مالك المطلبي واللعب بالكلمات
 

علي حسين


براءة مدهشة ممزوجة بحكمة مجربة.. وهناك بالتاكيد عشرات الصفات الاخرى التي تشكل قوام شخصية الناقد والكاتب مالك المطلبي والتي هي مزيج من سجايا وخصال المثقف الاكاديمي الوطني والمبدع المتمرد على ارصفة مقاهي الادب..هكذا كنت ارى المعلم مالك المطلبي يوم ان خطوت اولى خطواتي باتجاه مقهى حسن عجمي وقتها استمعت لاول مرة لتعليقات المطلبي التي يغلفها دائما بروح النكتة وعرفت فيما بعد ان هذة التعليقات ماهي الادرس عن دور المثقف وعلاقتة بالمجتمع... هذا التركيب الفريد الذي ضم بين عناصرة عبقرية الكاتب ووطنية المثقف واحساس الفنان..هذا التركيب الفريد احتواه هو في عقلة وروحة ليصبح مالك المطلبي واحدا من الذين شكلوا وجداننا الثقافي وواحداً من القادرين في سطورهم واحاديثهم على اختزال وتلخيص لحظات المعرفة في حقبة زمنية كاملة..

رجل شديد الاعتزاز بعراقيتة..شديد الشبه بوطنه نافر ومتمرد وعنيد ورقيق واسر وكريم وعاشق ومستوحد..شديد الشغف بجنوبيتة وهو يردد ضاحكا (من الحلفاية انطلقت اولى شرارات المعرفة).. حين يبدا بالحديث يصمت الجميع..حديثه ياخذ شكل الاحكام.. كلماته بمثابة سطور الحكمة في قصيدة شاعر لكنها على الرغم من اتخاذها شكل الاحكام فان المعلم المطلبي ينأى بها عن الاطلاق وهو دائم الدخول والاشتباك في ساحات الحوار مع الجميع بصبر وداب ورقة وحزم بحيث نستطيع ان نقول ان مالك المطلبي يعد اعظم محرض ديمقراطي على الحوار سيارته دائما صغيرة متوسطة العمر وقيافته بسيطه لائقه وجذابة..يحرك يديه حين يمتعه الحديث..لايتحدث عن المال ابدا لايشكو ولايشكر بل هو مولع بالسخرية التي يعدها حافزا لتنشيط طاقته على العمل وتعبيراً عن نزوع شخصي مع قدرة لافتة على التدفق في الحديث واللعب بالكلمات وتداعياتها.
تزدحم جامعاتنا بنموذجين من الاساتذة..الاول اسير للقواعد الصارمة معني بالتوثيق على حساب المحتوى منشغل بداخله..علمه بضاعة..الكم عندة اولوية على النوع..والسير على المالوف علامتة وطريقة في التعليم والتعلم..اما النموذج الثاني فهو نموذج الاستاذ المفكر صانع المعرفة مفجر الاسئلة..الدافع بالعقول الى اعادة الاكتشاف والبحث عقلاني ومتمرد في ان واحد يوائم بين عمله الاكاديمي الابداعي مثقف متحرر من الشهادة وهو النموذج الذي ينتمي اليه الدكتور مالك المطلبي مما يجعل حضوره فاعلا ومستمرا خارج اسوار الجامعة يؤمن بان البحث العلمي لاينغلق على نفسه داخل اسوار الجامعة منعزلا عن قضايا المجتمع. وان دراسة الادب لامعنى لها مالم تضع في اعتبارها الاول الدور الاجتماعي والفكري الذي يسهم به نقاد الادب في الارتقاء بالحياة من مستوى المعيشة الى مستوى الحرية.. وان الاستاذ الجامعي الحقيقي هو من يمتد برسالته التنويرية والابداعية الى خارج اسوار الجامعة مشيعا قيم الحرية الفكرية في المجتمع ومتحديا التقاليد الجامدة بما يفتح الحوار المغلق للثقافة على وعود التجديد والابتكار والتجريب وهو يشخص هذه العلة حين يقول (كل النتاج الاكاديمي شب على عزلة انه اسس تاريخ العزلة بينه وبين ما وراء اسوار الجامعة الادباء المتحررون من الشهادة في واد والادباء ذوو الشهادة في واد اخر وهكذا يمكن النظر الى النقد الاكاديمي عبر الرسائل الجامعية بكونه منشغلا بداخله بحث جدوى وليس بحث معرفة).
