احمد فياض وحقيقة الاشياء
يوسف العاني
ليس
البارحة ولا قبل
سنة او سنتين او عشر سنوات وانما قبل اكثر
من اربعين سنة تزيد او تقل شهورا ..
المكان معهد الفنون الجميلة شاب
نحيل اسمر اللون ضاحك الوجه يوما متجهم الملامح
يوما اخر يجادل طويلا ويصمت طويلا
وفي كلا الحالتين تحس بان لديه وجهة نظر ليس من
السهل التغلب عليها لانه يحمل
دلالاتها ووثيقتها .. وفي عام 1959 كنت من ضمن من
اسهموا في القاء المحاضرات ولمدة
قصيرة في المعهد وكانت مادتا الابتكار والتمثيل
الصامت حصتي من تلك المحاضرات
.
منذ ذلك الزمان وفي ذلك المكان
عرفته .. احمد
فياض المفرجي ثم بعد ذلك الزمان وفي غير
ذلك المكان عرفته اكثر واكثر وما كنت لولا
مفارقة لم تخطر على بالي
..
وادري انه كان موظفا في وزارة
العدل وانه كاتب
ضبط في اكثر من محكمة ..مرة في محكمة
الجزاء واخرى في الصلح وثالثة في دعاوى المرور
وياتي مساء كل يوم محملا بوقائع
يسجلها عنده خارج سجلات المحكمة او يؤمنها ذاكرته
ثم يتسلق سلما اخر وهو الفن من درب
المسرح والسينما والفن التشكيلي ايضا .. يكتب
ويسجل ويؤرخ وينظم شعرا بل الف
كتابا عن شعر المراة . وشعره كان رقيقا وانيقا ولا
ادري لم هجره .. ترى هل اعتناقه او
اختناقه بحقيقة الاشياء هكذا كنت اسمي ارشفة
وتحقيق الاشياء .. ان نجد حقيقتها
ونسجلها بامان .. كنا نلتقي واحكي له ما في
الذاكرة وما اطلعت عليه في كتاب او
في قصاصة فيبتسم ويمسك القلم فيكتب ويأتيني في
اليوم التالي اما مؤيدا او مصححا
او ساكتا لايقول شيئا .
مرة رويت له حادثة
طريفة يوم كانت سينما رويال مسرحا
.. في الثلاثينيات او قبل الثلاثينيات جاءوا يوما
فلم يجدوا الستارة وحاروا بمصيرها
فلم يعرفوا السارق او من اخذها بعد اكثر من شهر
دخل حارس المسرح يرتدي معطفا يقيه
من البرد كان من قماش الستارة المسروقة صرخ احمد
(بديع) اريد معرفة تاريخ الحادثة
.. والمسرحية التي كانت تمثل قلت له الحادثة رواها
اخي عبد الغفور وأيده صديقه
المحامي عباس بغدادي فراح يبحث عن عباس وهو ذاكرة تاريخ
الحدث التقريبي وعرف المسرحية
وارتاح ضميره كما قال لي .
ورحنا نعمل معا في
المركز العراقي للمسرح وفي
مهرجانات ومؤتمرات المسرح والسينما خارج العراق وداخله
عمل الراحل في الصحافة كثيرا وفي
نقابة الفنانين كان اعلام وتوثيق دائرة السينما
والمسرح على كتفه عبئا مريحا عزله
عن كل الاشياء الاخرى ليختنق كما قلت بحقيقة
الاشياء الفنية وقبل أكثر من ثماني
سنوات لنؤبن ونقول كلمات كما قلناها في حقي
الشبلي ويحيى فايق وعبد الله
العزاوي وفوزي محسن الامين وجاسم العبودي وناجي الراوي
وابراهيم جلال ويعقوب الامين ومحمد
القيسي وحامد الاطرقجي وبهنام ميخائيل وطعمة
التميمي وفوزي مهدي وعزيز علي
ونزار سليم وليلى العطار وكامل القيسي وزاهر الفهد
وهاني هاني وعبد الرحمن فوزي وعبد
الجبار كاظم واخرين واخرين فارقونا بهدوء
وودعناهم بصمت وينفض الجمع وتبقى
في النفوس حسرات وحسرات تتبخر بعد حين مع الزفرات
ومرارة الحياة فلا تستقر على قاعدة
التاريخ الذي يقرأ فالاستاذ ذاك التاريخ قد مات
احمد الذاكرة والقلم والاوراق
المتكدسة والصحف والكتب والمجلدات والقصاصات حتى
اوراق السكائر كانت عنده مصدراً
يخبئها عن اعين الكثيرين لكنه وكما قلت يخبئها في
صندوق الذاكرة الذاكرة الحقيقية
لتظل مصدراً للآتي من الزمن وللآتين من الدارسين
والباحثين عن الذي كان والذي
سيكون. الغريب انني حسبت انه سيموت في ثلاث مناسبات
الاولى كانت عام 1976 يوم حملنا
اخاه زهرة المسرح العراقي فاروق الى مثواه الاخير
كان يسير بعيدا عني في ذلك اليوم
تركت الفاجعة عندي خدرا في يدي اليسرى ولم اقدر
على تحريكها. لم احك لاحد.. لكننا
وحينما اودعنا فاروق الثرى صرخ احمد (استاذ يوسف
فاروق ما عنده دور في مسرحية
الخان؟.) وبكى .. نعم صرخت وبكيت بحرقة عاد الدم الى
يدي في ذلك اليوم وانا اراقب احمد
وما حل به .. حسبت انه سيموت لكنه لم يمت
..
المناسبة الثانية يوم ماتت زوجته
الفاضلة الكريمة على كتفه وهو في طريقه الى
المستشفى كان مذهولا ماخوذا محسوسا
بلا حياة لكن احمد لم يمت..
المناسبة
الثالثة عام 1994 يوم وجدت ورقة
كتبها بخط يده يعلن عن عزمه على الانتحار بعد ان
يئس من الدنيا وباع مكتبته ومزق كل
اوراق ومصادر ارشيفه الثمينة . وفي وصيته تلك
كان يدعو اصدقاءه الى ان لايبحثوا
عنه وان يتركوه في المكان الذي سينتحر فيه .. لكن
احمد لم ينتحر ولم يمت .. هذه
المرة جاءنا الخبر تماما كما ياتينا النبا العجب
لاندري اصحيح ام خطا؟. احقيقة ام
خيال ؟. وكنت انا وعادل كاظم نريد زيارته عسانا ان
نخرجه من صومعته وعزلته ونرش املا
في صحرائه المجدبة القاحلة عسانا نعيده الى
الحياة من جديد .. الغريب الغريب
.. اننا كنا نفكر بالحياة الجديدة له واحمد فياض
قد فارق الحياة من دون ان ندري.
****
المدى