اوجاع ومسرات (الخال) خليل شوقي
علي حسين
يسير خليل شوقي
في شوارع لم يالفها غريبا ومغتربا
وهو يفتش عن مجتمع دافئ ومكان اليف وزمن سوي
يعترف بالانسان والضحك وحرية
اللسان وشقاوة الاصحاب وترف الامسيات.. يسير الخال في
شوارع الغربة ولايعرف هو ولا نحن
محبوه اين سينتهي المطاف بفنان رفض الاستسلام وغرد
خارج السرب.. ونلمح ملامح وجهه
المحبب الى النفس فنقرأ فيه رحلة التعب والمواجهة
ممتزجة بافراح ومسرات الماضي.. تعب
في العينين وابتسامة يختلط فيها الحزن والشرود
وبساطة ترتفع على التصنع فنغمض
اعيننا ونحن نتخيل صوتة الرنان ممتزجا بعبارات
بغدادية عذبة:
(الدنيا تغيرت تركض ركض لازم واحد
يلحك بها).
لكان الفنان
الكبير قد اكتفى باحلامه وتخفف من
عقد المثقفين.. يقول الشيء المفيد ولايكترث
بزوبعة الاحكام..
ينظر الخال خليل شوقي الى العالم
الذي يحمل برودة المنطق
وحرارة القلب.. بين الحزن على حلم
تهاوى والاحتجاج الصارخ على مايكسر الحلم..فكان
دائما يصر على ان يكون صحيحا وان
يقول صحيحا وان يمثل صحيحا وان يكون صورة لفنان
الشعب ومرآة العقل والارادة يدافع
عن المبادئ النقية ويظل نقيا يقاتل في معركة
الحرية دون ان يكترث للربح
والخسارة..يمزج بين الحلم والحياة.. تكون الحياة مصدر
الهامه ويكون الحلم صوت المستقبل
الواعد.
يحمل خليل شوقي سنواته التي تعدت
الثمانين بعيدا في المنافي ترتجف
اليد وتظل الذاكرة شابة تجول في شوارع بغداد تصطاد
حكايات العراقيين في الاربعينيات
واحلامهم في الخمسينيات وقلقهم في الستينيات
وضياعهم في السبعينيات وبؤسهم في
الثمانينيات وتشردهم في التسعينيات ونرى بغداد
كلما طلع علينا الخال خليل شوقي
بقامته الفارعة من على شاشة التلفزيون ونشم عبقها
حين يهمس مصطفى الدلال (سليمة
خاتون تره اني مقصر) ونحس نبضها في ملامح زاير ونرى
تضاريسها في عيون عبد القادر
بيك..فنشعر اننا ازاء شخصية حملت في جوانحها كل افراح
واوجاع واحزان ومسرات العراقيين.
ينتمي خليل شوقي الى طائفة من
الممثلين
الاثيرين على قلب المشاهد.. ممثل يتمتع
بعبقرية لها طعم خاص يترك اثراً في
النفس..حين تشاهده تشعر وكانك قرأت
كتابا ممتعا..فعند هذا الفنان قدرة عجيبة على
تشرب الثقافة والحياة الكامنة خلف
هذه الثقافة..فعندما يقف الخال على خشبة المسرح
يكون عقله وقلبه واعصابه جزءاً من
الاداء فيعطي كل ماعنده في البروفة والعرض
المسرحي فتراه عندما يبكي على
المسرح هو الذي يبكي وعندما يضحك هو الذي يضحك وعندما
يبدع الشخصية لم يكن يتوارى خلفها
وانما يقف بالند منها.. كتب ستانسلافسكي مرة ان
على الممثل ان يكون مخرجا لدوره
وهو لم يقصد بالطبع ان يضع الممثل مكان المخرج بل
اراد التحدث عن اهمية المبادرة عند
الممثل وعن رؤيته الواسعة ودرجة مهارته وهكذا
كان خليل شوقي في معظم ادوارة،
ذكياً يعرف مايفعل انه لايؤدي الدور وحسب بل يقوم
بتفسيره والتعبير عن وجهة نظره
تجاه الاشياء والشخصية التي يؤديها ويمكنك مشاهدته
منفردا لوحده فتستمتع وكانك تشاهد
مسرحية بطلها ممثل واحد ولكن بنفس الوقت تراه
يخضع بحكمة وهدوء للعمل المسرحي
الكلي..في المسرح والتلفزيون يتصرف خليل شوقي كانه
شخصية من شخصيات الف ليلة وليلة
الخارجة من حضن الاحلام بسدارة بغدادية اويشماغ
جنوبي وابتسامة محببة الى النفس
فيخطف قلوب وابصار المتفرجين وهو يؤكد:
(لست
متعلقاً بالشخصيات البغدادية فقط
وانما انا متعلق بمجمل الشخصيات التي مثلتها لذلك
اطلق عليها تسمية الشخصيات
المنحوتة بطريقة زخرفية معبرة جدا) وهو هنا يعي جيدا
ماقاله ستانسلافسكي من ان معايشة
الدور تعني ان على الممثل في كل مرة وعند كل اعادة
ان يحس ويفكر بصدق..وهو يدرك ان
المسرح فن للعب مثلما هو فن للمعايشة ولاجل اللعب
يجب ان تكون موهوبا ولاجل المعايشة
على المسرح يجب ان تمتلك الموهبة والثقافة وان
تدرس وتفهم الكثير عن هذه المهنة
وقوانينها.
