(الأسطة) .. سهيل سامي نادر

علي حسين
ابتسامة
شفافة وضحكة خجولة ونظرة عميقة
ثاقبة ممزوجة بروح التسامح والالفة وعينان تشعان
بالمرح ..انة "الاسطة" سهيل سامي
نادر الرجل الكثير الدندنة ولااظن ان الصوت الهامس
بالغناء داخله يتوقف لحظة واحدة
شريطة ان ينتمي ما يغنيه الى نفس مزاجة القلق دوما،
لكن يبقى محمد عبد الوهاب اكثر
مايدندن له..
يسعون اليه حين يتحدث ليحظى الجميع
بسماع حكمه المختصر الشديد
الدلالة.. مهندس للكثير من المطبوعات لتخرج من بين يديه
موجات من المبدعين والموهوبين
..وهو واحد من خريجي الصحافة الشديدة الارتباط بالناس
ومن كبار المتعلقين بها ..اسهم في
خلق تيار فني وثقافي مهم ودفع الى ان يأخذ النقد
الفني مساحة في الصحافة العراقية
..انشأ في صحافتنا الحديثة تيار من التفكير الحر
يصعب ايقافه كما يصعب تحويل مجراه..
وهو ملمح بارز في تاريخ النقد
التشكيلي
العربي من خلال قدرته على تحميل كتاباته
كل الرسائل الاتصالية والتعبيرية والفكرية
من دون ان يطغى احد هذه الانساق
على الجزء الذي يريد صانع الرسائل ( الناقد
التشكيلي) ان يكون الاجدر بالظهور
والاولى بالبروز ..شلال هادر بقدراته التي يعرفها
حق المعرفة لاشيء يدعوه مع موهبته
الكبيرة الى الانسحاق امام الاساتذة ولاشيء دفعه
مع نفس الموهبة الى التجاوز
والتطاول عليهم ..هو لمحة من لمحات التوازن القليلة في
حياتنا الثقافيه ..فنان ومفكر
ومثقف يعرف بالضبط أي الطرق الدالة يسلك حين يريد ان
يعبر عن معنى معين اوعن نص بالذات
..المتميز والعادي مربعان انتظما رؤيته في
الكتابة الصحفيه وهو يأتي في
تعامله مع المستويين ليحفر مجرى شديد التفرد والاختلاف
لرؤيته اذ ينتقل بينهما في تبادلات
هادئة وفاهمة لاتستهدف النقد المباشر اواصدار
الاحكام بقدر مايرسم من خلال
كتاباته بورتريها للحياة الثقافية ويقدم عبر ابداعه
رؤية مثقف لملامح الزمن الذي يعيش
فيه ( الجميع يريدونني ناقداً اما انا فلا اراني
الاكاتب نصوص ..لقد غيرت مرات عدة
طرقي في الكتابة لانني شعرت بأن علي ان اكتب
نصوصاً جميلة وليس نقداً).
وسهيل سامي نادرالذي عشق الفن
التشكيلي عشقه الصحافة،
مزج بين كلا العشقين بما انتج
الانجذاب الى قيمة الصورة في العمل الصحفي من خلال
وعي ناضج لم يستسلم الى الخطابة
الآيديولوجية الزائفة التي تقضي على الفن وقد
استطاع ان يجسد انتماءه الفكري في
تقنيات قادرة بخصوصيتها على تثوير وعي القارئ
جمالياً وفكرياً بل على تثوير
الوعي بالفن التشكيلي ودفعه الى اقتحام مناطق غير
مألوفة مؤكداً الجماليات النوعية
الخاصة لالتزامه الفكري الذي هو التزام فني في
النهاية وكان ذلك بعد ان عشق سهيل
الصورة التي حاول مزجها بالكلمة مدركاً بشكل مبكر
اننا نعيش عصر الصورة ، وان للصورة
في الصحافة التاثير الذي لايقل عن الكتابة ان لم
يكن يتفوق عليها احياناً.
