هذا هو مدني صالح
 

علي حسين

بموت مدني صالح تنطوي صفحة ناصعة من صفحات ثقافتنا الوطنية كان فيها مدني نموذجا للاستاذ المفكر صانع المعرفة ،مفجر المشكلات التي تعصف باذهان من حوله مثقف عقلاني متمرد ومتسائل دائم.. عاشق للتراث الذي يراه وجها اخرا للمعاصرة مؤمن بالعلاقة الجدلية بين الثقافة والمجتمع وبين المثقف والواقع.ثقافته موقف ورؤية.. وكتاباته تاسيس واستاذيته التزام.اخذ باكثر من اسلوب من اساليب الكتابة والتعبير ،مقاله،مسرحيه،مقامه، دراسة، بحث وقصيدة وقصة ورواية ومحاورة وعمود صحفي وعشرات الكتب المنشورة ومئات المقالات (مقامات مدني صالح)(فلسفة الوجود)(مابعد الطوفان)(وما بعد خراب الفلسفة)(فلسفة الادارة)(فلسفة العقل )(هذا هو السياب)(ابن طفيل)(هذا هو البياتي) (بحث عن الغزالي)(اشكال والوان)

***
تكشف كتابات مدني صالح عن تفرد في المشروع الفكري الذي تنطوي عليه مبرزة في الوقت نفسه الابعاد الفلسفية والاجتماعية والثقافية التي لاتنفصل عن ممارسة النقد الادبي الذي هو تعبير عن موقف فكري ثابت.. وتدل هذه الكتابات على حيوية صاحبها التي لم تنل منها سنوات المرض والعزلة الاختيارية بل زادته اصرار على مواصلة العمل في مشروعه المضني الذي استمر قرابة خمسين عاما حيث نشر مدني صالح اولى مقالاته عن فلسفة الوجود عام 1954 وكانت اخر مقالة له قد نشرت في جريدة الزمان عام 2005 وهي تتناول قضية الاستشراف وقد جسدت هذه الكتابات تفاعل انجاز الناقد الادبي صاحب المشروع الفلسفي الذي ياخذ من الفلسفة ليضيف للادب ويفيد من الادب لينعش مفاصل الفلسفة فكان واحدا من نقاد الادب النادرين الذين اسسو مشروعهم في النقد الادبي في علاقة جدلية بمشروعهم الفلسفي العام..تدل هذه الكتابات في تتابعها مع مقالاته على علامات دالة تلفت الانتباه الى طبيعة العقل الذي صاغها فهو عقل لايفارق ثوابته ولايتنكر لاصوله مخلصا لمنطلقاته الفكرية التي بدا منها وثوابته التي لم يتخل عنها ويغدوا اكثر حماسا وتوقدا حين يدافع عنها في خطاب لاتخلو عناصره من صلابة تتمتع بدرجة عالية من التسامح الذي يقبل المختلف ودرجة عالية من المرونة التي تنقذ صاحبها من الجمود يضاف الى ذلك حيوية التجديد التي فتحت امام مدني صالح ابواب الاجتهاد الدائم ودفعته الى متابعة كل جديد واقامة علاقات متصلة بمتغيرات المجالات المعرفية التي لاتكف عن التحول والتبدل والانفتاح الدائم على كل جديد معلما كل من حوله معنى الافق الحر لثقافة التنوع الخلاق التي تغتني بالحوار بين مختلف الافكار والاتجاهات وان التسليم بحق الاختلاف وتقديره هو علامة العافية في الثقافة العراقية ودليل حيويتها وانفتاحها
***.
اسلوب ساخر في القبض على حقائق الحياة كان علامة من العلامات التي امتازت بها مقالات مدني صالح الصحفية اراد من خلاله ان يثبت ان المعرفة يمكن لها ان تسخر من المعرفة ذاتها حين تتحول هذه الثانية الى اداة بيد من لايؤمنون بقيمتهاالحقة.. وفي مقالاته كان يؤمن بان الفلسفة ليست نقاشا بيزنطينيا ولاجمهورية للعاطلين ولا كتبا ونظريات وانما هي ممارسة تضيء جوانب الحياة المظلمة وتؤسس لارادة القول التي يمكن لها ان تمهد الطريق لاارادة الفعل.. ومن خلال هذه المقالات استطاع مدني صالح ان يخترع قاموساً تركيبياً خاصاً به استفاد فيه من السرد القراني وتقنيات الجاحظ واسلوب كتابة الفلسفة اضافة الى قدرة على الدوران في فلك لغة متيزة اراد من خلالها ان يثبت للقارىء بان النثر ماهو الا شعر مصفى ساعيا من خلال هذه المقالات الى تبسيط مبادىء الفلسفة والايحاء حتى للقارىء البسيط بخطا مايشاع عنها -الفلسفة- بانها محض الغاز ومستغلقات يختص بها وبتفسيرها نفر من البشر. انما هي لون من المعرفة وثيق الصلة بالحياة لاتقل بتاثيرها عن السياسة في عملها من اجل الحق والخير والسعادة والفرح والسلام وتجاوز الهزائم والانكسارات
***
ماذا لو ان مدني صالح بيننا الان يقرأ مايكتب عنه ،لعله سيتساءل لماذا تاخر مثل هذا الاحتفاء.. لكنه في كل الاحوال سينشغل عنا في كيفية ان يظل فكره حاظرا في دائرة الحوار وهو بالتاكيد سيخالفنا بالاسلوب يحاورنا قليلا بعدها يصمت وتلك طريقته.. يتحفظ على مايسمع ويعطي لنفسه فرصة ثم يسال ثم يظهر اهتمامه وبعدها يتجلى استعداده للالفة ليعود بعدها يفكر الى ماآلت اليه حياته وهل كانت لهذه الحياة من مغزى وسط الاضطراب العام الذي عاش فيه وهل اقترب حلمه من مدينة فاضلة..ربما حينها سيتذكر بعضا من سطور مسرحيته (بقايا التجربة) ليتامل حياته الماضية.
*
انت بعد اليوم سلوى
وخيال في كتاب
اسفا صليت في حضنك واشتمت عيوني قدميك
انت يامن انت من صيرتني فصل كتاب
اسفا ابتاعني الناس كتابا في يديك
فهل سيتحول مدني صالح الانسان المفكر الى مجرد كتاب تتناقله ايدي تلامذته ومحبيه بالتاكيد انه اكثر من ذلك فهذا القروي الذي هبط علينا من هيت والذي عاش حياته كما يهوى في عزلته وايامه البسيطة التي اختارها لنفسه غير عابىء للشهرة والمجد سنظل ندين له جميعا بالفضل لانه انزل الفلسفة من عرشها ليفترشها الباعة على ارصفة الشوارع في صحف ومجلات لازالت تحمل نكهات حروفه البديعة والعجيبة والمدهشة.

*******

علي حسين - كاتب مسرحي مقيم في بغداد

دفاتر