من يتذكر يوسف عبد المسيح ثروت؟

علي حسين
لا زلت
اتذكر المرة الاولى التي شاهدت
فيها الناقد والمترجم يوسف عبد المسيح ثروت واتمثل
الان تفاصيل هذا اللقاء الذي تم في
مكتبه "دار الكتب القديمة" الكائنة انذاك في شقة
وسط شارع الرشيد كان يملكها رجل
شديد الشبه بيوسف عبد المسيح اسمه "ابو يعقوب" كان
صاحبنا عبد المسيح يفترش الارض
وحوله عدداً من الكتب الاجنبية يتصفح بها يدقق في
العناوين وينظر في المحتويات ثم
يضع الكتاب جانباً حتى تحول المكان حوله الى اكداس
صغيرة من الكتب اقتربت منه لم
ينتبه لوجودي ولكن حالما مددت يدي الى احد الكتب حتى
رفع وجهاً يذكرك بهدوء بغداد،
بطيبتها واستقرارها بانبساطها وامتلاءها وعينين كعيني
العارف لا تخطئ مرامي محدثها ابداً..
كنت في ذلك الوقت نهاية السبعينيات
مغرماً بقراءة كتاباته عن المسرح
وخصوصاً الكتب التي قدم فيها شرحاً وافياً عن
المسرح واعلامه ومدارسه –مسرح
اللامعقول- معالم الدراما في العصر الحديث دراسات في
المسرح المعاصر وكانت مقالته الي
نشرها عن المسرح العراقي في مجلة السينما والمسرح
المصرية منطبعة في ذاكرتي فهذه
المقالة الرائدة في مجال النقد المسرحي التحليلي
فتحت الطريق امامي لمعرفة معالم
واتجاهات المسرحية العراقية انذاك.. كان ذهني
مشغولاً باسئلة كثيرة كنت اريد ان
اطرحها على هذا الرجل الجالس امامي لكنه ما ان
تحدث حتى تبخر كل شيء فاكتشفت انني
ماخوذ بسحر الحديث امام رجل يحسن اختيار
مفرداته، هاديء، ودود، فيلسوف
متمرد، يتحدث في كل موضوع فيجيد الحديث.. يناقش فلا
يمل النقاش.. واحد من المتعطشين
للمعرفة وكائن اتعبه البحث عن الكتاب وذبلت عيونه
وهو يتسامر مع سحر الكلمات مسكوناً
بالمعرفة وشغوف بكل جديد.. يؤمن بان النقد
المسرحي فن قائم بذاته.. حاول فيها
ان ياخذنا نحو منطقة الوعي بالعمل المسرحي
سائحاً بنا في مدرجات الخشبة وسماء
الكلمات دون سطحية او تكلف مثير فينا شهية
المعرفة بخفايا العمل المسرحي
واضعاً ايدينا على مناطق المتعة الفنية وهو بذلك
يعلمنا بان النقد المسرحي ليس مجرد
ضرب من ضروب الخيال والمزاج الشخصي.
في كتابه
الطريق والحدود "الذي ضم القسم
الاول منه دراسات عن الادب الغربي فيما ضم القسم
الثاني دراسات عن المسرح العراقي
والنقد المسرحي يصف لنا عبد المسيح مهمة الناقد
المسرحي فهو يدرك ان النقد المسرحي
ليست مهمته وصف مشاعر الناقد تجاه العمل الفني
فحسب بل لابد له من فحص خصائص
العمل ذاته فالناقد لا يستطيع ان يدافع عن ارائه في
العمل المسرحي الا اذا استطاع ان
يثبت كيف تؤدي هذه الخصائص الى جعل العمل الفني
جيداً.. وباي الدرجات تؤدي الى
ذلك.. اذن لابد للناقد من ان يكون لديه معيار يعرف
به الجودة الفنية ويقدمها وهذا
المعيار يكون هو (مشابهة الواقع) او ما يطلق عليه
بعلم النفس (القوة الانفعالية)
ويدون هذه المعايير لا يستطيع ان يدعم حكمه وبدونها
لا نستطيع نحن ان نفهم السبب في
اصدار هذا الحكم.
