استدارة
واسعة حول سعيد أفندي وبغداد
وراوة
سهيل
سامي نادر
أتأمل صورا فوتوغرافية قديمة تمثل
نوري الراوي
يتحدث مع الممثلين في فيلم سعيد افندي
التقطت اثناء تصوير الفيلم وبين الاستراحات.
ماذا يفعل فنان تشكيلي هنا؟ لقد
أدرج اسمه بوصفه ملاحظاً السيناريو للفيلم. هو
الرسام كان عليه ان يكتب في الفن،
ويمارس دور المثقف والتقني، ويجمع ادوارا عديدة
تحتاج الى تدريب. كان الفقر
والحاجة الى التحديث يجمعان ما لا يجتمع على سطح واحد.
في السبعينيات من القرن الماضي كتب
فنانون عن رداءة النقد الفني المنشور في الصحافة
وما دروا أن الجماعة الفنية هي
التي باشرت هذا النقد كضرب من الاعلام في بيئة تفتقر
الى المعرفة ووسائل التعريف. لن
يكتفي الراوي بأن يكون ملاحظ سيناريو إذن، بل سيكتب
ريبورتاجا مليئا بالملاحات
والملاحظات عن الفيلم وأبطاله نشر في مجلة السينما
بعددها الصادر10 تشرين اول 1956.
الراوي الذي يمتلك ارشيفا كبيرا جمع فيه آثاره
وآثار الآخرين، يثير دموعه بين
الحين والآخر، ضم هذه الصور الفوتغرافية اليه، وهي
اليوم تخرج منه للمرة الاولى
ها هو هناك في الصور يمارس دورا
غريبا: لعله
يساعد الممثلين في الحفظ، يتأكد من
استعدادهم، أو ينسق بين المشاهد المنفصلة
والادوار والزمن؟
الزمن والتمثيل
الزمن! كان الراوي يمثل دورا في
الزمن
الاجتماعي- الثقافي الذي كان يحيط بالمعلم
الفصيح الطيب القلب سعيد افندي. يوسف
العاني الذي لعب دور سعيد افندي
كان قبل هذا الفيلم معروف كأفضل ممثل مسرحي عراقي،
خريج حقوق، كاتب، صاحب مقالب ونكات
ومناضل اجتماعي وسياسي.

كان الفيلم
تجربة في التماثل المعسول بين
الواقع وصورته السينمائية. ممثلو الفيلم المتنكرون لم
يظهروا غرباء حتى في الشوارع
والمحلات التي ضيفتهم، سعداء في صورهم التذكارية،
سعداء بهذا اللقاء بين زمن التمثيل
والزمن السينمائي، ولعلهم اعتقدوا، من دون أن
يكونوا على خطأ تماما، إنهم خرجوا
من هنا الى هناك، ثم عادوا، من الباب نفسه. وما
كان ثمة اختلاف كبير في الحقيقة
بين الزمنين. بسبب واقعية الفيلم، وبسبب أن العراق
بدا شابا واعدا يغادر تعاسة الماضي
بقوة أموال النفط، على الرغم من أن آثار طوفان
نوح المدمر ما زالت ماثلة وندية في
ريفه الغامض.
كان الممثلون في ذلك الزمن
جادين بصرف النظر عن أدوارهم
ومراجعهم وموضوعات نشاطهم الفني، سواء لعبوا ادوارا
موليرية مع تهريج من اختراعاتهم،
أو جربوا الكآبة الرمادية لتشيخوف، أو استولوا على
ملامح من الواقعية الايطالية كما
في سعيد افندي، أو تعاونوا لاخراج حبل طويل من بطن
مريض في عيادة الدكتور شاكوشيان.
