غنــاء الخســارة
عباس بيضون
هذه المرة لن يكتب
محمود درويش جدارية اخرى. هذه المرة لن يخدع الموت الذي خرج منه
ناجياً من قبل. من عاش مثله في الوقت الضائع وما بعد الحياة
يدرك ان الموت خصه كما خصته الحياة. لم يخطفه وحده. عرف
ساعته وصار إليها بقدمه.
لم يكن محمود درويش يعتبر الموت عرساً
كما اعتبره جلال الدين الرومي لكنه لم يكن بالنسبة له مجرد فراغ.
لقد حمله في قلبه وأحشائه وتحول الى طرف في معادلته الشعرية
والحياتية. اضيف الى الكلام وإلى السلوك كملح للحقيقة وعمق
غير منظور. كان النزوح والموت شراعا محمود درويش والحق انه
استدخلهما وجعل منهما واقعاً خاصاً. صنع منهما تلك الأوديسة الفلسطينية التي راحت
مع الزمن الى اسطورة خاصة وعقدة انطولوجية. هنا المكان وهنا الزمان
ومحمود درويش يبحر بين الاثنين ولا يرسو هنا او هناك.
لا بد انها عملية ترميز وتأويل استقطبت
كل حياة درويش وكل مشروعه، التوسط بين الجسد والمكان، بين الرحيل
والمقام وبين المملكة المفقودة والزمن الحاضر. هذه العملية
هي جدل شعر محمود درويش ومدار حياته، جعل درويش من الرمز
الفلسطيني ميتافيزياءه الخاصة وكما هي غالبا مهمة الشاعر،
عَقْدُ الحوار بين السماء والارض، غدت السماء ارضا شخصية، انعقد الحوار بين الجسم
والمكان وتم للمكان ان يغدو جسما. لنقل ان الموت الذي خرج منه
الشاعر خرج منه بجسد تلتقي عنده السماء بالأرض. ربما من
مخاض الموت الذي لم يكن سوى صورة موهلة مجسمة للنزوح
والفقدان خرج جزء كبير من »حقيقة الشعر الدرويشي«. اذا كان درويش ضرب للموت
موعداً فلأنه كان يعلم انه كان دائما قريبا ولان ما بينهما لم يعد
سرقة وغصبا.
ضرب للموت موعدا لانه مذ حل في كلامه ووجد عبارة
وصورة صار في الخارطة الشخصية للشاعر.
اذا كان شعر محمود درويش غالبا شعر الخيار الوحيد الذي يغدو مع الوقت ميزة
وأفقاً. اذا كانت مرثية الهزيمة التي تتحول الى قيمة اخلاقية، اذا
كان تعريفه الضمني للشعر هو الرثاء وهو غناء المغلوبين فإن
البقاء على سن الهزيمة والخيار الاجباري هو ايضا المقياس
التراجيدي للحرية والنبل. والارجح ان تجربة درويش مع الموت
هي الصورة البؤرية لهذا الصراع. حين حانت الساعة كان الموت على سن الرمح ولم
يكن هناك خيار آخر ولا اقل فداحة وكعادته لم يعتذر محمود درويش.
سار الى موعده انيقا ومستويا. ودع اصدقاءه بوجه مرفوع ومضى
الى حيث يقيس ايضا نفسه.
كان محمود
درويش في عز مجده حينما تأكد ان هذا المجد بحجم الالتباس الذي يولده، شاعر فلسطيني
وشاعر الثورة وشاعر القضية. لم يكن الشاعر غير دار بأن فلسطين هي
موضوعه الغالب. ولم يكن ليتنصل من
التزام واع بقضيته، لكن ما فهمه درويش هو ان الليل يمكن ان لا
يكون اسود والموضوع والمناسبة ليسا واحداً لدى جميع الشعراء او
الكتّاب فهم يتمايزون فيهما ويختلفون.
لم يكن غناء درويش فيما بعد غناء حربيا بطوليا
انتصارياً كما وسم الغناء الوطني، ولم يحب درويش ان يحشر في هذا
الغناء العربي الحماسي، في سبيل ذلك كان الشاعر العربي
الاول الذي يصارع جمهوره ويصارع موضوعه ويصارع اسمه وشهرته.
يذكر الجميع عقدة »سجّل أنا عربي«. لم يخسر محمود درويش
جمهوره.
كان قادراً على ان يضع في الشعر اكبر نسبة ممكنة من
ذاته، ان يرد الشاعر الى طراوة وبساطة
فاتنتين، على ان يقول الشخصي بلغة العام، على ان يكون نفاذا
وقريبا في آن معا، على ان يبدأ من بداهة ليغربها ويخصصها ويستدخلها فيما بعد،
على ان يزوّج الغناء للفكرة. على ان يقول النثر بصيغة الشعر، كل
هذه ملكات تصدر عن قوة الموهبة. وحدها تقدر على ان تستدخل
كل الحافظة الشعرية وحدها قادرة على لم عناصر متفارقة اساسا
وادماجها في تركيبة واحدة.
