نوارس دجلة

 

 ايمان صالح

 

برغم العنف والحطام الذي نعيشه كل لحظة ومع كل طرفةِ عين...

برغم الذل والقهر الذي بتنا ندفعه ثمناً لعراقيتنا...

برغم رائحة الموت التي تجوب شوارع بغداد الجريحة بحثا عن المزيد من الوقود البشري لنار الدمار التي اجتاحت الوطن...

هناك ما يسر القلب ويبعث على الامل ويرسم ابتسامة طفولية على ملامح وجهي الحزين ووجه اي عراقي مثقل بهموم وطن ٍ كان اسمه العراق...

بيتي يقع في جانب الكرخ...وعملي في الصوب الثاني كما يقولها اهالي بغداد القدماء ...

كلما توجهت الى عملي يوميا وعبرنا فوق احد الجسور وخصوصا جسر ( الاحرار ) ارى منظرا في قمة السحر والجمال وهو اجمل من أروع لوحة فنية رُسِمتْ على يد كبار المشاهير...

انه لوحة فنية تختلف عن لوحات رامبرانت وبيكاسو ودافنشي لأنها مرسومة بريشة الهية... لا بشرية...واين قدرة البشر من قدرة الخالق ؟؟؟

انه مشهد طائر النورس الجميل...

نوارس كثيرة تطير برشاقة على ارتفاعات منخفضة فوق دجلة وبهدوء شديد وكأنها تحلق في الجنة غير مكترثة بالعنف الذي قتل فرحة ارض النهرين وأجهضها أحلام ابناؤها...

ابقى محدقة على تلك النوارس الحالمة لساعات وساعات ( لأننا كعراقيين نبقى عالقين على الجسور لفترات طويلة جدا بسبب الاختناقات المرورية التي تخلقها خطط فرض... القانون...على شعب قُدّر له أن يكون على لائحة الفانين....)

 

أتأمل نوارسي الراقصة من خلف زجاج السيارة التي تقلني واطير معها الى عالم ٍ ثان ٍ ، عالم بريء لا مكان فيه للظلم والغدر والالم...

عالم خالٍ من كل مفردات الإذلال العراقي اليومي ...

عالم ساحر يشبه في سحره ليالي الف ليلة وليلة ...

عالم مثالي اقرب ما يكون الى مدينة افلاطون الفاضلة...

عالمٌ  ٌأرتفعُ فيه عن الارض واحلقُ عاليا مع النوارس وكأنني امتلك جناحين ترفعني الى السماء لتنتشلني من الجنون الذي نعيشه...

 

آه يادجلة الخير يا ام البساتين...

أحمدُ الله ان عاشق دجلة ( شاعرنا الكبير الجواهري ) قد انتقل الى العالم الموازي قبل ان يرى ما آل اليه المعشوق...

واصطبغت زرقة ماؤك الجميلة بحُمرة دم ابنائك...

أمسينا نترحم على هولاكو الذي ألبسك حُلة الحداد بسواد حروف المعرفة...

انطفأت نارُ السمك المسكوف على ضفافك والتهمت معها اشعار ابي نؤاس...

اختفى العشاق مع همسهم وشوقهم واحلامهم...

غاصت زوارقك الجميلة مع ضحكاتها واهازيجها واستقرت في قاعك الحزين مع بقايا الاشلاء...

طعم ماؤك العذب بات مرا ً...

لكنها مرارة لم نذق لها مثيل...لانها... مرارة روحية...

 يا لها من نوارس جميلة وشكلها يذكرني بوجه الاطفال الابرياء...

كم احبك ايها الطائر المبتسم...

لأنك ترسم الفرحة...

في عيون ...ٍ لم تعد ترى غير الويلات ولا حول لها غير الدموع...

على شفاهٍ ... لا تستطيع ان تنطق بالحق ولم تعد تقوى الا على الصمت....

على جباهٍ  ...فقدت شموخها ولم تعد ترفع هاماتها الا في التراب...

 ليتني كنت نورسا اطير عاليا... عاليا... كي انعم بالحرية والانسانية التي سلبت منا عنوة...وقهرا...وقسرا...

 كل ما اشعر به عندما ارى تلك النوارس هو الراحة والسعادة والأمل....املٌ ربما.... في الغد...

انها ملائكة سماوية تهبط على الارض كل يوم لتدعو لبغداد الحبيبة بالخير والسلام...

سأبقى استمع لدعواتك ايها النورس الطاهر...

سأبقى أتأمل أن يستجيب الرب لصلواتك...

شكرا لك ايها النورس الرسول...

          ****

دفاتر