كانت الرسالة الفنية تضم عناصر التحديث والحرية
السياسية والتدريب الفني والاثارة
وفنون العرض والتهريج وابتذالات الملاهي. وكان
السهو العظيم والجميل يتكفل في
اخماد الهواجس المخيفة، فضلا عن أن من يمثل يستولي
عليه زمن آخر، بل لعله سيستغرق،
وهو ساه سهو السعيد، بزمنين اثنين للحاضر يتصلان
بباب موارب تغطيهما سماء العراق
المتوهجة.
وسيم بسبع صنايع
في الصور تبدو
تعابير الراوي كأنه يعرف أن
الكاميرا تترصده، لو كنت على الجهة الأخرى من الصورة،
أو على مقربة منه، فلربما تعرفت
على خجله الطبيعي جدا الذي يظهر كأنه انتفاخ بسيط
في خديه، انتفاخ من حجز ابتسامة
ساذجة تريد الافلات من شفتيه. سيظل هذا الخجل معه
حتى بعد خمسين عاما، لكنه غير من
تعابيره قليلا بسبب العمر، فهو يبدو اليوم مثل من
وضع في فمه حلوى وراح يمتصها ببطء.
كان الراوي وسيما وسامة ملحوظة،
يكاد يشبه
بطل فيلم عربي في نهاية الخمسينيات، لعله
كمال الشناوي. ولست اشك في أنه لو كانوا
قد طلبوا منه التمثيل بسبب الحاجة
الى وجهه لما تردد. لقد ظهر الفنان الشامل في
العراق قبل ظهور هذا التعبير
كاصطلاح، مثلما بز الفنانون العراقيون العاب شكسبير في
التنكر والتحول ليس بسبب ضرورة
داخلية فنية بل بسبب اجتماعي خالص. لعل الراوي أكمل
الصنائع السبع مع تنكر موارب، ففي
تلك الأيام نفسها كان موظفا في المستوردة. ومعروف
أن أكثرية الفنانين كانوا موظفين
في الدولة، ليس باسم مهنتهم الفنية بل باسماء
الملاك الاداري حتى لو كانوا
مدرسين في الفن. لقد ظلوا مكفولين حتى بعد العد
التنازلي لموت الدولة في
التسعينيات. عندما كنا انا وهو عضوين مؤسسين لرابطة النقد
الفني في الثمانينيات جرنا الحديث
عن تلك الأيام العصامية المجيدة الى الاعترافات،
وقد وجد في نفسه الشجاعة ووجد في
الثقة، ليخبرني انه كان موظفا في المستوردة. كان
يريد ان يعرفني على وجهه الحقيقي
بعيدا عن سنوات الثمانينيات التي شوهت
الوجوه.
سألته: هل كنت في ذلك الزمن (...)؟
ابتسم وتورم خداه واحمر قليلا
ولم يقل شيئا حتى ولا هزة رأس، لا
سلبا ولا ايجابا

بسبب هذا
وذاك
كانت المستوردة دائرة حكومية
مسؤولة عن استيراد البضائع المختلفة من الخارج
في الخمسينيات. ومن دون أن يبدو
الأمر متعمدا امتلأت بالموظفين التقدميين، ثم علم
أن الباشا نوري السعيد الرجعي أوصى
بتشغيل التقدميين فيها لأنهم عصاميون أمناء
وشديدو الحرص على (أموال الشعب).
كان هذا جزءا من مناخ اجتماعي تسود فيه معرفة
ضمنية متواطئة بين السلطة والمجتمع
دون أن تتحول هذه المعرفة الى سلطة او تقاد الى
تحول ديمقراطي هادئ. وبالعكس تبددت
هذه الاخلاقيات بلؤم، لأن السلطة قطعت الصلة
بشعبها نهائيا، والشعب كان يتمرى
بغضبه وأحقاده. ذلكم هو سر الشيخوخة المبكرة
للعراق الحديث. السلطة تقطع
الاتصالات والشعب يتعلم السحل بالشوارع والتمثيل
بالجثث.