قوة الموهبة جعلت من درويش
يتحرر من القصيدة الوطنية داخل القصيدة الوطنية، ومن الجمهور داخل
الجمهور. بل هي التي جعلت من محمود درويش في الان نفسه
شاعرا شعبيا ومجددا، وان يكون نجماً ونخبوياً وأن يكتب
بحرية من دون ان يخشى العزلة، وأن يورط عامة ادبية بأعمال شخصية
وتأملية، وأن يحول قصيدة عن تجربة موت الى أثر رائج، الارجح ان
محمود درويش امتلك من سلطته على الجمهور قدرة ان يكون حراً
وأن يطمح الى تركيبة الجمهور وتأهيله، مع ذلك فإن المسألة
ليست في سلطة درويش وحدها، انها في عملية ان يتحرر ويحرر في آن
معا.
لقد تخلص في العلن وفي تجربة مكشوفة من رواسب لم تكن
لتفسده فحسب بل وتفسد جمهوره معه. ليس
النفس الحربي الانتصاري البطولي مطابقا بالضرورة لجمهور مغلوب
ومرضوض ومغدور بحسب رأيه، والارجح ان ماعافه محمود درويش هو بالضبط
هذا النفس الانتصاري الذي يحول الادب تقريبا الى تزوير، لم
تكن هذه مسألة شكل فحسب كانت اكثر من ذلك مسألة رؤيا.
محمود درويش ليس شاعر حماسة. انه باختصار شاعر مرارة
ويمكننا بسهولة ان ندرج شعره تحت عنوان الرثاء. الارجح ان موضوع
درويش الاساسي كان الخسارة والفقدان وبكلمة واحدة فإن
موضوعه الاساس هو الهزيمة. انها رؤيا تولدت لدى محمود درويش
بالتدريج. لم ينكر درويش الصراع بالطبع لكنه قرر غالبا انه ايضا في
الاسم والذاكرة والبقاء وليست الخسائر فيه سوى تراث اضافي ومخاض
للمستقبل. غنى محمود درويش من سماهم وولت ويتمان شهداء
القضية الخاسرة وغنى الخاسرين والمغلوبين بنبل الخسارة
وتحليق التراجيديا.
لم يكن حظ درويش من الحياة واحداً. لقد وصل
بسرعة وسهولة الى نجاح مطلق، وبات نجما في بلاد العرب ونجما في غير
بلاد العرب. وكرس حياته كلها للشعر
بدون اي تطلب اخر. لعل درويش من »النجوم« القليلة التي ليست
زائفة.
صارع محمود حظه وما جاءه بسهولة اعاد ابتكاره بنفسه.
لكن محمود درويش كان يملك »حضورا« يوازي
شعره بذكاء لماح وعقل تحليلي وفكاهة وفتنة. لم لا محمود
درويش فاتن والارجح ان طلته وصوته واداءه فتنت جمهوره ايضا، بالتأكيد كان درويش
النجم يملك ذلك الوعي الشفاف الذي يجعله يفرز الثقافة من المواصفات
الاجتماعية، لم يكن الشعر غايته فحسب بل وجه الشاعر وصورته
وشخصيته. في ذكائه لم يكن يكره شيئا كالبلادة والسخف
وهما في
الغالب مصير النجوم. لقد اعاد ابتكار نفسه وسط الجمهور.
لم يطور شعره فحسب ولكن بنى استقلاله وفرديته ورؤيته الخاصة. ومع الوقت كان
محمود درويش يزداد وعياً لشخصه ولشعره. مع الوقت كان يزداد نضجا ونقديه... وإصغاء
وتواضعا. زالت عناصر استفزاز في شخصيته. تخلص من حدة وصعوبة وظهرت فيه ليونة وسلاسة
ما كانتا اساسا في طبعه، كان يغدو اكثر فأكثر فردا ومستقلا وشاعرا، انها اللحظة
المناسبة ليمكر الحظ وليسترد هداياه. لا اعرف كم ترك وراءه من قصائد اعرف ان الشاعر
الذي فيه كان لا يزال عامراً. لقد انقصف في ربيعه. دعك من العمر.
انقصف محمود
درويش في ربيعه. هو حينها افتى منه في شبابه. لقد تصالح مع الخسارة، خسارته الخاصة
وخسارة شعبه. لم يعد متشنجا ولكن هادئاً وحكيماً. لقد وجد شعبه يوم وجد نفسه ايضا.
كان قادراً على ان يكون مع الاضعف وان يدين، ولو بهدوء، الذين يحولون الضعف الى
حماقة وإهدار. جازف بأن لا يكون لكل الفلسطينيين ولكل العرب. لم يعد للاجماع حين
وجد »جــمهوره« يقتتل في الساحات. انها المرارة حين لا تكون الخسارة نبيلة وحين
تتحول الى ضغينة عائلية مرثيه غدت اكثر تركيبا وتعدداً. انها مرثية من يخسرون
خسارتهم او يبيعونها بخسارة اضافية. محمود درويش الذي كان قادراً على ان يقول اكثر
نفسه شعراً، وربما اكثر واقعه، قال كثيراً وكثيراً جداً لكن الواقع مثقوب وبلا قاع
ولا نهاية لنزيفه.
****
السفير