ويضيف عبد المسيح: ان هذه
المعايير تبين بوجه عام ان كان
العمل جيداً وهي تقيس القيمة الفنية لا في هذا العمل
فحسب، بل ايضاً في اعمال اخرى
مشابهة له.. فنحن نرى انه عندما تسمى المسرحية
تراجيديا او كوميديا فلا بد ان
تتوافر فيها صفات شكلية وتعبيرية معينة يتميز بها
ذلك النوع الادبي.. وعندما يقوم
كاتباً مسرحياً عملاً لغرض اجتماعي معين فلا بد ان
يكون عمله مرتبطاً بالتراث
الاجتماعي وان يسهل تذوقه على كل افراد المجتمع.
كان
المسرح بالنسبة ليوسف عبد المسيح
جنته ورؤياه التي اتاحت له سفراً دائماً نحو
المعرفة لذلك كان حديثه عن المسرح
في مقالاته وكتبه انه حديث من يؤمن بان المسرح ما
هو الا مرآة تضع المتفرج في مواجهة
ذاته وفي مواجهة عالمه مرآة تزيح عن الذات
والعالم كل الاقنعة الزائفة وكان
يؤمن بان المسرح ينطوي على ارادة اصلاح المجتمع
وهي الارادة التي حملها كل مبدعي
المسرح "الارادة التي تباعد بين هؤلاء المبدعين
وامكانية الاستسلام الى المداجنة
والخنوع وكانت الارادة هي الوجه الاصيل للكاتب
المسرحي الذي حاول ان يقدمه لنا في
سلسلة من الكتب استعرض فيها مواقف رجال المسرح
ونظرياتهم فكانت هذه الكتب بمثابة
دروس قدمها ثروت لقراءة الشغوفين بمعرفة عوالم
المسرح في ارجاء الدنيا ولهذا ظل
عبد المسيح في كتبه وترجماته يؤكد على موقف المثقف
الساعي الى تحطيم الافكار الجامدة
مجسداً دور المثقف اليقظ الذي لا يتخلى عن دوره
النقدي الذي هو الوجه الاخر من
التزامه الوطني.
غادرنا يوسف عبد المسيح قبل
ثلاثة عشر عاماً ولكن منهجه في
النقد المسرحي لا زال راسخاً في اذهان محبيه هذا
المنهج الذي اكد فيه ان النقد لا
يعني الاختلاف او الاتفاق مع العمل الفني وانما
يعني المنهجية الاصيلة والعقلانية
التي تدفعنا الى ان نقيم علاقات حقيقية مع العمل
المسرحي نقدم فيها رأينا معتمدين
على الوقائع والملاحظات منهج يطالب الناقد ان
يزداد غنى وثراء بانفتاحه على
الفنون الاخرى.
لقد كانت عقلانية يوسف عبد المسيح
ثروت زاده في نقده الفني واضعاً كل
شيء موضع الدراسة باحثاً في العلاقات داخل العرض
المسرحي مؤمناً بان المسرح حلقة من
حلقات المعرفة لا يمكن الغوص فيها ومعرفة
اسرارها دون النظر في الحلقات
الاخرى والتي هي علم الحياة وعلم النفس والفلسفة فكان
ان سعى لتقديم ترجمات اغنت المكتبة
العربية في هذا المجال (نظرية المسرح الحديث)
(المسرحية في الادب الانكليزي)
(تشريح الدراما) (التحليل النفسي والفني).
رحم
الله يوسف عبد المسيح الذي كان
طرازاً فريداً من المبدعين الذين تعددت مواهبهم
وتنوعت اهتماماتهم مجسدين
بكتاباتهم المعنى الخلاق للمثقف واثره في وعينا الاجتماعي
والثقافي والابداعي.
المدى