تعد رواية ( التل ) التي كتبها
سهيل سامي نادر بعد
اربعين عاماً مضنية مع الصحافة
واحدة من اكثر الروايات العراقية اخلاصاً وصدقاً..نص
مدهش مفعم بالرؤى ومزدحم باكثر
حالات البوح والمكاشفة صدقاً واخلاصاً في الادب
العراقي ، وهو من اللحظات الاولى
يضعنا في لعبة البوح هذه
( وجدتني في موقع
مفكر محموم ..ادس انفي في حفر
التراب وحفر الحياة واوازن بين وصف الحفريات ووصف
الحياة الداخلية في ذلك النزف
الحضاري الدائم .فهنا وهناك نجد التبعثر نفسه
والضياعات نفسها) ..واذا كان ادب
البوح في العراق لم يصبح بعد وثيقة للتاريخ
السياسي والاجتماعي فان رواية (
التل ) تعد الوثيقة الاكثر اكتمالاً لوقائع الدمار
في العراق لما سبقها وماتلاها
ويخبرنا سهيل سامي نادر عن ظروف كتابة روايته: ( كتبت
الرواية في اثناء اجتياح صدام
الكويت شعرت بأن هذا الحدث سيدمر العراق على نحو ما
..لقد بدأت لي الحرية اشبه بطائر
يحوم فوق بلدي ..كتبتها مستوعباً جرأة جديدة حلت
في روحي ) اما عن ظروف نشرها فيقول
:( نشر روايتي جاء جزءاً من بنائها ودوافعها
وهشيمها فقد وقت دفعها للنشر وانا
احسب الساعات الى الحرب وبالفعل ظهرت مطبوعة قبل
ثلاثة اسابيع من قيامها.. ولم
توزع، ان بطل الرواية لا يظهر، تلك مأثرته ومأثرة
الرواية).. هذا البطل المتسائل
التواق الى المعرفة ولاشكالية الوجود الانساني يتخذ
من عمله باحث آثاري في احدى التلال
ملجأ وبديلا ً عن حياة تسربت من بين اصابعه دون
ان يستطيع الامساك بها ..- انقطاع
علاقته بزوجته – غربته الروحية – ابنته التي
تتردد عليه لتمنحه قسراً الشعور
الابوي- وهو في خضم هذه التساؤلات يعثر في تله
الاثير على بناء مدفون بداخله سبعة
هياكل عظمية لاناس عاشو زمناً صعباً شبهاً
بالزمن الذي يعيشه حيث انتهت
حياتهم بكارثة انسانية ويطلعنا الراوي على تفاصيل
حيلتهم من خلال مخطوطتين يجدهما في
التل الاولى لشاب كان يعمل طباخا والثانية لاخر
كان يعمل خطاطاً ولكل من
المخطوطتين رؤية ورواية مختلفة للحياة ..لقد اصبحت النهاية
التي انتهوا اليها وخواء عالمهم
الذي عاشوا فيه دليلاً يقدمه الكاتب على تعاقب
الدورات المغلقة في حياة الانسان
على مر العصور وان بلوغ حلم السعادة شيء من
المستحيل فالمصير واحد وهو ما
يدركه الراوي – فؤاد- حين يعترف في الصفحات الاخيرة
(فقد اغلقت علي النهايات ، شاعراً
بانني تركت وحيدا في صحراء تل الزعلان أعاقب على
اختياراتي وبوساطتها ، فلا فكاك
ولاامل ولااستئناف )..هكذا يدخل سهيل في لعبته
الروائية التي يتحرك فيها السرد
الى خلق موازنة بين لحظة معيشة واخرى قادمة من ماضٍ
سحيق فكان الكشف المحموم عن قصة
اولئك الفتية الاموات جزءاً من حاضر البطل ونبؤة
بما يخبيء له المستقبل ..في (التل
) نحن امام عمل روائي كتب كله تقريبا من خلال
الصوت الواحد ومن خلال استرجاعات
واستلهامات متوالية لبطلة ( فؤاد ) وحتى مشاركة
الاصوات الاخرى فقد طرحت من خلال
مقاطع حوارية بدأت وكأنها جاءت في اطار محاكاة
البطل لكل منها وفي اطار رؤية
ورواية للحدث ونظرته الى تفاصيله في لون من الكتابة
يمكن ان نطلق عليه اسم ( شغل
الابرة الادبية الدقيقة ) ..لقد عمد سهيل في هذه
الرواية الى تعشيق عدة خيوط صعبة
في آن واحد وتحرك في عدة مسارات متضاربة من اجل
تحقيق حالة من حالات الوحدة بين
المتناقضات في سياق روائي شديد التركيب ليوصل لنا
نحن القراء (آهة ) عميقة تشرخ
صدورنا وقلوبنا ..هذا المنلوج الحكائي الذي تمثله
الرواية والذي يتبدى الصوت الواحد
فيه عدة حالات بين الهمس والصراخ هو بمثابة تجسيد
لروح انتحارية قرر سهيل عبرها ان
يلقي بشهادة في وجه الجميع مهما كانت الام واوجاع
هذه الشهادة واعلن منذ اللحظة
الاولى ان حواجز اجتماعية اوسياسية لن تمتعه من
الادلاء بشهادته وان يسقط القناع
عن بشاعات غطيناها بخوفنا ثم غطينا عيوننا
وضمائرنا كي لانراها او نعترف بها
لانها ايضا بشاعاتنا .. لقد دفع سهيل سامي نادر
من خلال هذا العمل امامنا دفعة
واحدة بمنظومة من عناصر الاكتمال والنضج تجعل الحديث
عنه اوعن روايته متجاوزاً تماما
حكاية العمل الواحد اذ ان الطاقة الداخلية لادبة
وقدرته على الاشعاع والتأثير قد
افصحت عن نفسها في هذه الرواية التي اعدها واحدة من
الذرى الابداعية شديدة السمو
والارتقاء وهي عمل يبدو في الساحة الثقافيه العراقية
مثل قوس قزح في سماء صافيه.
سهيل سامي نادر الذي يخطط الان
لمغادرة جذرية تبعده
عن وطن واصحاب احبهم وورط نفسه في
عمل صحفي منهك من اجلهم يتمنى ان تتاح لة فرصة
كتابة رواية ثانية مثلما كنت اتمنى
انا الان لو ان هذا المقال اخذ حظه مثل مئات
المقالات التي اعاد كتابتها سهيل
قبل ان تجد طريقها للنشر.
****
المدى