من بين الشخصيات التي تسحر خليل
شوقي وسحر بها المتفرجون شخصية
البخيل وقد أداها في المسرح من خلال عملين مهمين
الاول بغداد الازل بين الجد والهزل
حيث منح شخصية البخيل حيويتها التاريخية بشكل
عكس صورة البخيل مختزلا من خلال
ادائه الانيق اخلاقيات البخلاء في مجمل التاريخ
العربي معتمدا اشارات واضحة في
الصوت وخطوات قصيرة في الحركة تكشف عن دواخل
الشخصية، والشخصية الثانية شخصية
دبش في مسرحية القربان وهنا منح شخصية البخيل
الحيوية والقبح في آن واحد من خلال
حركات وايماءات واشارات ذات مدلول اجتماعي تعبر
عن شخصية البخيل في التراث
البغدادي المعاصر فكان دبش في نومه اومرضه اوتعامله مع
الناس صورة للكائن القبيح اما في
التلفزيون فمازالت شخصية عبد القادر بيك البخيل
القافز بمكر نحو طبقة اجتماعية
جديدة حاضرة في الاذهان من خلال التقنية الفريدة في
الالقاء التي اتبعها خليل شوقي
وحركة الراس التي اختصر من خلالها سلوك الشخصية التي
انبثقت فجاة لتحاول السيطرة على كل
شيء.
تدور احداث مسرحية النخلة والجيران
في
احياء بغداد الفقيرة وزمنها هو زمن الحرب
العالمية الثانية وزمن الاحتلال الانكليزي
للعراق في هذا الزمن الذي يعصف
بالعالم ويبني ملامح عالم جديد تقف شخصيات النخلة
والجيران على مسرح قاعة الخلد
ببغداد عام 1969 مكسورة تدور في حركة عاجزة.. تتلمس
الاشياء ولاتدرك حركتها.. هناك
نشاهد سليمة (الراحلة زينب) تنغلق على احزانها
الدائمة، تعيش من تراكم الالم
ولسعة النار والنهوض مبكرا تلقي بها تجربتها في
الحياة بين انياب مصطفى (خليل
شوقي) الدلال الحالم بنجاح وحيد في حياة مسارها
الفشل، يفتش عن النجاح في بيع
مهربات انكليزية فياخذ نقود سليمة ويعطيها للاوهام
مقنعا نفسه والاخرين بان الانكليز
باقون في بغداد الى اخر العمر..مخلوق جدير
بالرثاء محكوم ببيئة تتحرك على
مسرح الفقر الكلي وهو يكشف عن فقر في الجسد والفكر
والروح حين يقول (اوف سليمة
لتصيرين اقسى من الانكليز) وقد ذكر لي الخال خليل شوقي
في حوار معه نشر في اوائل
الثمانينات انه حين وقع عليه الاختيار لتمثيل هذه الشخصية
كان قد قرأ رواية غائب طعمة فرمان
ولكنه اثناء التدريبات راجع شخصية مصطفى الدلال
من جديد محاولا استيعاب شرح
الروائي لتفاصيل الشخصية محاولا ايجاد توازن بين
الشخصية في الرواية والايجاء
التمثيلي على المسرح: (لقد خرجت بنتيجة واحدة لو اردت
ان اكون مصطفى الذي رسمه غائب
روائيا فلن استطيع ان اكون ممثلا على المسرح...
لماذا... لانني ساضع القضية بشكل
مطاطي.. تفقد صفة وحقيقة الحياة على المسرح..
بمعنى انها ستكون مقولبة تتحرك
وتحس وتقوم وتجلس بحساب ونحن نريدها ان تقوم وتجلس
وتنظر بمعاناة.. فالممثل يقلق
ويضطرب امام اعين المتفرجين).
وقد اعتمد اداء خليل
شوقي لشخصية مصطفى على عنصرين
مهمين:
الاول / ترك مساحة للارتجال مع
الجمهور
داخل اطار محدد وهو يمتلك في الوقت نفسه
قدرة على السيطرة على الموقف تمكنه من
الخروج والدخول في سياق الحدث
العام.
الثاني/ الاسترخاء.. حيث هيأ خليل
شوقي
الممثل المناخ الافضل لتقمص شخصية مصطفى
مهيئاً لها فرصة للتحكم في الموقف والسيطرة
عليه.
لقد استطاع خليل شوقي ان يقدم
شخصية مصطفى بطبيعتها وهي تفيض حيوية على
المسرح فكانت المسرحية والدور من
اجمل وارقى ماقدمه المسرح العراقي.
في مدينة
هلامية مثل كل مدن الغربة..وفي
غروب لايشبه غروب بغداد..وفي لحظة تتداعى فيها
الامكنة والازمنة يبدأ الخال خليل
شوقي - كما يحب ان نسميه – اغنيته الحزينة
الشبيهة باغنية التم وهو ينظر بعين
الأسى الى عالم شرس كله قسوة واوجاع.. متسائلا
اين الوطن..اين المنفى..والاهم اين
الذين يتذكرون ان هناك فناناً اسمه خليل شوقي
يستحق منا شعبا وحكومة كل الاهتمام
والوفاء والحب؟
****
المدى