المسافر للمدى
وداعاً بسام الوردي
علاء المفرجي
مثله مثل ابناء جيله، حيث الاهتمامات المتعددة، وضغط الرؤى والمكنونات الابداعية تموج داخله، تصيرها الموهبة ابداعات تتوزع بين القصة والمسرح والسينما والشعر والتشكيل.
ومثل ابناء جيله ايضاً، ارتهن العطاء الابداعي لديه بثقافة موسوعية كان يرى فيها ارضاً خصبة تتجذر فيها الموهبة لتينع ثمار الابداع.
بسام الوردي.. اسم لا تخطئه عين المتابع لمسيرة الابداع العراقي، بما قدمه من منجز فرض حضوره القوي في المشهد الثقافي العراقي في غير جنس من اجناس الابداع.
واذا كان للمسرح والقصة والشعر وحتى النحت نصيب يعتد به من عطاء هذا الفنان الكبير. فان للسينما الحكاية الاهم والنصيب الاكبر، حيث اثبت فيها ان تلك المجالات التي ولجها باقتدار لم تكن إلا اختباراً لادواته الابداعية لاقتحام عالمه الذي يحب السينما، والذي بقي برنو إليه مخلصاً وعاشقاً، حتى اعاقه فراش المرض عن التواصل معه.. هذا العالم الذي كان يحرم من ولوجه، لولا تلك المصادفة القدرية بحسب تعبير (زفايج) والمتمثلة باستحداث اكاديمية الفنون الجميلة عام 1960 ليكون من اوائل الملتحقين فيها للقاء معشوقته.. هذه المصادفة التي جعلته يترك دراسة (البايلوجي) ويتفوق في (السينما).
دخل السينما من بوابتها الاصعب، الفيلم الوثائقي والقصير، وكأنه كان مصراً على اكتمال ادواته، ويطمئن لفعلها والذي تجلى بافلام توافرت فيها كل عناصر الصنعة لتعتلي باقتدار منصات الفوز في غير مهرجان سينمائي، وقبل ذلك كانت قد اعتلت ذائقة النقاد والجمهور.. (اغنية لشمس الصباح) وافلام وثقت حياة مبدعين عراقيين (عطا صبري) (محمد غني حكمت) و(خالد الرحال).. ولكن يبقى الاهم بينها (حكاية للمدى) وهو الفيلم الذي كرس منه احد اهم اساتذة هذا الفن في العراق و(حكاية للمدى) الذي وضع فكرته وكتب قصائده الشاعر والكاتب رياض قاسم .. رحلة في السيرة الحياتية والابداعية للفنان والقاص (يحيى جواد).. هذا الفيلم الذي يعد بحق المنجز الاهم لافي مسيرة الوردي حسب بل في تاريخ الفيلم الوثائقي في العراق، لقد كان درساً في التوثيق البصري.
من هذه البوابة دخل مجال الفيلم الروائي في (ليلة سفر) الذي ذبحه المونتاج الرقابي للمؤسسة الثقافية المقبورة، الامر الذي سبب في حظر اطلاقه في صالات العرض، حتى كتابه هذه السطور على الرغم من زمن انتاجه الذي جاوز الربع قرن.
ومثل أي مبدع حقيقي كان يتردد كثيراً في اختيار نصوصه، وان اختار فانه يشبعها دراسة.. قال لي مرة ان النص الذي يختاره لاي كاتب، هو النص الذي كان يتمنى ان يكتبه هو.. وكان لي ان المس قوله هذا مجسداً يوم جمعتني واياه لجنة لقراء وتقييم نصوص درامية لحساب دائرة السينما والمسرح ويومها قدمت له تقييمي ان لا نص يستحق الانتاج، لافاجأ بالملاحظة نفسها منه مع استدراك خصني به من انه قرأ النصوص وكأنها مسنودة لاخراجه هو فوجدها لا تستحق.
مع رحيله.. فان بسام الوردي قد انهى حكايته لكنه اختار المدى مستقراُ.. وداعاً بسام الوردي
****