بغداد الأحمر القاني
عـراقــي فـي مطــار عمّــان
جاسم
اللامي
لقد حان الوقت. حطت
الطائرة التابعة للخطوط الجوية الأردنية الآتية من بغداد في مطار
الملكة علياء الدولي. للمرة الأولى في خلال هذه الرحلة التي
تستغرق ساعة ونصف الساعة، بدا التوتر على وجوه الركاب
العراقيين. فمنذ هذه اللحظة، ستنطلق آلية التمييز.
بدايةً، تحط
الطائرة في مكان بعيد في المطار ومن ثم يحضر باص خاص لنقل الركاب
إلى داخل المطار. لكن، قبل ذلك، لا بد
أن يتم تفتيش جميع المسافرين على الرحلة. فوضعت السلطات
الأردنية جهاز كشف يعمل بالأشعة لتفتيش كل حقيبة وشخص يدخل المطار
آتياً من بغداد. حتى هذه اللحظة، تبدو
الأمور مقبولة. فلقد سبق لهذه المملكة أن تلقت صدمة مرعبة
ومفاجئة عند تفجير فنادق فيها على حين غرة. وبما أن العراقيين هم
أول المتهمين في التفجيرات، كان لا بد من تضييق الخناق
عليهم وعلى دخولهم الأراضي الأردنية. مفهوم.
لكن في ظل وجود حدود برية صحراوية طبيعية فاصلة بين
البلدين، هل يحتاج مفجّرٌ إلى الدخول من
«الباب» بينما الشباك مفتوح على مصراعيه بإرادة إلهية؟ خاصة أن العشائر
على طرفي الحدود مشتركة ومتزاوجة فيما بينها، لا سيما في منطقة
الرطبة الحدودية. ومن المعروف أن عرف
العشائر وقوانينها أقوى من قوانين الدول، وهي لا تعترف بجواز
سفر أو ببطاقة هوية.
المهم. وصل ركاب الطائرة. قليل من الأجانب والعرب،
وكثير من العراقيين الهاربين من نار
العراق لسبب أو لآخر إلى منطقة ختم الجوازات، وانتظم الناس
صفوفاً. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأجنبي أصبح خبيراً في اختيار خطوط
الانتظار: يجب تجنب الوقوف وراء أي عراقي مهما كان الثمن.
تختفي الابتسامة
المرحبة على وجه الشاب الصغير المسؤول عن ختم جوازات السفر لدى
رؤيته الجواز العراقي. من المثير للاهتمام رؤية التغيير
يطرأ على وجهه. يعبس تدريجياً ومن ثم تضيق عيناه. لا يلتفت
إلى صاحبه أبداً. يزم شفتيه ويسأل سؤالاً بصوت خفيض. وإذا لم
يسمع العراقي السؤال، يبدي الموظف تأففاً مصحوباً بنظرة تختصر كل
ما يعتمل في صدور كثيرة. نظرة أقل ما يقال عنها أنها احتقار
في احتقار. يأخذ وقته ليعيد طرح السؤال فيرتبك العراقي. ثم،
من دون أن يرفع نظره عن الجواز الذي ربما قلب صفحاته مئة مرة
خلال ربع ساعة، يطلب أوراقاً ثبوتية (أكثر ثبوتية من جواز السفر)،
ومن ثم يطلب الكثير والكثير من الأوراق، بعضها قد لا يفيد
في إثبات «حسن نيّة» الوافد ولا عدائيته.
يتجاوب العراقي بصبر، فهو يعرف أن أقل تأفف منه أو
إجابة لا تروق للشاب، ستعيده إلى بغداد
مباشرة، من دون شرح السبب.
بعد مرور أكثر من عشرين
دقيقة استلزمها التدقيق، يبدو أن هذا العراقي «نظيف» فيختم الشاب
الأمني جواز سفره. لكن، للمفاجأة، لا
يعطيه إياه بل يطلب منه العودة إلى آخر الصف الذي طبعاً بات
طويلاً جداً ممتداً خلفه، ومن ثم إلى الصالة للانتظار. ويبقى
الجواز المختوم بالموافقة بحوزة الشاب الأردني. لكن، ماذا
حصل؟ ولماذا الانتظار؟ يأتي الجواب: لا بد من إجراء المزيد
من التدقيق. الوقت؟ غير محدد، وقد تستغرق العملية ساعتين أو
ثلاث، وربما إلى الغد. وسيبقى العراقي في مطار عمّان، في منطقة يكون فيها لا داخل
عمان ولا خارجها. منطقة شبيهة بقصة حدود غوار الطوشي. وقد يبات
ليلته هناك. فالأهم هو التأكد من أنه «نظيف فعلاً».
يذهب صديقنا إلى حال سبيله، ويأتي دور عراقيين
آخرين. يتلقون جميعاً المعاملة نفسها. والشاب الأردني الأمني لا
يكل أبداً. وجهه العبوس لا يرتخي. لا يرتخي الوجه إلا
للوافدين الأجانب تحديداً إذ أنهم يحظون بابتسامة ترحيب
مصحوبة بـ«ويل كام»، تليها مباشرة «طق» الختم الذي يزيّن جواز
سفرهم، من دون أي سؤال أو استفسار.
وعلى فكرة، لا تبتسم الحياة للعراقي في
عمّان عندما «يتحرر» من المطار. فهو سيفاجأ بنسبة مهولة من الغضب
الأردني. يلام العراقي على كل شيء في عمّان، حتى على زحمة
السير. يلام على غلاء المعيشة في الأردن وعلى ارتفاع أسعار
الشقق، ويلام على غلاء سعر البنزين.
وتسأل أحد الأصدقاء
الأردنيين بعفوية عن سبب كل هذا الغضب. فيأتي الجواب: «لقد خربوا
البلد منذ مجيئهم وبهدلوا عمّان بفقرهم وقلة تمدنهم. تحملنا
هذا كله منهم، لكن ماذا فعلوا في المقابل؟ لقد جلبوا حقدهم
إلى هنا وفجّروا فنادقنا وهم حالياً يستنزفون الأردن».
هذا الكلام لا يشمل جميع الأردنيين، لكنه حاضر وعالي
الصوت في عاصمة المملكة الهاشمية. قد
يخفي أصواتاً كثيرة متفهمة وودودة، يطغى عليها، حتى تبدو للمراقب
وكأنها ليست موجودة.
لقد بات العراقي يترحم على أيام صدام حسين حين كان العرب
لا يتجرأون على قول كلمة بغيضة واحدة في حقهم. ويتذكر العراقي نفط
العراق الذي استنفده الأردنيون والسوريون وغيرهم باسم
الأخوة العربية لا سيما عندما كان العراق تحت الحصار، وكان
نفطه يبادل بالغذاء، تهريباً أو شراء. ويترحم العراقي أيضاً على
أيام كان العرب المحترمون يتدفقون إلى بغداد لينهلوا العلم من
جامعاتها.
هناك
الكثير من الصور الجميلة التي يحن إليها العراقيون المبعدون قسراً عن موطنهم، وهناك
الكثير من الصور الدميمة التي سيتذكرونها بعد صفاء الأيام وعودة
الأمان إلى أرضهم، لا سيما في «الضيافة العربية».
ولكي لا تبقى الغصة في الحلق، تسأل أنت الشقيق
الأردني إياه ببراءة مصطنعة: «ولكن، ألم يكن أبو مصعب الزرقاوي
الشهير أردني الجنسية؟ أوليس معظم الانتحاريين في العراق
إخواناً عرباً أشبعوا العالم قتلاً وتفجيراً؟».
***
(بغداد)
السفير
***