وبسبب هذا، بسبب السلطة، وبسبب
النظام السياسي الرجعي، والثورات التي لا
تثور على شيء محدد، وعتعتات
المخاوف والهرب والانتظارات المروعة والخطب الرنانة
والشعارات التي تثير مغالطات لا
يستوعبها العقل، دار الزمن بسرعة هائلة، بحيث بدا
الشبان شيوخا، وبات الحصول على
المعرفة عن ماضينا وجمعها أشبه بجمع تذكارات تهيج
الدموع والالم والحسرة. لقد تحول
ما هو وطني عام وذاب في استذكار شخصي انتخابي
تتغيم فيه وجوه الأشخاص وتعالج
الموضوعات في ذاكرة متعبة تشتتها آلام المفاصل وتخيل
الموت. فيالها من عزلة مخيفة!
العمر
في نيسان من العام الحالي كنت في
اربيل
لحضور اسبوع المدى، وهناك شاهدت نوري
الراوي، كنت أشكو من آلام ظهر رهيبة وطنت نفسي
على ان اعتادها في جسدي وعقلي
وارادتي حتى لا أصرخ وأبكي. تصافحنا، ويبدو لي انه
تكلم عن شيء لم أتبينه أو أسمعه،
شعرت أن جسده اهتز بفعل مصافحتي له، كان خفيفا
يكاد يطير، لعله قصر قليلا، وكنت
أنا نفسي قد استوعبت ما يجري لي: مريض وبامكان هبة
هواء أن تطيح بي، فكنت أخفف السرعة
شاعرا أن لا وقت لي. بيد أن صاحب الصنائع السبع
رفع صوته وذكرني بمشروع طرحه قبل
نحو ثمانية اعوام في البحث معا في كنوز ارشيفه من
كتابات ووثائق للخروج منها بكتابة
جديدة. والحال إنه كان يذكرني طوال هذه السنوات
كلما التقينا، لكنه لم يبادر
بمشروع محدد أستطيع أن استوعبه وتتوفر أمام نظري
وثائقه. فضلا عن ذلك كنت أنا نفسي
لا أحتفظ حتى بكتاباتي، ولا يعول علي بالتنظيم،
وليس من السهولة اغرائي بمشاريع
الثقافة الا بعد توريطي بخجلي وارتباكاتي التي لا
يعرفها غير اصدقائي القليلين.
الآن هاهو الفنان في شبابه في
الصور، وهاهو يشد
بنطلونه على بطنه الضامر في شيخوخته،
وهاهي مجلة السينما التي اصفر ورقها التي كتب
فيها عن سعيد افندي.
انا والراوي والعاني
قبل ايام ليس الا التقيت بيوسف
العاني بطل الفيلم في معرض فني
لمحمد غني حكمت أقيم في الاردن. أظنه شد بنطلونه على
بطنه الضامر هو الآخر الا أنه أخفى
ذلك بترك قميصه يغطي حزامه، في حين ها هو في
واحدة من صور سعيد افندي شابا
بسدارة سعيدية ينظر باغواء بغدادي الى الممثلة زينب
– زوجته في الفيلم. حزنت وأنا
أصافحه، فبقدر ما أراد أن يتظاهر بمعنويات عالية ظهر
شاحبا حزينا. أردت أن أحدثه عن
مجلة السينما وسعيد افندي وخفت أن لا يتوقف بحماسه
المعهود. سألني عن كتابه الذي قدمه
للمدى. بدا لي الأمر غريبا.
تعلمنا الصور
القديمة عن أنفسنا بوصفنا سيرورة
متحولة الى غبار ودخان. لكن كثيرا ما ننسى اننا
راحلون، وكثيرا ما تنتصر عاداتنا
على نحو نبدو فيها نعض على النهايات.

