أُغنية وفاء لشارع أبي نؤاس
فوزي كـــريم
في يوم ما
أواسط السبعينيات، تحت سحب الخريف
البغدادي، يوم لمْ تُعبّأ فيه بالاحتقان والضيق
قلوبُ الناس. ويوم كنت على منوالي
أقول للسائل عن موقفي: أن لا موقف لي، وأعجب ممن
له موقفٌ بيّنٌ، يقينيّ يا صاح!
في يوم لم يكن شديد الخلاف مع
الأيام، التي كانت
تدرُجُ آنذاك كالقطيع الآمن. كنت
في ليل نادي الاتحاد استجيب للموعدِ الحميم مع كأس
العرق، والمازة الفقيرة. شبيبة
السبعينيات يجلسون، كمن يقرفص، على مبعدة. شعراء في
جملتهم، ويبصبصون من شق الباب على
المنأى الساحر للشعر، قلقين غير آمنين. كنتُ أنا
الآخر أبصبصُ ولكن بأمان من احتفظ
بسر الإفلات للمنفى البعيد. ألم تكن بيروت كذلك
قبل حفنة من السنوات؟
لم يجفّلُ الليلُ بعد ندماني عن
مائدتي الليلية. جاء محسن
إطيمش كالعادة مبكراً. ومن بعيد
صوّت الدكتور مجيد باتجاهه:"أهلاً بعبد الحليم"
(حافظ).
وجلس وهو يُكثر من التلفت ليستطلع
الحضور. وجهُ محسن ابتسامةٌ
مطعّمةٌ بشامة على الخد. صوّتَ قبل
أن يستقرّ على كرسيه: "الآلة حسين". والآلة لمن
لا يفهم هذه الأيام هي عُدّة
الشرب. وبدأنا.
حكايتي تقتصرُ على الخاتمة هنا.
عشبُ الاتحاد ريّانٌ، والحديقةُ
مازالت تَعِدُ بالكثير الكثير من مخلفات الصيف.
نطمع في الساعة الأولى من
المُنَادمةِ بمائدةٍ عائمةٍ في عُزلة، نملك أن نُسرَّ
لبعض فيها عن قهرِ الأيام. ثم في
الساعة الثانية للمنادمة، أو الكأس الثالثة من ربع
العرق، تتفكك المنادمةُ من أسر
العزلة، لتنطلق عاريةً من رداءِ المرحلة إلى كل ركن
خبيء في الظل، في حديقة الاتحاد.
في الحادية عشرة ليلاً صارت
المائدةُ تظم، إلى
جانبي ومحسن، كلاً من مالك المطلبي
وياسين النصير، ثم فاروق سلوم، الذي التحق
متأخراً. ثلاثة لي عهدٌ بصداقتهم،
ولكن لا عهد لي بكأسهم الليلي. ولأن الحلفَ مع
الكأس الليلي لا يبتعد كثيراً عن
الحلف الفاوستي مع الشيطان، كنت أشعر بضرب من
الرعاية لهؤلاء الضالين فجأةً.
بعدها لم تنطفئ نداءات الكأس الإضافي: "حسين نضب
الماء". "حسين أقفرت الصحون".
"حسين ذاب الجليد" (وحسين هو صاحبُ البار)... ومالك
يبدو لشدة الاستثارة بكأسه غير
المألوف مأخوذاً. كنت أضحك، وأقول له: "واضح أنك
ترغب بالابتسامة، ولكنك، بفعل
الخدر، لم تعد تقدر على الإمساك بها. إلتقطها، فهي
على صفحة خدّك الأيسر!" ويتعثر
مالك في متاهة المطاردة.
ياسين النصير يبدو كمن
دخل فردوسه عن قناعة. أقول له:
"يانسون، إن عندي من الأسى جبلُ...يتمشى معي
وينتقلُ." فيترنّم ياسين نشوان:
"يتمشّى معي ويتّنقلُ." وأنا أُلحّ مكترثاً:
"وينتقل..وينتقلُ." وياسين يضحك
غير مكترث.
في الساعة الواحدة، أولى خطى مشروع
الفجر ، كنا نحن الخمسة في الحضرةِ
البهيّة لللامكان. أكلنا في مطعم عارٍ على
الرصيف المُظلّلِ بالعرائش، في
إحدى أركان الكرادة الشرقية على ما أظن. وأخذنا
كأساً إضافية في الجوار الغامض.
وأمسيتُ، بفعلِ النشوات غير المألوفة على وجه وفي
حركة مالك وياسين، أُنشدُ ما
سيتكررُ على لساني بعد سنوات عشرة، في
المنفى:
أيّتها الحانةُ، يا مُنْحَدَرَ
الأملِ، بقايا منْسيينْ
في ركنكِ،
بينَ الأقداحِ!
هدأتْ أضواؤكِ، فاستمعي
للشاعرِ، نِصفاً مخموراً،
يتأمّلُ
ليلاً منْسيّاً في النصفِ الصاحي.
لا يغْفلُ قافيةً سقطتْ
سهواً من رائحةِ
الدّفلى،
أو وزناً مُضطرباً في القدّاحِِ.
وكانت في رئاتِنا مجسّاتٌ لقدّاح،
ورائحةُ دفلى أكثر خفاءً، كامنة
بخلود في أبي نؤاس، شارع مسرّاتنا المحبب. وانتهى
بنا المطاف على ساحل طيني في
النهايات القصوى منه. بضعةُ زوارق تتراءى لنا، تكشف عن
اهتزازاتها الانعكاساتُ الحادّةُ
المفاجئةُ للضوء على الأمواج. لم يتلاشَ المكانُ
النواسي وحدَه في حضرةِ "لامكانٍ"
أبهى، بل لحقَ به الزمانُ فتلاشى هو الآخر في
"اللازمان". جلسنا جميعاً على
الطين الباردِ، نسّاكاً من عصور الشرق الغابرة،
يبحثون عبثاً عن الحكمة. هتفتُ
بهم: "في اللامكان، ما حاجتنا لوساطة الأحذية في
أقدامنا؟" خلع كلٌّ منا حذاءه
ورماه في النهر. هتفتُ بهم ثانيةً:" في اللازمان، ما
حاجةُ نساك من الشرق الغابر لساعات
الزمن المبتذلِ في معاصمنا؟" فكّ كلٌّ منا حزامَ
ساعته ورماها في النهر.
حين امتازَ الخيطُ الأبيضُ عن
الخيطِ الأسودِ من الفجر،
خشينا المقدورَ في عودةِ كلٍّ منا
إلى معتقله في المكانِ والزمان. ولكن أحدنا كان
يهمس باكتراث: "على الأقل، سنرجع
إلى بيوتنا دون أحذية ودون ساعات. وهذا فأل حسن!"
"وندخل سرير الزوجية بقدمين
موحلتين!" همس الآخر.
المدى