محمد مبارك .. حياة إبداعية محفوفة بالمخاطر

   عادل عبد الله

 

طفولة شعرية مبكرة
بدأ حياته شاعراً في عصر كان الجواهري الكبير فيه، يظلّ بجناحيه كلّ موهبة إبداعية، أعلنت عن نفسها أو لم تعلن بعد.
لم يكن حلمه آنذاك، ليجرؤ على الرقي به الى منزلة قريبة من الشاعر الأكبر- بل كان حلمه متواضعاً صغيراً يتمثل ببساطة، في أن يتمكن من الوقوف ذات يوم بين يدي الجواهري ليقرأ عليه إحدى قصائده، فكان له ما أراد،  حين سنحت له فرصة احتفال مدرسي، كان الجواهري أحد ضيوفه الحاضرين، أن يواجه الشعر كله، بموهبة الفقيه التي كان يحرص على عرضها أمام الصانع الأمهر، يقول (أبو حيان) مستذكراً وقفته التأريخية تلك قائلاً:
لم أكن أشاهد من بين مئات الشخصيات الحاضرة في القاعة، الاّ وجه الجواهري، كنت ساعتها، مستغرقاً في نوعين من القراءة، قراءة قصيدتي أولاً، وقراءة ملامح وجه الجواهري، وهي تبتسم لي حيناً وتطرق أحياناً، حتى اذا فرغت من قراءتي، ضجّت القاعة بدوي تصفيق طويل، لم أكن أسمع منه، الاّ صوتاً واحداً، هو صوت يدي الجواهري، وهما تصفقان لي. انه المشهد الأكثر بهجة في حياتي، وهي اللحظة التي لا يستطيع زمان طيّها، وكيف يمكن لشاعر مبتدئ مثلي، أن ينسى تحية الجواهري الكبير له!
من تبعية الناقد الى سطوة المفكر
غير أن لعبة الشعر وهي تعتمد الحسية والذات والمخيلة لم تعد كافية لغاياته التي صنعت خاماتها في مرحلة لاحقة من عمره-الواقعية والتجربة السياسية ونزعة النقد والتغيير وضرورة الاعتناء بالآخر، تلك النزعة التي كانت تملأ نفسه المبدعة بلا بقية.
لذا، فلا بدّ من النقد والتجريب في هذه المرحلة، نقد الشعر والقصة، نقد الواقع والتراث والتأريخ والسياسة، ولأنّ النظرة التي كانت تسود آنذاك -تقول بصراحة- بتبعية الناقد الأدبي للمبدع، أراد محمد مبارك أن يشرع في حركة معاكسة يضع خلالها الإبداع كله في قبضة النقد وتحت وصايته، وهي مهمة يعجز الناقد الأدبي عن تمثلها ونسبتها لنفسه، لذا فقد رأى مبارك في مشروع (الناقد المفكر)، العنوان والمهمة الأكثر صلاحاً وأهلية لترويض جنوح المبدعين وإقامة الوصاية على غرورهم، سبيلاً لضبط الحرية التي ينسبونها لأنفسهم في (قوانين) إبداعية تشرف على نتاجاتهم وتنظّم أعمالهم الإبداعية عبر دراسة منهجية حديثة سبق للفكر الغربي أن أجرى أعماله النقدية على  إمكاناتها فكانت نتائج اختباره منقطعة النظير.
هكذا شرع محمد مبارك في بناء مشروعه النقد/ فكري للأدب- معززاً إياه بدراسته لأفكار عدد من الفلاسفة العرب والأوربيين حيناً، وباستحضار أنقى مافي التراث الانساني من خلاصات نقدية رائعة، حتى تمكن بالفعل من تأسيس العلامة النقدية الفارقة الخاصة به وحده من بين مجمل نقاد الأدب العراقيين، أعني، نقده الشعراء انطلاقاً من بنى فكرية وقواعد فلسفية رصينة تضيء العمل الشعري وتكشف عن جذوره الإبداعية وممكناته الواقعية، عبر أداء نقدي ملتزم واضح المنهج والمعالم والانتماء أيضاً.
التجربة المضادة الملتزمة
ليس من السهل على تجربة ابداعية فكرية، امتدت لخمسين عاما، أن تحيا محفوفة بالمخاطر في وسط فكري وسياسي معاد لها بالكامل.
فاذا كانت التجارب الابداعية والنقدية العراقية، على مدى ثلاثة عقود قد أعلنت ولاءها للسلطة، حين اتخذت من مؤسساتها الثقافية وسطاً أمثلاً للعيش من خلاله حيناً وللتعريف بنفسها أحياناً، فان ما لايستطيع أحد نكرانه على محمد مبارك، هو نمو تجربته النقدية والإبداع/مسرحية بمعزل كامل عن غواية السلطة تارة، وبالوقوف بالضد من إرادتها ورموز مؤسساتها السياسية والثقافية تارة أخرى.
