محمد الحمراني يلتقي بكلكامش في ناحية السلام

  

فرج الحطاب

 

شاعر اخر يتلو نشيده الاخير في هذا العالم الرخو المنحدر الى قراره النهائي. رحل الشاعر الجنوبي الاسمر محمد الحمراني بلا اكتراث لسنواته الغضة. رحل وترك غاباته القصبية خالية من انفاسه اللاهثة وراء اقتناص المشهد المبلل بماء الجنوب. هل عرفك السلام (الطويّل),العمارة؟ ام ما زال هذا المكان لا يكترث بابنائه الراحلين. رحلت مبكرا, مبكرا جدا, ربما هو حلم اخر ترتكبه في ذكرى نسيم محمل بزنابق الهور. يقولون ان موتك جاء اثر مرض عضال, السكر واليرقان وانسداد الامعاء. متى كانت هذه الاعراض تسمى بالمرض العضال, وهل كانت حقا تؤدي الى الموت!!! انها اعراض يمكن تلافيها في ايام بسيطة ولا تستحق الرقود شهرا في المستشفى وفي نهاية المطاف لم يتمكن احد من معالجتها.

اذن هو الموت حتما ما كان يراودك دون رغبة اخرى في المكوث. انه الاجل وانقضائه, هو التسليم الى قضاء الله وحكمته كي لا تكون تحت رحمة الاخرين. انا لله وانا اليه راجعون.

 فوق ذلك الطين كنت تقفز فرحا بمدينتك الصغيرة والمنسية على اطراف قرى هجرها اهلها منذ زمن بعيد لاسباب شتى اهمها  التجفيف او الرغبة في خلاص من مجهول قادم, لكنك كافحت وقاومت كثيرا من اجل البقاء حارسا لغابات البردي والقصب, ولكي تصنع من الطين( الحري) تماثيل لاناس وحيوانات ادمنت الانقرا ض ولا رغبة لها بالعودة الى مدن الماء. استهوتك حركة بغداد ودخان مقاهيها وسجالات الادباء وصخبهم, كنت تتحرك في عجلة من امرك دائما لانك كنت تفترض العودة الى ناحية السلام, تاتي محملا بالقصائد والمقالات والمشاريع والاحلام, توزع نتاجك بين الصحف والمجلات, تصافح الاصدقاء وتناقش على عجل ثم لا احد يراك حتى سفرة قادمة. هل حقا كنت منهمكا باجدادك السومريين؟ ربما ولكن ليس الى الحد الذي تذهب فيه بعيدا في رحلة ابدية من اجل الوصول الى عشبة الخلود, انها حمى الطين والماء والزنابق الطافية على وجه الانهر والبحيرات العذبة. لم يكفك الشعر فقذفت بنفسك الى الى الرواية, كنت بحاجة لمساحة من القول اكبر من مساحة القصيدة اكبر من هور الصحين, اكبر من مساحات الهدام والصيكل وام كعيدة, اكبر من باب الهوى والدويمة وابو نعيجة وابو شيحة اكبر من الخمس. لكنك تنسى قارات العمارة مثل الكحلاء والميمونة والمجر وقلعة صالح.هذه هي اذن حدود مملكتك الطينية وعندها انهيت كل شيء.

سنفتقدك كثيرا ايها المبكر جدا, اربكتنا عجلتك وسرعتك حتى في الموت, ولكنك ختمتها بقرب مياهك وطينك وقراك فبماذا سنختم نحن الذين نعيش في فضاءات غريبة لا تعرفنا.

***

الولايات المتحدة

اريزونا

 

   ****

دفاتر