الفن المهجّر
هدية حسين
كانت تدخل بيوت العراقيين،تسبقها محبة غير محدودة وغير
مشروطة ولا تعرف التمييز بينهم،فهذا مسيحي وذاك مسلم من جميع
المذاهب،عربي وكردي
وتركماني وآشوري وصابئي وايزيدي.. تدخل ضيفة خفيفة الظل ثم
تصبح واحدة من أهل
البيت.. هي السلطانة والمرأة المكافحة وسليمة باشا وعشرات
النساء القريبات من
القلب.
فنانة كبيرة،حساسة،مليئة بالمشاعر،محبة للفن،حاملة رسالة
المحبة
والصدق والإخلاص في العمل.. مسيرتها حافلة بالإبداع والجوائز
والتواصل المستمر
والمتواصل بالعطاء.. إنها الفنانة ابتسام فريد،صاحبة الشخصية
المميزة والأداء
الرائع والملامح المعبرة،التي أعطت الكثير لهذا البلد من
خلال الفن.. مسيرة طويلة
مصقولة بالدراسة والمتابعة الحثيثة والأدوار الجادة،مسيرة
غير مشروطة تجاه من
أحبوها وأفردوا لها مكاناً مميزاً في قلوبهم.
لكن هذه الفنانة الكبيرة
الملتزمة تعاني اليوم من التهجير،الآفة التي لم يألفها شعبنا
من قبل، كدت لا أصدق
وأنا أسمعها وأراها عبر برنامج سيرة مبدع وهي تتحدث عن
معاناتها من هذه الحالة التي
يعاني منها الآلاف من أبناء شعبنا،تحكي دون أن تبكي أو
تتباكى فقد عرفناها عزيزة
النفس.
ابتسام فريد فنانة حساسة مسالمة لم تؤذ أحداً.. ثم فجأة
يخرجونها من
بيتها،بيت الذكريات والجهد وتعب السنين،لتجد نفسها خارج
حسابات المعقول،تخرج من
بيتها دون أن تأخذ أية تذكارات معها،لا تحمل سوى الغصة التي
سكنت القلب
والروح.
هذا هو قانون الملثمين الغارقين في العتمة،الذين لا يحملون
سوى
رسالة الرعب والترهيب وكره الحياة ،المتباهين بحبهم للموت في
شعارات فارغة من أي
معنى أو هدف،هم أول من يمزق تلك الشعارات إذا جاءهم الموت.
ابتسام فريد
فنانة لها ثقلها على خارطة الفن العراقي والعربي،حفرت اسمها
عميقاً في الذاكرة
العراقية وأعطتنا خلاصة تجربة فنية زاخرة بالعطاء على مدى
سنوات من تواصلها
الإبداعي.. ابتسام فريد إنسانة قبل كل شيء،إنسانة حساسة
وصاحبة قلب كبير، ربما لهذا
السبب هجّرها أصحاب القلوب التي لا تعرف الرحمة ولا
الإنسانية ولا عظمة الدين - أي
دين - أولئك الذين يروّعون الأطفال ويخطفون البسمة من الوجوه
.
قلبي معك
أيتها الإنسانة الكبيرة التي ما انكسرت يوماً بوجه الصعاب..
بيتك في القلب بل في
ملايين القلوب.. أقول هذا وأعرف بأنه كلام لا يشفي الجروح
ولا يعيد بيتك الخاص ،
وهو أقل بكثير مما تستحقه فنانة بقامتك.
دعواتي لك ولكل مهجّر ولكل مظلوم
ولكل عراقي حمل الوطن والأهل بين عينيه وفي قلبه،أن تزول هذه
الغمة المغلفة بوحشية
الآتين من عمق الظلام،الغارقين بأوهامهم وأحلامهم المريضة.
ستعودين ويعود
كل مهجّر،ستعودين الى بيتك،والى جيرانك وأحبتك،لأن الحياة لا
تستقيم إلا مع الحق
والخير والجمال.
***
الصباح الجديد