مكتبــــة مكنـــزي
سهيل ياسين
لا يمكن للزائر وحتى العابر
من الباحثين عن بهجة بغداد ومتعة شوارعها
ومحلاتها وفضاءاتها الرحبة، ابان
فترة العشرينيات وما تلاها من عقود وازمان
لاحقة،
ان يذكر تلك الامكنة التراثية وسواها من معالم المدينة
العريقة، وخصوصا شريانها الحيوي
النابض بالحركة والحياة، شارع الرشيد ومعالمه
ومظاهره الجميلة بمحلاته القديمة
العديدة، بدءا من جديد حسن باشا، البارودية،
الحيدر خانة، سيد سلطان علي، سوق
الصفارين، البزازين، حتى غيرها من الاماكن
التراثية من دون ان يذكر (مكتبة
مكنزي) المتميزة بواجهاتها ذات الريازة الهندسية
(القوسية) اشبه بالبوابات المشرعة
على الشارع الخالد كدجلة المجاور، تحيط المكتبة
التي ضمت بين جوانحها الكتب
والمطبوعات السابحة في ضوء المكتبة الاصفر المتجانس مع
بعض عتمة شفيفة تملأ المكان الضيق،
الرحيب ولا يستطيع المتتبع لتاريخ مكتبات بغداد
والعارف بتفاصيلها ان يتحدث عن
افضل واعرق تلك المناهل المعرفية، دكاكين الثقافة
ومحال كتب الوراقين امثال دار
الكتب القديمة، مكتبة النهضة واليقظة ولا يشير من
قريب او بعيد الى مكتبة مكنزي او
المكتبة الانكليزية كونها المكان الاقدم والجزء
المكمل من مشهد بغدادي خاص وواحدة
من المتع الثقافية في بغداد للشبان المتعلمين الى
جانب الانشطة الاخرى، كمعارض
الرسم، وافلام هوليوود ذات القيمة العالية في دور
السينما واضواء المسرح، المكتبة
التي غدت جسرا رابطا بين ثقافتين وشكلت المصدر
الوحيد للكتب والمجلات والصحف
الاجنبية، اذ كانت تعلق على واجهاتها المضيئة مثل
(التايم، فوتوبلي) ريدردايجست،
فوتوسكرين، نيوزويك..). نافذة على الآخر ارتبط ظهور
الافكار التحررية والليبرالية
بافتتاح (مكنزي) التي اسست في بغداد عام 1920 باشراف
صاحبيها البريطانيين (ادنون مكنزي
وكنت مكنزي) اذ كان لها الاثر الواضح في اشاعة
المفاهيم الحرة والديمقراطية من
خلال الكتب التي وفرتها، وعلى الاخص المؤلفات
الماركسية واليسارية، اذ جاءت على
اثرها كما يبدو تأسيس اول جماعة ثقافية وسياسية
عام1924 باسم (جماعة متدارسي
الافكار الحرة) منهم حسين الرحال ويوسف زينل. تعد
مكنزي نافذة اولى على الثقافة
العالمية والانكليزية على نحو خاص واطلالة واسعة على
المعارف الانسانية والآداب
العالمية من شعر ورواية ومسرحية ومصادر ثقافية مختلفة،
اذ هيأت فرصة كبيرة للادباء
والمثقفين العراقيين في الاطلاع والتواصل مع المتغيرات
في العالم، ولم يشمل ذلك هذه
الطائفة بل اتسعت لشريحة كبيرة من المتعلمين
والاكاديميين والطلبة الجامعيين
وجميع المشتغلين بالعمل الفكري والفني والكتابة
الابداعية والصحافية والترجمة على
نحو خاص للافادة منها مكتبة بسعة العالم بلغ اوج
ازدهار مكنزي ابان فترة الخمسينيات
والستينيات، اذ كان يتردد عليها الكثير من
الادباء والمثقفين وعلى الاخص رواد
وجلاس مقهى البرازيلي، منهم جبرا ابراهيم جبرا
فؤاد التكرلي، نهاد التكرلي، عبد
الوهاب البياتي وآخرون.. اذ يطلون من خلالها على
كل المتغيرات والمستجدات في عالم
الكتب والصحافة العالمية. وبالرغم من مساحة
المكتبة الصغيرة الواقعة في زاوية
ضيقة من شارع الرشيد الا انها ضمت العالم بسعته
متمثلة بآلاف الكتب والمطبوعات
العالمية المختلفة، وفي العقود الاخيرة من القرن
الماضي لم تكتف هذه المكتبة الاولى
للثقافة الانكليزية في العراق بالكتب والمنشورات
الاجنبية، بل اتسعت لتشمل الى جانب
ذلك مختلف الكتب العربية وبشتى صنوفها لتصبح
بذلك مكانا ممتعا ومنهلا ثرا يتزود
منه القراء والمثقفون ملبية مختلف حاجاتهم
المعرفية واتجاهاتهم العلمية
وميولهم الثقافية والادبية الى مصاف مكتبات بغداد
العديدة والتالية لها مثل مكتبات
الرشيد: اليقظة، دار الكتب القديمة، وغيرها فضلا
عن مكتبات الباب الشرقي، التحرير،
النهضة، المكتبة العالمية، الثقافة العربية،
ومكتبات السراي والمتنبي، كدار
الكتب العلمية، الفلفي، الشطري، وسواها.
****
جريدة الصباح