والآن أنا والراوي والعاني كنا قد
غادرنا بيوتنا غصبا، سلخونا عن
مدينتنا. أهذا من فعل سقوط التاريخ
على رأسه؟ من فعل غزوات القوى النشطة والمخربة؟
ليس الامريكان وحدهم من انتصر في
مقتل الوطن. والعشيرة الثانية؟ هل انا من قال
الثانية؟
أكاد أشعر بأنني شبح، هل هما
يشعران مثلي؟ ما الذي تبقى؟ أي مشروع
يستحق أن نركض خلفه في الوقت
الاضافي ونحن مجرد ضيوف؟
الاسطورة
البغدادية
أتأمل البيوت البغدادية التي ظهرت
في صور فيلم سعيد افندي في ضرب من
التعويض. أفكر أن الفقر والالتياع
والحنين الممض قد يعوض بسلوك رمزي: هذا يسري
عليَ، وعلى الراوي والعاني، وقد
يسري على كل من عاش في بغداد وغادرها مضطرا، فثمة
مجموعة من التذكارات تخطم في رأسه
وتجعله يرن. إن مثال جواد سليم قوي جدا، ففي
رسومه البغدادية وحَد الانسان
والبيوت والادوات والاشكال بخطوط دائرية ولوزية. لقد
رأى أن بغداد ببيوتها واناسها
وأدواتها وأشكالها تمثل طرازا.
والحال إن
البغدادي المنتبه على عالمه
الاجتماعي يرى شخصه مع البيوت التي عاش فيها، وغادرها،
وظل يتذكرها، ويحن لها، ائتلافا
منسجما بين عادات السكن وطرازه وطرق العيش والتفكير
والحالة العاطفية، حتى أن
اختياراته التالية، واضطراراته، بل وخراب مدينته، ستغمر
بضرب من العاطفة التعويضية، أو
تندس في قصة دراماتيكية ذات اهداف وتفاسير وخيالات
بغدادية. سينسى أن يقول انه لن
يرجع. لن يستطيع. لا سبيل للعودة الى زمن سعيد افندي
أو أي زمن عشناه نظن انه سعيد.
سيخلط الزمن، يخلط الأوراق، يحن
حنين الجواري،
لكنه المتكلم الآن، الموجود، الحي، إنما
يمثل ذلك الطراز الذي أظهره جواد سليم
مختزلا ومؤسلبا. سيناقض نفسه،
ويظهر طوباويا وفخورا، الا أنه في اللحظة التي يشعر
بالضعف يرى انه محق، وحجته مقنعة،
وسوف يسوق أمامه بعض التركيبات السياسية
والاجتماعية. فبعد زمن
الدكتاتوريات والتفكك والحروب، بعد ترييف المدينة وتحطيم
ارادتها الثقافية والمدنية، سنحتاج
الى حكاية رمزية مجتمعية عن مدينة احلام، مدينة
يتآخى فيها الجميع.
والآن تلك هي وظيفة بغداد من زاوية
رجل اعتاد الرهان على
انتصار عوطفه وما يعتقده بوجود
حقيقة لمدينته تتجاوزنا: البلسم. ترياق لمعالجة
أمراض العنف. حجة بوجه ريفي متسلط.
تعالي المتفوق الاخلاقي بوجه اللصوص والأفاقين
والعشائريين والطائفيين
والمناطقيين والحاقدين على التمدن.
بهذا المعنى تبدو
بغداد اسطورة- اسطورة تجعلك تبكي
لأنك تعرفها وواثق من أنها وجدت وأن الناس اللذين
خرجوا من احشائها وأزقتها موجودون
الا انها لم تعد موجودة بصيغة ذلك الائتلاف
السلمي الداخلي. لقد جاءها هادم
اللذات ومفرق الجماعات بهيئة اميركي وارهابي ولص من
الاجلاف.
خطبة سعيد افندي
ما زلت أذكر المشهد الذي يظهر فيه
سعيد افندي يلقي
محاضرة شعبية في المحلة مؤكدا ضرورة
التفاهم والحب وحل الخلافات ما بين الجيران على
اساس من روح الجيرة والاحترام. ما
حدث بعد ذلك في صالة السينما كان لا يصدق، فقد
راح الجميع يصفق بحرارة حتى بدا أن
مظاهرة على وشك الخروج من الصالة الى الشارع.
