في صحبة محمد مبارك.. كانت لنا ايام
علي حسين
استعير عنوان
كتاب انيس منصور (في صالون العقاد
كانت لنا ايام) ليكون عنواناً لمقالي عن الراحل
الكبير محمد مبارك فمثلما يصف انيس
منصور العقاد بانه كتاب يتوسط صالون البيت فان
محمد مبارك كان كتابا يتنقل بنا
بين الفلسفة والادب.. والمسرح والفكر.. السياسة
والاجتماع..بلا تكلف ولا افتعال
باسلوب متميز في الحوار وطريقة في الكلام متشعبة
وممتعة. سلسة وثرة في ان واحد تراه
يناقش اخطر الامور بلغة بسيطة ويفلسف ابسط
الاشياء بلغة عميقة..فيلسوف عقلاني
كان يضع كل شيء موضوع التسائل والتامل باحثا عن
علة كل ظاهرة ثقافية
واجتماعية..كانت عقلانيته عصب المنهج النقدي الذي ورثه عن
استاذه الدكتور علي جواد الطاهر
والذي زاد عليه مبارك عمقا وتطورا بالاطلاع على
الدراسات الادبية الحديثة واهمها
دراسة الادب النقدي التي كان مبارك على اطلاع كبير
باهميتها..
اما الفلسفة فكانت عشقه الذي لايكف
عن القراءة والجدل فيه باحثا
عن كل مايشبع ميوله الى الحوار
والتحليل فكان بذلك طرازا نادرا من المفكرين الذين
وهبوا حياتهم للبحث والتامل مؤمن
بان لاشيء في الحياة اعلى قيمة من المعرفة..وقد
لخص بنفسه سلوكه المعرفي في كلمات
اكاد احفظها لعمق ومعانيها وهي كلمات تقول (ان
العمق والتحليل الدقيق والمنتظم
صفات لاتاتي الا من الثقافة العلمية والثقافة
الفلسفية أي من الثقافة العقلانية
بشقيها..وفي الواقع لاتزال الثقافة في مجتمعنا في
حال ضعف شديد على صعيد الثقافة
العلمية والفلسفية ويظهر اثر الضعف هذا في المفكر
الثقافي العراقي على اختلاف انواعه
وفي نوعية التفسيرات التي نجدها في تيارات هذا
المفكر للواقع الاجتماعي
والثقافي). هذه الكلمات علينا ان نتامله بدقة فهي خبرة
مثقف بارز وشهادة باحث من اندر
الباحثين الذين جادت بهم الثقافة
العراقية..
وكانت لمحمد مبارك قدرة عجيبة على
شرح اعقد الافكار في وضوح نادر مما
يؤكد عمق الثقافة ومدى امتلاكه
المفاهيم التي كان يعرض لها.. ولم يكن هذا العمق
بعيدا عن النزعة الحوارية التي كان
بعضُها متشبها بالفلاسفة اليونانيين الذين
اعتبروا ان الحوار جزء اساسيا من
اجزاء الفلسفة..وبحواراته كان يندفع بالجالسين من
حوله للابحار في عوالم الكتب
والافكار والرؤى والاجتهادات.. متناولا كل مايقال
بالتحليل واضعا اجتهادات الاخرين
موضع التساؤل حريصا على بث الثقة في نفوس
محاوريه..وكنا نحن الذين نجلس حوله
لانتردد في الخوض في اعمق المسائل مادام هو
موجوداً بيننا واثقين من انه سياخذ
بايدينا الى شواطىء المعرفة الحقة.. ولازلت
اتذكر مناقشته لي حين نشرت القسم
الاول من دراستي المطولة عن مسرح يوسف العاني عام
1980 في مجلة الثقافة وكان فيه
تعريض للنقد لمقالات نشرها محمد مبارك عن مسرحيات
العاني حيث حاولت في هذا الفصل ان
اثبت خطا الاحكام التي اطلقها مبارك على هذه
المسرحيات.. وكنت وقتها قد التقيت
أبا حيان في مكتبة بدائرة السينما والمسرح وكان
يشغل حينها منصب مدير عام المسارح
ضحك بوجهي وقال (الفكرة التي طرحتها عن مسرحيات
العاني كانت جيدة..ولكن فيها شيئاً
من الحماس.. والحماس يفقد الباحث الكثير من
ادواته التحليلية.. لننتظر نهاية
الدراسة بعد ذلك نقراها هنا ومن ثم نصدر الاحكام)
وبعد صدور الدراسة كاملة طلب مني
محمد مبارك ان نقرأها سوية في جلسة واحدة ولساعات
طويلة وهو يستمع لوجهة نظري بانصات
المتامل ملاحظا دلالة مفهوم الحرية الذي كنت
اركز عليه في نصوص يوسف العاني..
