما يجرى بتفاصيله موجود في هواجسي اليومية، في ذلك التتابع لأحلام الفجر المرعبة التي تجعلني أقفز من نومني مذعوراً، تراود عقلي تبديات وتوهمات عن معنى اكوام الكلمات التي تصلني كقصائد وروايات ونقود، وقراءات تبحث عن التعميم، عن ايصالها لمن يقرأها في مدينة مثل بغداد، أما الآن وقد قلت لك أن حزن الاطفال، وتوتر الوجوه صباح كل يوم هو ما يشدني اكثر من كلماتك ورثائك لحوادث من ماضي الدكتاتورية، ارجو الا تغضبي من رغبتي في أن ابدو كائنا يختبر محنة، او تختبره المحنة، فلن يغدو للشعر، او لتلك القصائد التي ترسليها موقعا، الا ان قلت انني اخرج عن نفسي احيانا، واجبرها على الاقتراب من القصائد، لان التقزز الكبير والقرف الاكبر يؤديان بي إلى كآبة محطمة التي تسبب بها تشبثي بحياة لا معنى لها، هل تظنين اننا بحاجة لاشاعة اللجوء الى الافكار،او اللجوء الى الشعر،او محاولة استنزال المعنى الى تفحصات سريعة؟ سيبدو الامر بالنسبة لي في الأقل استلهاماً لافكار جديدة ومن ثم اختبارها في غمرة الفوضى، او لاقل التراجع عن فكرة التاريخ اليومي اليقظ فيَّ.

لأنني بكل جدية مشغول بقبولنا بهذه الحدود المنتزعة من الحياة، الحدود المتوازية مع نظري للقتل والقتلة، وهم كل يوم يقتلعون أشجار الحياة، يشوهون المدينة، المدينة التي أحب، لا ادري ماذا يعني لك هذا الحزن التي تتسبب به بغداد لي، لا ادري ؟ لكن التخلي عن بغداد على وفق ما يجري أشبه بقبول أن يذهب الشيطان إلى الفردوس.

هل يساوي كل ما نكتبه آهة واحد من آهات المذبوحين، فلا الصباحات صباحاتنا، وليست طرقنا طرقهم، نحن نتحدث عن فضيلة مضيئة هي الحياة وهم لا يسمون القلوب قلوبا، فحزن الأطفال هذه الأيام يتساقط كورد احمر ذابل فوق إيقاع المساءات، عيونهم يائسة يتجرعون ساعات ليلهم الملتبس بالظلام، لا دليل سوى إننا نلتقي في الصباح بقلوب كسيرة، نتحدث عن الفروض المدرسية والمشي قرب الجدران في الطريق إلى المدرسة

 ******

دفاتر