كان الخطاب الشعبوي الذي يجيد يوسف
العاني صياغته والقائه، يتحول دلاليا بقوة
الحالة السياسية والغيوم الماكثة
والعابرة فوق المدينة. من العاب الصغار وخلافاتهم
البريئة الى العاب الكبار
وخلافاتهم وردود افعالهم الخطرة، من المحلة الى الوطن،
ومن الوطن الى البلاد العربية غير
المتصالحة مع بعضها البعض. وقبل كل شيء هناك
اختزالات البغدادي الشعبي الذي
يمتلك قائمة من الوصايا والتوصيات والامثلة ورثها عن
اجداده، البسيط، ثم الابسط، ثم
الحكمة التي لا تناقش حتى لو كانت غامضة ولا يرجى
منها أي حل. وبهذه الروح
الاختزالية لا الاهداف، بهذه الثقافة التي تعرف عمليات
الجمع والطرح، ولا تعرف عمليات
الضرب والقسمة واللوغاريتمات، تصرف السياسيون سواء
كانوا في الحكم أو في المعارضة
السردابية: كانت بغداد اسطورية اكثر من اللازم، أو
لعل بغددتها كانت كذبة دفاعية
لموازنة مدنيتها ورقتها ببحر العشائر الذي يحيط بها
من كل جانب ويطمع باحتلالها
وتحطيمها.
ربات البيوت وربات التاريخ
في مجموعة
البغداديات لم يظهر جواد سليم أية
حالة تشي بالصراع والاحتدام حتى من جهة التقنية
واللون، على الرغم من قوة السياسة
والايديولوجيا في الحياة العراقية. الا أن خطاب
سعيد افندي السلمي الداعي الى
الصلح جاء بعد معركة اولاد في الشارع، فالدراما تحتاج
الى صراع ارادات ومشكلة ثم حل
ومفاجآت حتى لو كانت خطابا اخلاقيا. لقد احتاجت
الواقعية الايطالية التي كيفها
الفيلم العراقي للحياة البغدادية اليومية الى شيء من
صراعات مفهومة من دون ذروات، الا
انها اظهرت ذلك بلغة شعبية مع وضعياتها ولهجتها
على نحو بدا الخطاب الاخلاقي
ضروريا وجزءا من خطاب بيئة اجتماعية كاملة. لكن من
يدري، فالخطابات تلهم الخطابات ومن
ثم تؤسس للخطابية!
بغداديات جواد سليم أخلت
الدراما الى الدراميين، وأبقت على
مشاهد سهلة لا عقد فيها ولا أهداف أخلاقية. كان
العنصر الجمالي يغطي على
الاجتماعيات، وفي كل الأحوال ما كانت بغداد بالنسبة الى
جواد غير بيت شكلته ربة بيت محبة
طردت منه ربات التاريخ المتصارعات!
لا بد أن
أشير الى أن كلا من الراوي والعاني
لا يعدان بغداديين من لقبيهما الصريحين، بيد أن
بغداد هي حصيلة لقاءات تاريخية،
وتجربة حياة مشتركة، وذائقة وحكمة تشد الساكنين.
والاثنان استاذان في هذا كله.
في كل مدينة متحضرة هناك توجيهات
مضمرة غير
ملفوظة لابد لسكانها وللداخلين الطارئين
اليها الامتثال لها، وبغداد زادت على ذلك
بتأليف (اغنية) تشهَر باولئك
المخالفين غير الممتثلين وتسخر منهم!
طست
راوة
إذا كانت بغداد اسطورة شعبية أعاد
انتاجها التشكيليون والمسرحيون
والحرفيون، فإن لنوري الراوي
اسطورة شخصية اسمها راوة. كتبت مرة ان لنوري حادثا
قديما، فقد سقط رأسه في طست سعيد
اسمه راوة، ومنذ ذلك الحين ظل يسبح في هذا الطست.
