المفرجي ونفائس ارشيفه الفني
أ.د. عقيل مهدي يوسف
برزت
صورة الارشيفي المفرجي منحوتة بدقة
في ذاكرة المشهد الثقافي العراقي على الرغم من
جهوده الصحفية ومقالاته الساخرة في
مجلة قرندل او تخرجه في معهد الفنون الجميلة او
معاكساته في جيل مضطرب يحلم
بالثورة الاممية والتكنلوجية في واقع ريفي وعشائري يفرز
قيماً متناقضة بين الحلم والواقع
المر هذا كان في ليالي خمرياته يقوم بغارات على
طاولات فيردي الكؤوس ويستبيح
الصحون والملاعق ولكنه احتفظ في قرارة نفسه بروحه
البغدادية الاصيلة ومجسه التقدمي
وميوله القاسمية ووفائه لرواد الوسط الثقافي بشكل
عام ورواد المسرح بشكل خاص وكان
هواه مع اخيه الفنان القدير فاروق فياض مع فرقة
المسرح الفني الحديث ولكم كانت
فاجعة فقد شقيقه ثقيلة الوطء على الوسط المسرحي اذكر
كيف كان احمد فياض في لحظة تشييع
شقيقه يفصل اللحظات الاخيرة من حياة فاروق ويعكس
بمرارة موجعة هموم شقيقه المسرحية
حيث لم يسند اليه هذا المخرج المسرحي دورا يستحقه
افضل من سواه وكيف ابعده فلان من
تمثيلية تلفزيونية .
هذا الحس الذي تلبس
احمد فياض المفرجي اتضح في مواقف
عدة من سلوكه اليومي كان معي مرة نشاهد مسرحية
طلابية في اكاديمية الفنون الجميلة
فاخرج قصاصة ورق ليدون فيها اسمي. كان هذا ديدنه
يوثق للاحداث الجسام وللاحداث
الطفيفة على مستوى واحد من الاهمية .
حين كنا في
نقابة الفنانين حرصت على رفقته معي
ومع زملاء اخرين لزيارة المحافظات منها الكوت
وكركوك والموصل واربيل وكنا بقلوب
مفتوحة نتعاطف مع فناني المحافظات وهم يكابدون
الامرين من اجل التعريف بالثقافة
الفنية هناك . ولم تكن مشكلاتهم غريبة علينا لاننا
معها جبلنا من معدن واحد وتهمنا
وتقلقنا الهواجس ذاتها وتحدق بنا المخاطر نفسها. لم
اكن اعرف المفرجي شخصيا حين كان
يشرف على الارشيف الفني في دائرة السينما والمسرح ،
فجاة وجدته مع زوجته الكريمة في
صوفيا فذهبت على الفور مع عائلته لتسيير امر سكنه
والقيام بواجبات الضيافة وكان
الفنان الكاتب نور الدين فارس قد بعث برسالة شفوية
معي الى المفرجي يريد فيها تزويده
بمصادر ومقالات محدودة لكنه رحمه الله لم يستجب
للرسالة كما ينبغي حتى انه امتنع
عن تزويدي انا شخصيا بما التمسه من مصادر ومراجع
!! وكنت ابرر ذلك بنفسي واجد له
الاعذار وهو حريص كل الحرص على ذخائره الثمينة
ويخاف عليها من التسرب والضياع ولم
يكن يعرفني. بعد سنوات من لقائنا هذا في بلغاريا
، وعند تعمق صداقتنا كان يلوم نفسه
كثيرا على موقفه اللامعقول هذا كما يسميه ذلك
لانه يهرع لمساعدة أي طالب علم
.مهما كانت صفته فكيف سوغ لنفسه حجب وثائقه عن دارسي
المسرح انفسهم. ما اطيب سريرته
وحبه للحياة ووفائه للفن والفنانين وما افدح مصيبة
فقدانه زوجته وهي تميل على ساعده
في السيارة لتفيض روحها الطاهرة ولتترك اثارا
ماساوية غائرة في اعماق روحه
الشفافة .. قال لي حين يشعر المرء حتى حين يكون في
ساعات الليل الاخيرة بانه يشكو من
