راسم الجميلي.. ضياع الموهبة
علي
حسين
ممثل لا
تخطئه العين.. تلك كانت الجملة التي قالها الفنان الراحل عبد الله غيث حيث
اخبرنا انا والصديق مجيد السامرائي بأن هناك عرضا على المسرح
الوطني –مسرحية ليلة صيف لشكسبير- يؤدي فيه دور البطولة
راسم الجميلي ممثل لا تخطئه العين، جملة رافقت مسيرة راسم
الجميلي منذ بدايتها فهذا الشاب يشع حضورا على المسرح وفي التلفزيون كان
يؤدي اصعب الادوار بتلقائية كبيرة وقدرة عجيبة على الاقناع فقد
اكسبته حياته الاجتماعية وعلاقاته الواسعة والحميمة مع
الناس خزينا فنيا لا ينضب. ففي الحياة وفي الفن كان راسم
الجميلي واحدا لا يتجزأ رجل عشق الفن منذ ان كان طالبا صغيرا حين اخذ
ينسج من خياله الجامح أدواراً يؤديها في ساحة المدرسة الابتدائية..
والى جانب
هواية التمثيل تملكت راسم الجميلي هواية اخرى استحوذت على كل ما يملكه من نقود
آنذاك وهي هواية شراء المجلات والكتب القديمة وكل ما يتعلق بالفن
حتى ان هذه الهواية دفعته وهو طالب في المتوسطة ان يؤلف
كتابا اسماه السينما في سطور وقد كلفه هذا الكتاب خمسة
واربعون ديناراً وصفعة على الوجه من والده الذي هاله ما انفقه هذا
الصبي على بضعة اوراق صفراء فقرر ان يمنع عنه المصروف ما دفع راسم
ان يعمل في مهن عدة كان آخرها ان افتتح دكانا للعطارة في
المحلة ليجمع مبلغا من المال يساعده في السفر الى خارج
العراق لكن افتتاح اكاديمية الفنون الجميلة في بداية الستينيات شغلت
حافزا جديدا للجميلي الذي كان من اوائل الطلبة الذين ينتمون اليها
ومن خريجي اول دورة للاكاديمية عام 1964 في الاكاديمية تعرف
على اصدقاء عمره عمانويل رسام وضياء البياتي واستاذه اسعد
عبد الرزاق الذي ما ان رآه حتى اكتشف فيه موهبة الممثل
الكوميدي فالحقه بفرقة 14 تموز ليؤدي فيها اجمل ادواره المسرحية.. ينتقل بعدها الى
الفرقة القومية للتمثيل عند تأسيسها من قبل الراحل حقي الشبلي
وليساهم في اعمال مسرحية ما زالت في ذاكرة المشاهد العراقي.
كانت لراسم الجميلي صفات عديدة
يمتلكها أبرزها صفة تميزه عن غيره من فنانينا وتقربه من الجميع وهي
صفة عشق الفن.
كان يبحث عن الفن في كل مكان.. يطالع الصحف ويتابع ما
ينشر في المجلات ويسأل ويتقصى تحركه في
ذلك حماسة المؤرشف وهي المهنة التي كان يزاولها بين حين وآخر
حين ينشر موضوعات عن تاريخ الفن في العراق او عن عادات اهل بغداد
وتاريخهم وكانت هذه الحماسة للفن تقربه من الشباب بل وتجعله
شابا بالروح والفعل والموقف ايضا.
وكان ما يحرك راسم الجميلي الى الفن هو حاسته الصادقة
وموهبته التي جعلته واحدا من ابرز
فنانينا الكوميديين والتي صنعت منه فتياً حتى وهو على اعتاب السبعين
فتراه شيخا شابا يجد السعادة في محاورة الشباب والعمل معهم.
كانت لدى راسم
الجميلي كمية هائلة من الاوراق هي ارشيفه وهي مادة ذاكرته الخصبة
الوقادة وهي معينة في ما يكتبه للتلفزيون او للصحف او ما
يصدره من مطبوعات كان يجد متعة في ملاحقتها بين المطابع
ودور النشر ينشرها على حسابه الخاص ويخسر ثم يعيد الكرة وهكذا دون بأس
ودون ان يتخلى عن حلمه في ان ينشر ما يحتفظ به ليمتع به القراء ثم
يمضي ليحصل على راحة القلب.. هذا القلب الذي خذله وهو غريب
عن بغداد التي عشقها وحفظ تضاريس شوارعها فاخذته الغربة
والحاجة الى ان يقدم اعمالا لا تليق بموهبته وان يستجدي عطف
قنوات فضائية اتخذت من موهبته ستاراً تفصح من ورائه عن نواياها وصراعاتها السياسية
فضاعت بذلك علينا موهبة كبيرة في اعمال ساذجة وبثمن بخس رحل راسم
الجميلي صاحب الوجه الاليف الذي يشع بالعافية وراحة النفس
ولمسة الحنان التي تحسها في حركاته وايماءاته وفحوى كلامه..
وسنظل لسنوات طويلة نتذكر ابو ضوية تلك الشخصية التي
استحوذت على اعجاب ملايين العراقيين وكانوا يتابعونها بلهفة حتى ان العديد منهم لا
يتذكر اسم راسم الجميلي دون ان يرفقه بلقب "ابو ضوية".
يغيب ابو ضوية ليترك
مكاناً فارغاً وموهبة من الصعب ان تتكرر.
***
المدى