ويشهد له تلامذته بانه استاذ بارع يوضح كل منغلق ويثور ضد كل اشكال التخدير والتوهم.. ويشهد له العارفون بالجامعة بانه نجم حين يسير في ساحات الكلية فالكل يتهافت عليه ويمازح الجميع ويناقش الجميع يمنح المعرفة بفرح ويستقبل الاسئلة بدهشة. تغريه الكلمات ودلالاتها وهو منغمس في هذا العالم وليس مصادفة ان كل ما تعلمناه ونتعلمه من مالك المطلبي يدور حول الكلمات. ولايفارق مجالات استخدامها ومستويات توظيفها ودلالاتها.. فاللغة بالنسبة اليه معرفة مغايرة بالكلمات التي لم يعد لاية مفردة منها معنى او قيمة خارج العلاقات التي تستمد منها الحياة والحيوية.. فكان ان سعى دائما الى التوقف على علاقة الكلمات واكتشاف اسرارها بواسطة احدث مناهج البحث الاكاديمي والكلمات هي الذات في مجال الدرس والاداة في مجال الابداع حيث سعى المطلبي منهجيا الى ان يكتشف عالم الكلمات في النص الابداعي خصوصا عالمه في علاقته بغيره من عوالم الواقع ولهذا خص المقال الادبي بهواه فكتب سلسلة من المقالات الادبية بدات بذاكرة المقهي مرورا بالهمهمة العراقية وليس انتهاء بحكاية البنطلون وحفريات الحلفاية اراد من خلالها ان يقتنص بالكلمات او يثبت بها اللحظات التي سرعان ماتضيع في تعاقب الزمن او تفر من تتابع الاحداث فالمقال الادبي وليس النقدي عند المطلبي هو الذي يعتمد على حدة التاثير والانطباع الذي يسعى من خلاله الى اقتناص اللحظات المراوغة وابطاء تدافعها بما يتيح للوعي ادراكها بالكلمات. ولهذا فانا اعتقد بان المطلبي اراد ان يقول بان كل مقال ادبي هو تجربة جديدة في التقنية فكل مقال استذكاري عالم صغير متفرد في بناء اللحظة التي تقتنصها الكلمات (قبل ان التحق بالطابور الطويل الذي امتد خمسة واربعين عاما من 1958 الى 2003 كنت قبل هذا التاريخ مملوءا بالاختلافات الانسانية الجميلة كنت اذهب في طفولتي الى ساحة السينما في الهواء الطلق حيث تقف سيارة السينما المتجولة امام شاشة بيضاءتتموج ببطء في جلوسنا بحيث نكون نسيجا بشريا بفجوات تستطيع فيه أي عين ان ترى جزأ مقبولا مما يعرض على الشاشة البيضاء وحين تنطلق حزمة الشعاع من فتحة غامضة في السيارة باتجاه الشاشة فوق رؤسنا نرى مايشبه انبوبا من الغبار الشمسي يؤدي في النهاية الى ظهور ملك العراق فيصل الثاني المعظم وملكة بريطانيا العظمى يخترقان بعربة مكشوفة وسط حشود الملوحين بالمناديل البيضاء لتملاء اكفنا الصغيرة فضاء الساحة بالتصفبق. كان نقص تكنلوجيا المعلومات يسد بتوزيع مجلة العالم الامريكية بسعر رمزي والى خطوات لبست بعيدة عنا تنزل سيارة عسكرية دفعه من الشيوعين العراقين المنفين الىبلدتنا القصية وهم مقيدون بسلاسل..وكثيرا ما كنت وانا اتابط مجلة العالم الامريكية بارسال طعام يمر من خلال الشرطة الى المنفين حيث تتناهى الى سمعي اناشيد غامضة، هكذا كان مسموحا لطفل مثلي ان يعيش بين المتناقضات وقد ادركت بعد ذلك ان هذا هو جوهر الديقراطية) بهذه الطريقة يمزج مالك المطلبي الماضي بالحاضر في سطور تحمل حس السخرية العميق الذي يلازم الوعي اليقظ بالمفارقه المتكرره في المشاهد والبسمه المراوغة التي تبدو من خلال وصف الحالات.. كلها صفات نجدها في تراكيب السرد الذي يفيض بشعرية تدل على ثبات الصنعه وهي صنعه تدل بدورها على ان ابداعات مالك المطلبي في فن المقال الادبي تصلح دليلا على تنظيره الذي يقول ان مادام تصميم المقال قائما على الاداء الدقيق للانطباع والتجسيد المحدد والمكثف للحظة فلابد ان يختلف تصميم كل مقال عن تصميم غيره من المقالات والواقع ان كل ماكتبه المطلبي عن المقال الادبي حققه عمليا بما نشره من مقالات..