وبعد ان انتهينا من القراءة نظر الي ضاحكا وقال
(البحث جيد.. لماذا لاتنشره في
كتاب.. وساكتب له المقدمة)وتكرر الحال حين قدمت له
مسودات كتابي نماذج من الاخراج
المسرحي في العراق فمنذ اللحظة الاولى وضع المسودات
موضع المسالة ممعنا في التحليل
ممارسا تقنياته الفلسفية في المناقشة فخرجت المسودات
من بين يديه بمقدمة نشرت مع الكتاب
عام 1981 كانت بمثابة غنى للكتاب ولمفهوم النقد
المسرحي في العراق.. ولم يكن حال
محمد مبارك معي وحدي وانما كان حاله مع كثير من
الذين يلجاون اليه بابحاثهم واجدين
عنده الاحترام لحق الاختلاف ومرونة في تقبل
الجديد وقدرة مذهلة على تطوير
افكار الاخرين وتعميقها
***
كان المسرح جزء
من اهتمامات محمد مبارك وقد كتب
عنه مقالات كثيرة ودراسات عدة لكن النص المسرحي اخذ
حيزا كبيرا من اهتماماته فاصدر منذ
عام 1977 عددا من المسرحيات ابرزها (الانسان
والقضية - عن المتنبي- الشاعر
والصعلوك –عن عروة ابن الورد ،قلق الرؤيا وعذاب التيه
عن امية بن ابي الصلت – ابو العلاء
المعري –البيروني وامتحان العقل – محنة الفيلسوف
عن الرازي واخرها مسرحية عن الحلاج
وكنت اسئله مرارالماذا تستهويه الشخصيات
التاريخية ليقدمها في المسرح فكان
في كل مرة يعدل نظاراته ويجيب..
-انا من هواة
المسرح الفكري.. ولهذا الجا الى
التاريخ لتحقيق هذا الهدف انني اعتبر الشخصية
التاريخية هي شخصية معاصرة..لكنها
شديدة التركيز والتكثيف هي تصوير للعصر وبنيته
بنوع من الشمول قد لاتتوفر في
النماذج المعاصرة. واكملت الحديث بسؤال اخر :-لكن
البعض يعتبرلجؤك لكتابة المسرحية
التاريخية هو نوع من الهروب من قضايا الواقع
المعاصر ؟
-من الممكن ان نكتب التاريخ لنبتعد
عن الواقع لكن من الممكن ان نكتب
التاريخ لنقترب من الواقع انا في
المسرح اسعى لاكتشاف مقومات الشخصية العربية من
المؤسف ان ليس في مسرحنا شخصيات
مثل هاملت او الليدي مكبث او الخال فانيا او
اوديب.. لابد لنا من بناء عدة
شخصيات مسرحية تمثل شخصية الانسان العربي فاذا كان
هاملت يمثل عصر النهضة الاوربية
وقلقها.. فان عروة بن الورد يمثل قلق الانسان
العربي الذي يعيش قضايا العصر فما
هي القضية التي اردت طرحها في عروة بن الورد انها
ثمن تحقيق العدالة الاجتماعية..
