ناجي.. أيها الحميم... لماذا هجرت البتاويين؟؟؟
عبد الخالق كيطان
إنه الموت مرة أخرى... وأخرى... وهذه المرة مع الفنان الرقيق ناجي كاشي..
قال الشهود إنه وجد ميتاً في منزله في مدينة السماوة الجنوبية.. صرعه قلبه..
هكذا يا ناجي.. قلبك هو الذي صرعك.. فيا للمحنة.. ولم تكن في سيرتك التي أعرفها، ويعرفها المئات من محبيك وأصدقاءك، غير قلب نبيل يجتاز المحطات القاسية بكثير من الصبر والقدرة على تحمل الآلام.. كنا شركاء يا ناجي في ذلك كله، وها أنا لا أملك الآن غير التشرف بتلك الشراكة الشريفة..
في مقهى في البتاويين... أو في أروقة أكاديمية الفنون الجميلة.. في صالة مسرح الرشيد الشهيد، أو في شقة شارع فلسطين... في شوارع الكرادة.. أو في صخب الحانات.. أو منتدى المسرح ..هنا .. أو هناك.. كنت تعاند أحزانك.. سوء الحظ.. وضيق اليد.. ولكنك لم تكن أبداً غير قلب يحمل من جرار الحب ما أعجز عن وصفه..
ويا ناجي كاشي.. يا شريك الأحلام والآلام.. لم أكن قط أتصور أنني سأكتب عنك مثل هذه الكتابة.. تتذكر (من أجل أنكيدو)، ذلك العرض الذي أبهرني، وأبهر غيري فصمتوا ولم أصمت، كنت فرحاً بصوتي العالي في القاعة الملتهبة.. حدث ذلك قبل حوالي عشرين عاماً... ياه... كم كبرنا.. وصبرنا.. وتعبت قلوبنا فما عادت تحتمل!!!
ويا ناجي كاشي... أيها الحبيب الذي يحتفظ بالكلام لساعة خاصة.. تعلمت منك كيف أنصت.. وتعلمت منك أشياء أخرى كثيرة.. ولكني لم أعد نفسي جيداً لساعة مثل هذه.. ساعة شعارها الندب وعنوانها الدموع.. وماذا أفعل وأنا بعيد عنك، عن جنازتك.. مجلس عزاءك .. وهذه المسافات الشاسعة جداً؟؟ ماذا أفعل غير نحيب صامت ملتاع.. واستذكارات تسيل من وراءها الدماء؟؟
ويا ناجي كاشي... أبحث الآن في الوجوه عن فيصل جابر عوض... علني أنزف في أحضانه أوجاعي..
ويا ناجي كاشي.. أنني أرى الآن حشداً من الكهان والقديسين والمعممين وهم يحملون الشموع جميعاً ويدورون في حلقة ذكر منتقاة.. هنا جسد الفنان.. صانع الأحلام والأوهام.. والقيم على بركات الجمال الكونية.. هنا جسد صرعه قلبه الرهيف.. جوق اللاطمات يحيط بالحشد، أياديهن على الخدود.. الرجال الذين شدهم المشهد الرهيب أكتفوا بالمراقبة.. ودموعهم على الخدود.. الفنان الطيب.. عاشق الغرابة والعزلة يتمدد الآن بوقار شبيه بوقار الأباطرة.. يخرج من جسده رجل آخر.. رجل في أواسط العمر، يخترق الحشود دون اكتراث، ويذهب إلى مقهى في البتاويين ليحتسي الشاي ويقلب في أوراق مختلفة..
ناجي كاشي.. يا صاحبي..
لقد أدميت قلبي
***