جرار محمد غني حكمت
 

قاسم محمّد عبّاس


كهرمانة، او ساحة كهرمانة والأربعين حرامي، مكان، أو معلم يحيا في عقولنا وضمائرنا،قبل ان يكون مكاناً في مدينة بغداد، تعاقبت عليه الظروف والتحولات، وبقيت صورة المرأة المنتصبة وهي تسكب زيتها او ذلك الماء البغدادي على الرؤوس لحظة تذكر أبدا بروح الحياة البغدادية ولصوصها السذج،وتشير إلى جزاء أنثوي لتحقيق العدل، وتحكي أن صباحات بغداد لحظات جوهرية تكشف عن لصوص المدينة.
يفترض النصب وحكايته اشارة تاريخية وجمالية مزدوجة، فمن ناحية هي اشارة إلى اننا سنمسك باللصوص من دون شك آجلا ام عاجلا، ومن ناحية أخرى ان هذه المرأة صارت يدا لتلك العدالة الغائبة،

موقفا اعاد صياغته محمد غني حكمت من خلال امرأة وجرار وماء منسكب، لم اذن سرقت بعض الجرار ؟ اليست نكاية بنا نحن سكان بغداد ان يسرق اللص نموذج وجوده ويتحرر من نظرتنا إليه، ام هناك قصة أخرى من وراء اختفاء اللصوص او الجرار،لا شيء تقريبا يبدو معقولا في حوادث بغداد هذه الايام، ما الذي سيتبقى من بغداد اذا اختفى كل صباح جزء ما منها،كلما استيقظنا صباحاً وجدنا ثلمة في وجه المدينة، او اختفى معلم من معالمها.
يتحدث البعض عن مبالغة كلامنا عن بغداد بوجوهها المختفية، والحقيقة ليست الا تأكيدا من جانب شهود على صدق دعوى هذه المدينة التي تتحطم ذاكرتها كل يوم او تختفي صفحة من صفحاتها كلما جاء يوم جديد، لذلك يجدر بنا ونحن نكتشف اختفاء جرار محمد غني حكمت ان نتحدث بانكسار عن شخصية العدل التي تصب الزيت على رؤوس اللصوص، ونستغل المناسبة مجازا وواقعا للاستدلال على ما يجري من فجائع بدلا من الكلام عن الموسيقى واختفاء الجمال عن وجه المدينة، بدلا من التنظير عن أزمة النقد، او حتى مستقبل الرواية في العراق،فسرقة جرة من هذه الجرار اشارة إلى فساد العقل والسريرة في هذا الزمان،إشارة للامتهان بقيم العدل والحق بالحياة. وهو ما يستوجب الندب واعلان الويل والثبور على مجاهرة اللصوص بسرقة المدينة، لقد جرى العرف تاريخيا وشرعيا ان يكشف عن اللصوص علنا للعامة، وهو ما قدمته مخيلة النحات برومانسية ملحوظة مخففا من حدة الزيت بالماء،بينما نحن اليوم يتجرأ لصوص مدينتنا على اعلان سرقتهم في وجوهنا دونما خجل أو حياء.
ان فكرة سرقة جرار محمد غني حكمت تفتح لنا بابا يشرف على حقيقة سرقة العراق بكل ذاكرته وأمواله وثرواته، سرقة تتناغم مع ما يسرق من حياة،لن يبدو مجديا ان نلوح للمعنى بهذه الاشارات، وانما الحقيقة تستوجب القول كيف يتجرأ اللصوص على اختراق حقوقنا ونظام حياتنا،الآن هل نحتاج لتأويل سرقة جرار محمد غني حكمت الى ما يجري من نهب لخيرات العراق، قد تبدو المناسبة متأخرة للكلام عن العراق الذي يسرق، فكلما جاءت نشرات الاخبار بصور عن مخيمات المهجرين وهم يجلسون امام خيامهم وسط الازبال والذباب ستسقط جرة من هذه الجرار، كلما هرب مسؤول ما بملفات واموال يقل الماء او الزيت الذي تسكبه المرأة التي اعتلت ساحة كهرمانة، كلما تحطم بيت هنا، او قتل طفل هناك، او هرب مثقف إلى هناك ما يخاف منه ان تُنزل هذه المرأة يوما من مكانها، او تختفي فيختفي الدليل على ما يجري، ومحمد غني حكمت بعيد عن جراره، والمرأة التي ابتكرها رمزا لضبط المجرمين واصدار الحكم عليهم حرقا بالزيت، ملحمة ابداعية ستبقى جرسا يدق كلما سرق شيء من حياتنا.
كم مررنا بهذه الجرار، كم اتخذناها دلالة لموعد، او ضربناها مثلا لفكرة اللصوصية، اذا كان هدف النحات هو الكشف عن حقيقة ما، فنحن ندعوه للعودة فثمة لصوص يحاصرون كهرمانة بالنسيان واتلاف جرارها بعدما راحت هذه الجرار تختفي تباعا.ان موضوع اختفاء اجزاء هذا النصب ينتاب ضمائرنا، الخشية من اختفاء كهرمانة خشية جمالية وواقعية لحسنا الانساني الذي يسرق، لثرواتنا التي تنتهب، احلامنا التي تلاحقها كائنات الليل،هناك مجال للتفكير في المحافظة على ما تبقى من جرار، الامل في بقاء كهرمانة واقفة وسط ساحة ببغداد يستفز البعض، ما من شك في ان لسان حالها هو ما يستفزهم وهي تقول حكمها: هكذا هو مصير اللصوص في بغداد.

****

المدى

دفاتر