الامر نفسه في أبي العلاء المعري الذي يشبه وحدته
وعزلته الملك لير في اخر ايامه..
وكان محمد مبارك يؤمن بان المسرح هو المكان
النموذجي الذي يتامل فيه الانسان
شرطه التاريخي والوجودي معا وان المسرح شرط من
شروط قيام المجتمع وضرورة من
ضرورات نموه وازدهاره مؤكدا في مقاله نشره في جريدة
الجمهورية عام 1982 بعنوان(المسرح
والحرية) ان المسرح لايتجسد الا في مجتمع مدني
الحرية فيه اللازمة المنطقية
التعددية والتنوع الخلاق.وان المسرح لايزدهر الا
بمقدار ازدهار الحوار في المجتمع
ومن ثم صعود هذا المجتمع على درجات سلم الانتقال
من مستويات الضرورة الى الحرية
المقترنة بالتسامح واحترام حق الاختلاف ان المسرح
يختنق ويلفظ انفاسه بالمقدار الذي
تغيب فيه الحرية عن المجتمع وينعدم
الحوار.
***
لم يكن محمد مبارك مجرد ناقد ادبي
بل كان طرازا فريدا من
المبدعين الذين تتعدد مواهبهم
وتتنوع اهتماماتهم بدء النشر في الفلسفة واصدر عام
1971 كتابه الكندي فيلسوف العقل
لتتواصل رحلته مع الفلسفة التي اصدر فيها عدداً من
الكتب والدراسات كان ابرزها مواقف
في اللغة والفكر.دراسات الفكر العربي الاسلامي.
العقل العربي عند محمد عبد
الجابري. لكن المشروع الاهم الذي شغل محمد مبارك هو
انجاز الموسوعة الفلسفية التي نشر
العديد من فصولها في عدد من المطبوعات العراقية
والعربية. ولاشك ان التعدد في
انشطة محمد مبارك والتنوع في مجالات كتاباته هو اول
مايلفت انتباه من يقترب منه فالى
جانب التوقد في الابداع المسرحي والحماسة التي
لاتفتر في مجال النقد الادبي هناك
الحركة التي تنتقل من مجال الى مجال. من نقد فني
الى نقد فلسفي ومن الغرام بفنون
الدراما الى الغرام في علم الاجتماع انه التعدد
الذي يبدو صاحبه نهما في القول في
كل مجالات الابداع المعرفي ساعيا الى امتلاك كل
مفاتيح الكتابة وادواتها. وكان
محمد مبارك الناقد يدهش الجميع بقدرته على اكتشاف
البياتي والسياب ويوسف الصائغ
وتذوق كتاباتهم بنفس القدرة على تذوق كتابات الجواهري
والمتنبي وابي العلاء.
وكان محمد مبارك الفيلسوف يكتب عن
الفارابي بنفس قدرة
الاكتشاف التي يقف عندها حين يكتب
عن هيجل او برجسون.
وكان محمد مبارك عالم
اجتماع يكتب عن ابن خلدون بنفس
قدرة التامل والتحليل التي يكتب فيها عن علي
الوردي.هكذا كانت ملامح المثقف
والفيلسوف وعالم الاجتماع والكاتب المسرحي والناقد
الفني والادبي محمد مبارك وهي ليست
ملامحه وحدها بقدر ما هي ملامح الثقافة العراقية
المعاصرة خلال اكثر من نصف قرن
لقد كان محمد مبارك قطعة عزيزة
مشرقة من تاريخ
الثقافة العراقية ونموذجا اصيلا للمثقف
الثوري الذي لايفصل بين فكره وحياته بين
اراءه ومواقفه بل يجعل من رايه
معركة حية..
مات محمد مبارك وقضايا الديمقراطية
والعدالة الاجتماعية والفكر
الفلسفي والنقد الادبي والفني احوج ماتكون اليوم الى
كلماته ومواقفه.
****