مقهى الجماهير
 

زعيم  النصار


بعد قمع انتفاضة الجماهير في آذار بداية التسعينيات، وتشظي المثقفين العراقيين الاحرار، بين المنافي، والمقاهي البعيدة عن عيون المخبرين، جماعة منهم وجدوا مقهى الحاج ابو سعد الواقعة في دربونة مخفية وراء ساحة الميدان ملاذا مؤقتا، بعد  ان لاذوا بصمت غريب، وكنت من بين الذين ارتادوا هذا المقهى الذي سأفرد له نصا قادما، بعد ارتياد هذا المكان الثقافي المؤطر بصور المطربين العرب والعراقيين، والمكتنز باقدم الاسطوانات واحدثها، انتقلنا الى مقهى الجماهير الكائن في منطقة الكرنتينة في باب المعظم، حيث وجدنا قربه جريدة الجمهورية من جهة الوزيرية، وأمامه كلية الهندسة جامعة بغداد، وبالقرب منه أكاديمية الفنون الجميلة، وقاعة حوار التي تعتبر المكان الثالث الذي اعتدنا الجلوس فيه بعد مقهى حسن عجمي. مقهى الجماهير اصبح في سنوات حصار المثقفين وصمتهم، المكان الاساسي لكل من اراد الحضور في مكان الادب العراقي، من مثقفي المحافظات والعاصمة، عندما تذهب اليه تجد الشعراء وكتاب القصة و " جماعة نقد" و "جماعة ناجين" وجماهير خاوية مندحرة تلعب الدومينو، من عمال البناء، والجنود، والطلبة، وابناء محلة الكرنتينة العاطلين عن العمل والهاربين من الخدمة العسكرية، والمطلوبين للسلطة لأسباب شتى. هجرة المثقفين يبدو إن المقهى قد تم تقسيمه بشكل عفوي الى اربعة اقسام، ما ان تصل اليه حتى ترى تختين وطاولة امام بابه. وهذا هو القسم الاول الذي يشغله بعض المنتظرين او العابرين. عند دخولك المقهى تمر بمحاذاة الموقد وسماوره الوحيد وانواع القواري الزجاجية المركونة على الرف، وعلى الموقد، بعدها تصل الى القسم الثاني وهو الذي يشغله دائما لاعبو الدومينو، هذه اللعبة التي سرقت منا في تلك الايام أغلب اصدقائنا من المسرحيين وكتاب القصة والشعراء، في الاعلى منهم وعلى جدار هذا القسم ترى تلفزيونا له صورة بلا صوت، لقد تعب المثقفون من اصوات المذيعين واخبارهم، ومثلهم جميع العراقيين. وعلى الجدار الذي يقابله تشاهد صورتين قماشيتين، واحدة لدببة بوجوه مندهشة يلعبون البليارد، وأخرى لمطرب الروك الاميركي الفيس بريسلي بحلته البيضاء المزركشة، منفعل كامبراطور مهزوم في معركة جديدة، ملامح وجهه مكفهرة، ويكشّر عن انياب حمراء اللون. مكان خاص للادباء من أمامه تميل إلى يمين المقهى لتدخل القسم الثالث الذي يكاد ان يكون مطعما فرعيا لكل المطاعم المجاورة للمقهى، حيث باستطاعتك ان تطلب طعاما ليجلب لك شيئاً، اما القسم الرابع وهو المقابل لقسم الأكل فهو الاهم انه قسم المثقفين الجالسين على كنبات متهاوية امتدت بشكل طولي حيث توجد في نهاية الامتداد مبردة هواء كأنها كهف كبير، كنا نجتمع قربها كل ظهيرة لساعات وساعات نتحاور ونقرأ ونتبادل الكتب وينتظر بعضنا البعض. على جدران هذا الفضاء تجد رسومات لرسام فطري، رسم أزقة بغدادية، ونساء جميلات بعباءات سوداوات، ونخلات ثلاث، بيت بغدادي بشناشيل امامه عربة يجرها حصان هزيل " ربل". في الجهة الاخرى تشاهد لوحة طويلة عريضة لجماهير المحلة وهم يهتفون ويتصارخون بوجوه نحيلة مصفرة، وقد اصطفوا حول دائرة لمصارعة الديكة يتوسطها حكم اعور، ريش هنا وريش هناك، ودماء تسيل. جماعة نقد في هذا المقهى آثر الذين بقوا بعد هجرة المثقفين الجماعية الى الخارج، ان يلتقوا فيه يوميا، وربما نستطيع ان نوثق تجاربهم التي تأسست ونضجت في هذا المكان، " فجماعة نقد " التي تشتغل في الحقل النقدي التطبيقي والنظري، كانوا كلهم من المعارضين لسلطة الدكتاتور. اذكر منهم، حيدر سعيد، وأحمد الشيخ، وعلي بدر، ويحيى الكبيسي، وجمال العميدي، وسعيد عبد الهادي، وأحمد الهاشم، وفي هذا المقهى اتفقوا على اصدار مجلتهم " نقد " التي صدر منها عدد واحد ثم اغلقت، وهم انفسهم تسلموا مجلة الطليعة الادبية على امل احيائها فصدر عدد واحد بافكارهم واحلامهم، ثم صودرت منهم. اما الشعراء الذين لازموا هذا المكان فهم الراحل رعد عبدالقادرالذي كتب كل كتبه الاخيرة من هذا المقهى، وهو يفكر بها مع الشاعر عبدالزهرة زكي صاحب كتاب الفردوس المكتوب في تلك الأيام، والشاعر أديب كمال الدين، وكريم شغيدل، وقاسم محمد عباس واحمد سعداوي ونصير غدير، ومحمد الحمراني، وهؤلاء الأصدقاء تعرفت بهم في هذا المقهى، وفيه تعرفت بجماعة ناجين التي سأكتب عنها بشكل منفرد.

 **

الصباح

دفاتر