ما وراء المعقول واللامعقول

عبد الستار ناصر

 

فيما وراء المعنى،فيما وراء المعقول،أكاد لا أصدق ما يجري في عراقنا المغلوب على أمره،كم من السنوات سنحتاج حتى نرمم البنية التحتية لإنساننا حتى يتوازن ويستقيم ثانية ويعود الى الحياة ؟
إذا كان النفط هو السبب كله،فليذهب النفط الى الجحيم،وإذا كان النفط هو السبب،فلماذا لا تتعرض بقية الدول التي تملكه الى ما نتعرض له؟أية مؤامرة عظمى ينسجونها حول هذا الوطن الذي أتعبته الحروب والقمع والمعتقلات ؟والمهم،متى سينتهي مسلسل الرعب والترويع والقتل العشوائي،ومتى ستهدأ النفوس وتنام آمنة مطمئنة الى غدها التالي؟
لماذا،ومنذ مئات السنين،مكتوب على جبين العراقي أن يعيش بين النار والرمضاء؟محكوم بالفواجع دون المسرات،تلاحقه الأحزان أينما حلّ وأينما ارتحل،تجرجره الحروب جنوباً وشمالاً،كأنه المقاتل الأبدي الذي خرج من رحم الأساطير دون أن يكتب أسطورته أبداً.
لقد أجهضوا أعظم فرحة في حياتنا،استبشرنا خيراً يوم سقوط الصنم المجوف في التاسع من نيسان،وقلنا سنبدأ الحياة،لكن الكابوس نفسه عاد بصورة غيرها الصورة التي أخذت نصف حياتنا،صورة مشوهة مغطاة بدم كثيف،وهذه المرة علانية وأمام الناس والفضائيات،بعد أن كان الرعب والترويع والقتل من أسرار الدولة،صار مفضوحاً لكل من يريد أن يرى،شاحنات مفخخة،عبوات ناسفة،قتل على الهوية،خطف في وضح النهار،وأنواع شتى من الذبح والتهجير والمهانات ليس من حدود لها وليس من رادع يردع مرتكبيها.
انتقلنا من ثقافة الهراوة الى ثقافة السكين،ومن ثقافة السكين الى ثقافة البدائية،ومن ثقافة البدائية الى ثقافة الغاب والتوحش،حيث الجميع يأكل الجميع وحيث لا مكان للعقل وليس من اسم للعاطفة ولا معنى.
كيف حدث هذا بين ليلة وضحاها؟وهل ثمة من ضحى لهذه الليالي قاتمة السواد؟إنني أفتش عن المدفون من أسرار هذه الأرض العراقية التي كثر حسادها والحاقدون عليها،من أين جاءوا وكيف امتلأت صدورهم بكل هذه البغضاء على بلادنا؟ من هم،وكيف هجموا علينا بعد أول حلم تحقق من أحلامنا؟
في كل مرة أسأل فيها نفسي سؤالاً كهذا،أعجز عن الجواب،إذ لا يمكن أن يأتي الجواب موازياً لكل هذا اللامعقول الذي نحن فيه،لا يمكن حتى للمجنون أن يصدق ما انتهينا إليه من حرائق وخروقات ودمار وانتهاكات لم تحدث في أيما بقعة من الأرض منذ نزول آدم حتى اليوم.
أبكي كل يوم على ضحايانا، أبكي بالجملة والمفرد،أشبك أصابعي على أضرحة الأولياء جميعهم من أجل أن يكون مروان خزعل الماجدي ما يزال على قيد الحياة،أشبك أصابعي على هواء الله من أجل كل ضحية وكل نخلة وكل طير في السماء،أشبكها بقوة على فضاء الله أن تمر أيامنا دون ذكر المزيد من المذبوحين والمخطوفين،فقد صار المشهد أكثر رعباً حتى لمن أراد الشر بنا.
هل يمكن أن يكونوا من البشر هؤلاء القتلة؟أنا لا أصدق ذلك.
****

الصباح الجديد

دفاتر