كانت السياسة حاضرة في عمل محمد مبارك النقدي بأكثر من أسلوب واحد مبتكر، فهو لا يكتفي بإهمال تجارب شعراء السلطة وتجاوزه لها، بل انه يعزز سلطة معارضته الادبية والفكرية لهم -باتخاذ تجارب شعراء آخرين مناهضين للسلطة مادة نقدية لحقله الإبداعي الخاص يلّمح من خلالها الى نوعية الأدب الحقيقي وماهيته التي ينبغي أن يكون عليها.
ولأن مزايا السلطة ورعايتها للمبدعين والنقاد كانت تخص فقط تلك الفئة المدللة التي قدمت ولاءاتها وباعت ممكناتها للسلطة بلا تحفظ، حصل محمد مبارك على مكانته الرفيعة من رعاية السلطة له، اعتماداً فقط على حضوره الابداعي النادر وإمكاناته الفكرية الفريدة، التي لم تستطع مؤسسات السلطة الاستغناء عنها، ربما لفرادتها أو لحاجة السلطة الثقافية الى إضفاء شيء من الوقار والهيبة على أدائها، وهو ماكانت تراه متمثلاً في تجربة محمد مبارك الابداع/ نقدية وشخصيته التي بناها بعيداً عن مؤسساتها الخاوية.
هموم انسانية ومشاريع لم تكتمل
مالم يكن معروفاً الاّ لدى القليل من أصدقائه، هو، أن الناقد المفكر محمد مبارك - كان في آخر أيامه يتقاضى راتباً نقدياً قدره(200) مائتا ألف دينار فقط، عن منصبه في رئاسة تحرير أعرق مجلة أدبية عراقية، أعني مجلة (الأقلام).
وهي مسألة لا يخفى على أحد مقدار الجور والظلم والاستهانة بقدرات الانسان فيها، خصوصاً حين يرى هذا الانسان المعني، أن (الاميين) والجهلة.
فمن خربوا النظام الثقافي العراقي من قبل، حين كانوا عاملين فاعلين في مؤسساته الثقافية، يتبوأون الآن- وبلاحياء- المناصب الجديدة التي تمكنهم من الاستمرار والمضي في تقطيع أوصال ما تبقى من الثقافة العراقية.
ولأن ما لدى الراحل الكبير من أسلحة نقدية وفكرية لم تعد كافية بسبب سيادة الفوضى وطغيان المصالح، كنت أرقبه يجلس حزيناً الى نفسه يحدثها بهدوء عن أحلامه ومشاريعه ورؤاه... تلك التي وعدنفسه بإطلاقها بعد زوال الدكتاتورية، غير أنها بقيت كما يبدو أحلاماً ومشاريع لم تر النور بعد، أقول (بعد) لأنني كنت أراه على الدوام مشغولاً بتنقيح هذه المخطوطة الفكرية، أو اضافة شيء لذلك المؤلف السياسي، ومعنى هذا أن أحلام هذا الرجل الكبير لم تزل موجودة محفوظة مدوّنة قابلة للتحقق في لحظة ما، ولأن هذه المؤلفات كانت قد كتبت من أجلنا، لا من أجله أولاً، ولأنّ رحيله هو رغم جسامة وقعه، لا يعني رحيلها وضياعها، فأن حرصاً شديداً وعناية فائقة، ينبغي على وزارة الثقافة أن تبديهما أزاء هذه المخطوطات وأن تشرع في نشرها، لا وفاءً وتشريفاً لهذا المفكر العراقي الكبير فحسب، بل لأننا بحاجة حقاً للتعرف على نتاج هذا المفكر وآرائه في اللحظة الحاضرة، اللحظة التي تغير فيها كلّ شيء تقريباً الاّ وضع المثقفين العراقيين، ومكانة الثقافة العراقية حيث أنها لم تزل تقبع في أسفل سلّم الممكنات الانسانية للمواطن العراقي.
هل نقول لأبي حيان وداعاً كما قلناها للراحلين من أصدقائنا سواه؟ نعم، ولكننا سنقولها واقفين إجلالاً له هذه المرة، متطلعين في الوقت ذاته الى مكانته الشاغرة التي لا ينبئ الوضع الثقافي العراقي بأن ناقداً ما سيتمكن من ملئها عما قريب.
وداعاً أبا حيان، وداعاً أيها المفكر العراقي الكبير، فلقد ملئت مكاناً حقاً، ولا عزاء لنا في فقدك، غير هذا العطاء الكبير الذي أغدقته علينا بسخاء بالغ والذي يشير بوضوح الى ندرتك إنساناً ومفكراً.

****

الشبكة العراقية

دفاتر