هل كان طستا سعيدا حقا؟ كان قد غرق
بسبب اقامة سد حديثة. لقد غرقت مدينة حجرية غاية
في الرقة، مدينة مثل كل المدن
العربية التقليدية، حيث ما يظهر في خارج البيوت يختلف
عما يجري في داخلها. بيوت تلجأ الى
الداخل بعيدا عن العيون ووهج الشمس، وهناك، بين
الغرف والممرات والروازين، تقيم
مملكة العائلة الممتدة التي تعرف كفاياتها وتتوالد
احتياجاتها وتتكاثر في المناسبات
وأحداث الحياة المفرحة والمحزنة. لا أظن أن هناك
رساما رسم مدينته أكثر من الراوي،
لعل اسماعيل الشيخلي يبزه في ناحية الموضوع
الواحد، فالاخير رسم القرويات
ودائما القرويات، في حين كانت مدينة الراوي التي قبضت
على فتاها تفلته بين الحين والحين
ثم تعاود جره من ياقته.حتى حين يفلت من قبضتها
كان الراوي العاطفي حتى الميوعة،
التذكاري، الذي لا يريد غير اظهار روحه وتأكيد
عواطفه، يجد نفسه يرسم الدال
الاكبر لمعنى السكن والسكينة والبيت والعائلة:
امرأة!وسواء رسم مدينته او رسم وجه
امرأة فإن يده ستختار تقنية هذا الذي يتذكر، حيث
الذكرى- الصورة تظهر من خلف غشاء
شفاف.
زينب
ذكرتني صور سعيد افندي بالممثلة
زينب التي كان أحد أصدقائي يراها
انموذجا للانثى العراقية الفخمة، والغريب انني
وجدت الصورة التي تمثلها وهي تعد
فطور الصباح للعائلة معلقة في غرفته على السطح بعد
اسبوعين من مشاهدتنا الفيلم معا،
وقد توسلت به أن يخبرني من أين جاء بها، الا أنه
رفض بقوة وطلب مني أن أحزر، فحزرت
انه سرقها، فراح يوحي لي بحيل كلامية من أن
الممثلة نفسها أهدته له، ومن
الواضح انه كان يكذب بيد أنني فضلت تصديقه، فقد كنا
نلقبه في تلك الايام بجيمس دين
بسبب وسامته، فضلا عن أن قصص الحب الكاذبة كانت
واحدة من تسلياتنا في سني
مراهقتنا. في تلك الأيام كان صديقي يحب الفتيات التي
أحبهن وفعلت هذا بدوري معه، فقد
أحببت زينب وحلمت بها. بعد سنوات، بعد أن مر ماء
الثورة والتآمر والسخافة من تحتنا،
شاهدت عرض الخال فانيا الذي قدمته فرقة المسرح
الحديث على مسرح باب المعظم(يا
الهي نسيت اسمه!). كانت عيني على زينب، كانت رخية
وفخمة وشهية ولا يمكن ان تكون
روسية، وكانت تستطيح أن تطيح بألف استروف بسبب ذلك
الاغراء التشيخوفي العذب، وألف من
الأولاد المتسكعين على حافات الثقافة والسياسة
ومخاطر العيش العراقي المجنون، ثم
بسبب الحزن، وبسبب شبابنا الملعون، وبسبب
احتياجنا الدائم للحب. كانت مجرد
لمسة منها تكفي، نظرة، بلا موعد، بلا موعد. في ذلك
اليوم بينما كانت زينب تمثل(لو
تدرون كم انا معذب من نسيان التفاصيل) فكرت أن سعيد
افندي كان سعيدا حقا بامرأة مثل
هذه. تأملوا الصورة! تأملوا الصور! هذا ما تبقى....
*****
المدى