يكتب رولان بارت: (ان علم الدلالة في نهاية الامر فن، والفنان يلعب بالرموز وكانه يعرف هذه الخديعه،متذوقا لعبته ساعيا الى ان يجعل الاخرين يتذوقونها ويفهمون اغراءها) اكتشف مالك المطلبي اغراءات هذه المقولات مبكرا وسعى منذ البدايه الى ان يفكك ويركب ويقرا ويعيد القراءه الى مالانهاية موقنا بان كل قراءه للنص الادبي هي عمل من اعمال الذاكره بمعنى ان كل قراءة توقظ المعاني القديمه.. والرسوبات القرائيه القديمه تعمل على توالد مستمر للنص نفسه وللذاكرة اياها. وهكذا ينجو القاري من سجن النص ويتجه بحريه مع الكاتب..حرية القاري الذي لايكتفي بظاهر النص بل يطمع بكل بواطنه..وحرية النص الذي تحول الى كائن حي مستقل ينبض بكل الاتجاهات (ان تناول قصيدة تناولا عضويا برفض التعامل معها كاجزاء مستقله سيكون بدوره قراءة تجزيئيه اذا لم يوضع في مكانه في كلية الشاعر ثم في كلية الشعر وهذه المفاهيم التي انطلق منها تلتئم في منهجية.وهذا هو الاطار الاكاديمي الذي لاارغب في تجاوزه لكي لااقع في انطباع دائم وقد نسمي هذا المنهج بنيويا اونصيا اوسيميائيا اوتفكيكيا. لنسمه ماشئنا ولكن ينبغي ان نظل على وفاء للمفاهيم)
من بين اهتمامات المطلبي العديدة اهتمامة بالدراما التلفزيونية والاذاعية وقد قدم العديد من الاعمال..لكنني ساتوقف عند عملين شغلا المطلبي سنوات طويلة واعني بهما عمله التلفزيوني (المتنبي) والاذاعي (ابي تمام)..اذكر المرة الاولى التي قرأت فيها مسلسل (ابي تمام) مطبوعا ضمن منشورات وزارة الثقافة واتمثل الان شخصيات المسلسل وانا اتابع مبهورا تقلب الحظوظ بالشاعر وتحولات المكان والزمان وتبدل المصائر والاقدار.. اندفاع ابوتمام في اكتشاف الامكنه والارتحال في البر والبحر.. مسلسل يشدك اليه من الصفحات الاولى فتنسى انك امام عمل اذاعي وتؤمن ان الذي تقرأه سيرة ذاتيه تتجسد فيها قوة العقل والقلب واهواء الجسد والروح وارتحالات المكان ورغبة الاكتشاف التي تلهم العقل اكتساب المعرفة
والمرة الثانيه حين شاهدت مسلسل المتنبي حيث نقلنا المطلبي من منطقة السحر بالشاعر الى منطقة العلم..فكان ان شاهدنا عملا دراميا فتح لنا باب يفضي الى مالم نكن نعرفه من قبل..مالم نكن نلتفت اليه في قصائده..وادركنا ان هذا الذي قرأناه من الشعر ماهو الاحياة تتقلب بين السوقه والملوك بين السادة والعبيد. الاثرياء والفقراء دنيا من العشق والتحليق اللانهائي في عالم القصيدة.. فرحة هائلة مهوسة بالصور والكلمات والازقة والطرقات والاسواق..دسائس القصور ومؤامرات الطامعين..العلاقات المعقدة بين الشاعر والحاكم..الصورة الاخرى من المتنبي..المتنبي الذي ينال المجد بالكلمات ويبدع عالمه بالقصائد ويعكس ازمة النفس بواسطة الخيال..التعارضات الدائمة بين المجد والخنوع..قوة السلطة وحكمة القصيدة..ننظر الى المتنبي ونتعرف الى صوت المطلبي التحليلي وهو يمارس تشريحه للشاعر يرجعة الى عناصر تكوينه تمهيدا لاكتشاف علاقاتة التي تصنع دلالاته..هكذا ادركنا لماذا قتل المتنبي وابعاد صراعة مع سيف الدولة ولماذا هجا كافور وعرفنا مستويات الحياة الاجتماعية..وعرفنا كيف تعالج المادة التاريخية..وما ان ينتهي المسلسل حتى كنا نحن المتفرجين قد دخلنا عوالم جديدة اصبح فيها للمتنبي اوجه مغايرة في وعينا..واصبح لوعينا في المتنبي افق مغاير.
بقامته الطويلة وابتسامته المشعة وولعه بلعبة الكلمات التي تبعث السحر بالنفس يقف مالك المطلبي شاخصا، فاعلا، منتجا، في المشهد الثقافي الوطني العراقي.

المدى

دفاتر