ضيق فينبغي عليه على الفور ان يقوم من رقدته
وممارسة المشي على الفور سواء في
غرفة النوم او في البيت او الشارع والا فالموت
مصيره كنت اعجب من جرأته وجسارته
والاعلان الصريح عن افكاره السياسية الخطرة
ولايعير انتباها لكل اصناف العسس
والمخبرين والمتصيدين فيقول : عار على الذين
يخافون من الاعلان عن ارائهم بعد
سن الخمسين وما عجبت له هو منجزه النبيل في تكوين
دائرة البحوث في مؤسسة السينما
والمسرح ورعاية نموها ومواكبتها للتطورات الاجتماعية
ورصدها للمتغيرات الإبداعية وما
تثيره المهرجانات الوطنية والعربية والفرق الاجنبية
الزائرة من اسئلة البداية واضافات
حقيقية للخارطة الفنية في العراق سواء في السينما
والمسرح او الاذاعة والتلفزيون او
الفنون الشعبية للرقص او فنون التشكيل والادب
والنقد . كان حريصا على انجاز
مطبوعات كتب تحصي تتتبع ما تجترحه قرائح المبدعين
العراقيين بتفانٍ قل نظيره وكانه
يذوب في اعمال الاخرين ويعمل على ايصال خطاباتهم
الفنية الى الجمهور العريض الذي لم
ينسه هو وزملاءه امثال الناقد علي حسين والصحفي
عبد العليم البنا . فكان يعد
استمارات واستبيانات يوزعها على الجمهور ليستخلص منها
مؤشرات موضوعية مبنية على أسس
علمية سليمة في فهم اتجاهات الجمهور ومعرفة تفضيلاته
الجمالية والفنية والفكرية وطبيعة
شرائحه وفئاته العمرية ومتغيرات جنسه . .. قال لي
مرة انه فرح بكتابي الواقعية في
المسرح العراقي وهو من اصدار دار الشؤون الثقافية
وقال انه سيعقب عليه ولديه بعض
الاستدراكات الخاصة بالرائد جاسم العبودي وهو بصدد
اعدادها للنشر في جريدة
(الجمهورية)وكنت انتظرها بشوق لكنها للاسف لم تظهر على
الصفحة الاخيرة كما اخبرني حينذاك
...
لقد ترك رحيل المفرجي غصة في نفوس
محبيه
لانه كان على سجيته في حب الناس كل الناس
ولم يرد ان يؤطر او يجعل نفسه كائنا
مثاليا فوق الحد الادنى الذي يشترك
فيه الجميع فهو يضحك وينطلق منسجما مع سجاياه
اليومية ويستجيب بطلاقة للمسرات
الصغيرة ويمتع اصدقاءه بطرائفه ودفئه وحزنه وصدقه
وما وجدته يوما يدعي الزعامة او
الفحولة او التفرد الكوني النرجسي الفائق او اعجوبة
زمانه كما يحاول بعض الشقاة تلفيق
شخصياتهم الملائكية المزعومة !! بل كان انسانا
نبيلا في كتاباته وحقيقيا في واقعه
تتجاذبه الحياة بجبروتها وقساوتها وعتوها وكذلك
في اقبالها بعد ادبارها وفي رخصتها
بعد شحة جحود . مازال الوسط الجامعي يتباهى
بتلؤلؤ اسمه في الرسائل والاطاريح
والبحوث والمقالات لانه شكل ذاكرة ثمينة لايعرف
قدرها الا من يحاول البحث عن خيط
واه في خيوط متشابكة في الاقبية الرطبة والجذاذات
الصفر والجرائد المندرسة في حين
انه يغدقها عليهم بغبطة وبلا منة اكرم به من رائد
في ارشفة ذاكرة وطنية وما ابهاها
وما اعلى روحه ونبل مسعاه وهو يتوارى خلف الكواليس
ويذوب في الابدية ليترك كنوزاً
ارشيفية للاجيال من بعده تزهو بالعلم وتتكاثر
بالمعرفة وتحيا بروحها المستقبلية
من اجل خير الوطن وسعادة ابنائه .
***
المدى